وفي السبعينيات تركز زينيا شرها على كاريس الحنون التي فقدت إيمانها بالمسيحية، لأنها نباتية، ومن وجهة نظرها ترى أن الكتاب المقدس مملوء بالإشارات إلى اللحوم، والأهم من ذلك أنه مملوء بالدم وإراقته، والمعاناة والدموع. فكان البديل لديها هو الإيمان بالعالم الروحي والغيبيات وعقيدة تناسخ الأرواح، وتؤمن بتأثير الأبراج على حياة الإنسان، فتنطلي عليها كذبة زينيا أنها مصابة بالسرطان فتقيم لديها في منزلها على الجزيرة، لتستفيد من حنانها ولطفها، ومن خدماتها العلاجية حتى ينتهي الأمر بسرقة حبيبها المقيم معها بيللي الذي عاملته بكل مشاعر الأمومة والطيبة والحنان وآوته وحمته من السلطات الأمريكية والكندية لأنه كان هارباً من الجندية، وأنفقت عليه وعلى أصدقائه، بنفس الطريقة آوت زينيا في منزلها رغم أنها تعرف قصة خيانتها وابتزازها لصديقتها توني وكيف أوقعت ويست الرجل المشترك بينهما، الذي يذوب حباً في زينيا، كاريس كانت تعرف كل ذلك ولكن قلبها الطيب صدق كل كلمة قالتها زينيا عن تعرضها للعنف الأسري، والأدهى من ذلك أنها مصابة بالسرطان، وأخذت كاريس على عاتقها خطة علاجية قائمة على اليوغا والتأمل والطعام الصحي العضوي الذي تزرعه كاريس في حديقتها، ولأن ثقتها عمياء تماماً في صديقها وحبيبها بيللي، لم تحس ولم تشعر بالخيانة التي كانت تحدث بهدوء خلف ظهرها، حتى عندما أخبرها بيللي أن زينيا كاذبة وأنه لا توجد ندبات عملية جراحية في جسدها لاستئصال السرطان، لم تصدقه ولم تسأله حتى كيف كان متأكداً لذلك الحد، ولكن القشة الأخيرة كانت عندما أخبرت كاريس زينيا أنها حامل من بيللي، ولدهشة كاريس الكبيرة كيف أظهرت زينيا غضباً عارماً وعدوانية غير متوقعة منها عند تلقي الخبر، وهرب الاثنان على أول عبارة تغادر الجزيرة إلى مدينة تورتنو.
في الحقيقة، أن من المشاهد المخيفة في الرواية التي ورد ذكرها آنفاً، هو أيضاً هذا المشهد الذي غادر فيه العاشقان الخائنان، كما نراه من خلال عيون كاريس:
«رآها بيلي ولم يلوح لها، بل ابتعد. أما زينيا فلم تتحرك، كانت هالتها حمراء غامقة، وتتطاير خصلات شعرها حول رأسها. كانت الشمس خلفها، لذلك لم يظهر وجهها. لقد بدت كزهرة داكنة من زهور عباد الشمس.» (العروس السارقة 77).
بعد عقد من الزمن من تعرض كاريس للإيذاء والخيانة، وبعد عقدين من الزمن من إيذاء توني، نجد قصة الشر الناعم تتجدد على يد زينيا في الثمانينات ورغم كل ما جرى تتمكن زينيا من الدخول إلى حياة روز سيدة الأعمال الناجحة والمشهورة والواثقة جداً من نفسها، وهي وريثة أحد هوامير العقار في تورنتو التي تحاول أن تعيش بسعادة مع زوجها وأطفالها الثلاثة، وشيئاً فشيئاً صارت زينيا مديرة تحرير مجلة The Wise Woman Magazine التي تصدرها روز استناداً على خبرات زينيا المزعومة من عملها في الصحافة، وتمنحها روز صلاحيات مادية كبيرة فتستغل ذلك حتى تفاجأ في النهاية أن زينيا تختفي بعد أن سحبت مبالغ مالية كبيرة منها ومن حسابها المشترك مع زوجها بل تحطم العش الآمن لعائلة روز بغواية زوجها وسرقته من أحبابه؛ أطفاله وزوجته ثم تركه بعد فترة ليصاب باكتئاب شديد فانتحر بطريقة توحي بغير ذلك من أجل أبنائه من روز، حيث ُيغرق نفسه ويخته الفاخر في إعصار شديد. ثم تختلق زينيا قصة غريبة وهي وفاتها في تفجير إرهابي في بيروت حيث كانت في مهمة صحفية وتحرص على أن تحضر الصديقات الثلاث مراسم الجنازة لتفاجئهن بعد خمس سنوات بالعودة إلى تورنتو والظهور في حياتهن مجدداً، ولكنها تجدهن قد أصبحن جبهة موحدة بعد أن أصبحن مقربات جداً لبعضهن البعض بعد وفاتها المختلقة، وتحاول زينيا استعمال قوى الشر معهن، بالنعومة تارة وبالقسوة تارة، حتى يسدد القدر ضربته القاضية لها في ظروف توحي بأن زينيا ربما كانت طوال هذه السنين جاسوسة غامضة.
تتمكن زينيا من إيقاع الأذى بكل صوره، نفسياً ومعنوياً ومادياً للبطلات الثلاث، مسلحة بعدة أبعاد من القوة الناعمة التي تمنحها إياها الكاتبة والتي يمكننا تلخصيها في النقاط التالية:
قدرات جسدية
أي الجمال بشقيه الطبيعي والصناعي، فتمنحها الجاذبية في طولها الفارع، وشعرها الفاحم، وصدرها المثير، ومكياجها الجريء، فعلى سبيل المثال، في مشهد عودتها لمسرح الأحداث في مدينة تورنتو في مطعم التوكسيك حيث كانت الصديقات الثلاث يتناولن الغداء كعادتهن الشهرية، لم تبد زينيا كشخص عائد من القبر، لم تعاني من أي نحول أو شحوب أو خوف، بل بدت ممتلئة برغم ارتدائها لونها الأسود المفضل، باختصار كانت في أحسن حالاتها «جذابة ومثيرة» (العروس السارقة 97)، جميلة كعادتها جمالاً مثالياً كأنها لوحة فنية، أو صورة عالية الجودة، ليس بها أي عيب، ولا خطوط ولا تجاعيد تحيط بعينيها الواسعتين، حاجباها مرسومان بدقة وكذلك أحمر الشفاه القاني. وجميع ما كانت عليه زينيا من سمات جسدية جاذبة، كانت البطلات الثلاث ضحايا شرها وغدرها يفتقدنه بدرجات متفاوتة.
فعلى سