لا أكاد أعدو الحقيقة إن قلت إن المرأة العربية بعامة والمعاصرة منها بخاصة لم تنل حقها من تقديم ذاتها في شكل سيرة ذاتية، تكتبها هي عن ذاتها، أو الكتابة عنها في شكل سيرة غيرية، تعرّف بها وبأعمالها العظيمة، التي وفقت للنهوض والاضطلاع والقيام بها عبر مسيرتها الحياتية، إن المرأة العربية قد حظيت في مسيرتها بمحطات وأعمال جديرة بتخليدها والإفادة منها، فهي تتمتع بموروث عربي وإسلامي يمكنها أن تغرف منه، ويدفع بها إلى المقامات الأولى المتقدمة من الحياة، وعلى الرغم من أننا نسمع عن إشارات هنا وهناك عن نماذج نسائية عربية، ذوات فضل ونبوغ وإنجازات لا تقل عن فضل ونبوغ وإنجازات شقيقها الرجل إلا أن ما يكتب عن المرأة العربية والمسلمة، أو يعرف بها ويبرزها من القلة بمكان ما يجعلنا نقول: إن الأعلام من نسائنا لم يأخذن حقوقهن بعد من التعريف بهن، والتنويه بأعمالهن الجليلة، التي يمكن أن تجعل من سيرتها الذاتية ومسيرتها نبراسا للأجيال التي تعايشها، أو تأتي بعدها من بنات جنسها، ومن ثم فإن تدوين الذات الأنثوية لنفسها أو بغيرها في أدبنا السعودي مازال بحاجة إلى حضور وكتابة وتدوين، وأن ما دُوّن منه لا يكفي لرسم صورة المرأة السعودية بل يظهر أثرها في المجتمع الذي تعيش فيه.
ولقد قيض الله لامرأة فاضلة من نساء هذا الوطن المعطاء، ومن بنات هذه الأرض المباركة، المملكة العربية السعودية هي صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبد العزيز آل سعود، أستاذة أكاديمية وأديبة هي الأستاذة الدكتورة نورة بنت صالح الشملان التي عقدت العزم على كتابة جوانب من سيرة الأميرة نوف في كتاب بعنوان: (نوف) تناولت فيه سيرة الأميرة نوف بنت عبدالعزيز آل سعود في شكل من أشكال الكتابة الأدبية المزدهرة في عصرنا الحاضر، وهي الكتابة السيريّة الغيرية، فقد قدمتها للقراء والمتلقين وأبرزتها وعرفت بها بعد أن وقفت على تلك السيرة العطرة عن كثب، سواء من جراء صحبتها لها في بعض لقاءاتها بها، أو من خلال شهادات القريبين منها من أقاربها والمخالطين لها الذين تشرفوا بمعرفتها وصحبتها والتعامل معها رحمها الله.
كتاب نوف (دوافع الكتابة)
ذكرت الكاتبة نورة الشملان كاتبة (سيرة نوف الغيرية) أن الدافع لكتابتها هذه السيرة الغيرية كان هو إعجابها بشخصية الأميرة نوف بعد لقاءاتها بها، فقد أعجبت بسيرتها التي تبدت لها فيها وظهرت كثيرا من المحامد، والقيم الفاضلة، والمواقف العظيمة، التي رأت الكاتبة الشملان بأنها خير ما يمكن أن تقدمها وتنقلها لأبناء وبنات هذا الوطن الكريم، ولكل من يُقدّر له قراءتها والاطلاع عليها من فضلاء وفضليات المجتمع العربي والإسلامي والإنساني؛ ليقبسوا منها ومن سيرتها ومسيرتها ما يعمق في نفوسهم الأخلاق الفاضلة، والقيم الرفيعة، والمبادرات التي كانت تتحلى بها صاحبة السيرة، مما يمكن أن يشيع في الحياة الحب، والتعاون، والإيثار، والسعادة، والعلاقات الحياتية الجميلة، فصاحبة السيرة رحمها الله سليلة أمة إسلامية وعربية وأسرة كريمة باذخة في الصفات الإنسانية العظيمة، فهي ابنة نجد قلب الجزيرة العربية، وسليلة الأسرة السعودية الكريمة، وابنة الملك عبدالعزيز آل سعود موحد أجزاء الجزيرة العربية، ومؤسس حضارتها المعاصرة، وهي أخت الملوك المخلصين لشعبهم وأمتهم، ولنوف رحمها الله من اسمها نصيب فهو عندما سميّت به كان اسما حديثا وجديدا في نجد من وسط الجزيرة العربية، ولقد كانت نوف رحمها الله نزاعة في حياتها لكل حديث وجديد في الحياة، ومثلها كانت الأسرة السعودية الكريمة - حفظها الله - منذ المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله، دائما ما تأخذ بكل حديث وجديد ومفيد مما جعل المملكة في مصاف الدول المتقدمة والمتطورة والحديثة.
تآخي (التوثيق والأدب) في سيرة نوف
لقد اختارت كاتبة كتاب نوف قالب السيرة الغيرية شكلا فنيا لتقديم سيرة الأميرة نوف للمتلقين، وهذا الاختيار يدخل كتاب نوف بوصفه سيرة غيرية في إطار شروط كتابة السيرة الفنية التي تمثل أسسا بنيوية لكتابة السيرة الذاتية والغيرية، بمعنى أن كتاب نوف عمل يجمع في مادته بين التأريخ والإبداع، أي ينبغي أن يكون خاضعا للتوثيق والجمال الأسلوبي، وهذا يجعل من مهمة الكاتبة مهمة ليست باليسيرة فالتأريخ قائم على الحقائق والإبداع قائم على التخييل، وأكبر الظن أن الكاتبة بامتلاكها ناصية الكتابة الأدبية قد وفقت أيما توفيق عندما ذللت التأريخ والتوثيق في سيرة نوف لأسلوبها الأدبي الذي قدم تلك السيرة تقديما يحقق متطلبات الكتابة السيريّة كفن أدبي يقوم على الثقة بين الكاتب والقارئ المتلقي للعمل السيري.
لقد كانت الكاتبة وهي تكتب سيرة الأميرة نوف تتوخى التوثيق في كل ما تكتب؛ ولذلك كانت مصادرها من الثقة ما يجعل ما كتبت يحقق شروط الجنس الفنية الذي جعلته قالبا لكتابها (السيرة الغيرية)؛ ولذلك كانت أصولها الكتابية معتمدة على شهادة الذات الكاتبة، والمراجع الموثوقة، والشهادات من المعايشين لصاحبة السيرة من الأقارب والأصدقاء، وهذا يجعل القارئ يتلقف ما دون بكل راحة واطمئنان، ويجعل لكتاب نوف وكاتبته الكعب العالي والحض الوافر من السرد السيري الموثوق فيه، ويكون له أثره في إعجاب القارئ المتلقي وتأثره بما يقرؤه من تلك السيرة، ومن ثم رسم الصورة الذهنية الراقية للأميرة نوف رحمها الله، وهذا يحفظ للكاتبة الشملان أثرها في تحقيق ذلك العهد والميثاق السيري بينها وبين القارئ المتلقي، لما كتبته عن الأميرة نوف رحمها الله في هذه السيرة الغيرية، التي قدمت من خلالها ملامح من حياة الأميرة نوف رحمها الله، ومع كل ما سبق من عوامل الاطمئنان إلى ما سطرته الدكتورة الشملان عن صاحبة السيرة يبقى للإعجاب والانبهار بالأميرة نوف الذي اعترفت به الكاتبة نفسها وأشارت له في أسباب إقدامها على كتابة الكتاب مصدر قوة وعامل دعم للمتن السيري الذي يقدم للقراء حياة الأميرة نوف، وأن التحرر من المشاعر الشخصية في كتابة السيرة الذاتية، أو الغيرية أمر مستحيل، ذلك لأن دافع الحب والإعجاب دافع حاضر في كتابة السير شئنا أم أبينا، والكاتبة قد صرحت بذلك في مقدمة الكتاب، وقد كانت صادقة مع ما كان يسطره قلمها عن الشخصية المكتوب عنها، وهذا في تقديري لا حرج فيه ولا يخل بالميثاق السيري فهو حضور لدوافع ذاتية، لولاها لما خرج هذا العمل الجميل والمفيد والمهم في المنجز السيري للمرأة العربية بعامة والسعودية بخاصة، ومثل هذا الدافع من الحب والإعجاب يمنح الكتاب كذلك صدقا ذاتيا يرفع من شأن المادة المقدمة بجانب آلية الكتابة التوثيقية، التي أشارت إليها الكاتبة في مقدمة الكتاب، والشهادات التي أثبتتها في النصف الخير من الكتاب.
ملامح من المتن السيري لكتاب نوف
لقد صورت لنا الكاتبة الشملان لوحة ناصعة من حياة الأميرة نوف تنبض بالحيوية والقيم والوطنية والحس الثقافي الراقي، مقرونة ببعض التحليلات التي توضح ملامح تلك السيرة، فهي كما تقول الكاتبة كانت تجمع بين هيبة الأمارة والتلقائية والبساطة، وأنها كانت منظمة في حياتها؛ ولذلك كانت تمثل رحمها الله قطب رحى أسرتها الصغيرة والكبيرة، ولقد كانت تهتم بكل صغيرة وكبيرة، وبكل صغير وكبير، وتعطي كل فكرة قيمتها من الاهتمام بمقدار ما تمثله في الحياة، ومن ذلك تلمسها لاحتياجات الأطفال والمراهقين من أبنائها وأحفادها وبناتها وحفيداتها، فتتلمس ميولاتهم، ورغباتهم، وما ينفعهم، ويسعدهم، وتختزن كل ذلك في ذاكرتها ولا تنساها حتى توفرها لهم بطريقة فيها من المفاجآت، التي تسعدهم بها، ويكون لها أثر إيجابي على النفس، وقد تكون تلك الأشياء بسيطة ويسيرة، ولكنها عند أصحابها مهمة في تقديرهم، وتبث الثقة في ذواتهم وشخصياتهم، وهذا منحى تربوي له أهميته وفقت له صاحبة السيرة، كذلك كانت تهتم بالعاملين لديها، وبجيرانها، اهتمامها بأقاربها، فتبادرهم بالسؤال عنهم، وعن أحوالهم، وتتواصل معهم، وتفرح بمساعدة الآخرين، وقضاء حوائجهم، ففي إحدى زيارتها للمسجد النبوي ظلت خارج بوابة الدخول حاضنة لإحدى المصليات طفلها وهي لا تعرفها؛ لأنها لا تستطيع الدخول به، فحملته عنها حتى خرجت إليها وأخذته منها، ثم دخلت هي بعد ذلك، أما كرمها فيظهر في أنها كما كانت تجود بالهبات، والأعطيات الجزيلة، والطعام، فقد جادت بلبنها، فقد كانت ترضع أطفال الكثير من المحيطين بها حتى إن طفلا أرضعته أصبح سائقها الخاص فيما بعد، وهذا جعل كاتبة السيرة الدكتورة الشملان تتساءل قائلة في حقها رحمها الله: هل الكرم بالمال امتد إلى الكرم بالحليب؟ ليتني كنت محللة نفسية فأجيب على هذا السؤال! إن الجود باللبن أعظم مظاهر الكرم والجود.
ومن الصفحات المضيئة في سيرة الأميرة نوف صفحة الدين والتدين فهي شديدة الخوف من الله والخشية منه جل وعلا، ظهر ذلك في اهتمامها بأداء الصلوات وهي في شدة مرضها، وحرصها على حث الأبناء، والبنات، والأحفاد، والحفيدات على الحفاظ على أداء الصلوات، وجعلها مقياسا للصلاح، وهذا جعلها كما تقول الدكتورة الشملان شخصية تكاد تكون متكاملة من حيث: الطيبة، والحزم، والرقي، والذوق، والمرح، والتواضع، وإسداء الخير للآخرين، لقد كانت كاتبة السيرة الدكتورة الشملان تحلل شخصية الأميرة نوف كما تقول بناء على المعطيات والصفات الخلقية والخلقية ونظريات علم النفس والاجتماع؛ ولذلك لمست الكاتبة أن الأميرة نوف كانت تجمع في شخصيتها بين الأصالة العريقة والحداثة المتوازنة، التي لا تخل بالثوابت الدينية، والثقافية، والاجتماعية العربية والإسلامية، وبمقدار ما كانت رحمها الله تحافظ على العادات والتقاليد وتحث الأبناء والأحفاد ومن تقابلهم بهم من أبناء وبنات الشعب السعودي؛ فقد كانت تواقة لكل ما هو جديد وحديث ومتطور ومفيد في الحياة مما فيه سعادة للإنسان.
ظل الملوك و(الملكة الظل)
إن من يقرأ سيرة الأميرة نوف وتحليل الكاتبة نورة الشملان بعض مواقفها وملامحها في تلك السيرة يدرك أن صاحبة السيرة كانت تمثل مع من عاصرت من إخوانها الملوك ما يمكن أن يجعلها توصف بظل الملوك والملكة الظل في سيرتها الوطنية؛ لأنهم كانوا يجلونها ويقدرونها لما يلمحون فيها من ذكاء، وعزيمة، وبعد رأي، ووطنية؛ ولذلك كانت موضع مشورتهم واستشاراتهم، فقد كانت ظلهم في اهتمامهم بالوطن والمواطن، وكانت تقوم بكل ما يودون تقديمه للمجتمع النسائي السعودي والعربي والأجنبي في المناسبات العائلية والوطنية والضيافة، فتقابل، وتمثل، وتستقبل، وتستضيف، وتشارك في المهرجانات، والمناسبات الوطنية، والرسمية، إنها تمثل نصيب المجتمع النسائي من الملك، ومجلسه، فيما يهم شؤونهن واحتياجاتهن، وكانت في عهد الملك عبدالله رحمه الله هي الممثل الرئيس له -كما يقول الأمير متعب بن عبدالله- في حضور النساء السعوديات، والعربيات، والأجنبيات في المناسبات الوطنية، مثل مهرجان الجنادرية، وكان الملك عبدالله يعتد برأيها كثيرا، وتصفها كاتبة السيرة الدكتورة الشملان بأنها كانت في علاقاتها مع نساء الوطن تهدف إلى تمكين المرأة السعودية اقتصاديا، واجتماعيا، من خلال الدعم المادي، والتدريب، وخدمات التوظيف، وأنها كانت تمثل هيبة الأمارة، وتلتزم السلوكيات، والأخلاقيات، و(أتكيت) الأسرة الحاكمة كاحترام الصغير للكبير دون حساب للمراكز الوظيفية، وكنت تميل للأناشيد الوطنية والخليجية لما فيها من تنمية الحس الوطني والوحدوي، وكما كانت تعبر عن فرحها وارتياحها لأي مواطن، أو مواطنة سعودية، يشعرون بالسعادة في حياتهم بامتلاك بيت جميل، أو فرح، أو شيء يملكه يرفع من سعادته وكرامته.
كما كانت حريصة على تلبية دعوات المناسبات الوطنية، والمشاركة فيها، والانخراط في أنشطة المؤسسات الخيرية، والجمعيات النسائية؛ ولذلك فقد كان لها خبرة بأحوال المجتمع السعودي، وكانت السفارات – كما تتضح من سيرتها – توصي منسوباتها بالبدء بزيارة الأميرة نوف للتعرف على المجتمع السعودي، وكانت هي بدورها وانطلاقا من حسها الوطني تهتم بعوائل السلك الدبلوماسي في الرياض، وتدعوهن في المناسبات الخاصة، وتحرص على الالتقاء بكبريات الزائرات الرسميات للمملكة؛ لتنمية الروابط والعلاقات بين بلدانهن والمملكة العربية السعودية، وكانت -رحمها الله- خير سفيرة لوطنها، كما كانت شديدة الحرص على غرس حب الوطن في نفوس الناشئة، والكبار من أبناء وبنات الوطن، فقد ذكرت الأميرة سارة بنت ماجد أن عمتها نورة كانت ترسل هداياها في أكياس خضراء مزخرفة بالسيفين والنخلة، الشعار الرسمي للمملكة العربية السعودية، وفي هذا دلالة على بعد نظرها، ورغبتها في غرس، وترسيخ الهوية الوطنية السعودية في القلوب والنفوس، وتورد الدكتورة نورة الشملان ما يدعم وصفنا للأميرة نوف رحمها الله بظل الملوك والملكة الظل بما كانت تمثله من الوطنية، والاهتمام بشؤون الوطن، وما تتمتع به من حس وطني عميق، أنها كانت رحمها الله تحمل هم الوطن حلوه ومره ولذلك كانت حريصة على قراءة الصحف، ومشاهدة التلفزيون، ومخالطة العامة، والخاصة، من أبناء الشعب السعودي، ومن غيرهم، وتشجع أبنائها، وأحفادها، على ذلك، وتورد كاتبة السيرة الدكتورة الشملان من شهادة الأميرة صيتة بنت عبدالله قولها: «عماتنا كن على شاكلتهم» تقصد إخوانها الملوك «يمارسن الدور ذاته بكل تواضع وهدوء» وتصفها الأميرة عادلة بنت عبدالله: «بأنها - تقصد الأميرة نوف - كانت تمثل الوجه الجميل لملوك المملكة» رحم الله الأميرة نوف وما مثلته من نموذج، وقدوة، بسيرتها العطرة، التي وفقت كاتبتها الأستاذة الدكتورة نورة الشملان بإخراجها لنا، وإذاعة ملامح مضيئة منها؛ لتكون منارة لأبناء وبنات هذا الجيل العربي المعاصر.
** **
أ.د.محمد منوَّر - جامعة الملك سعود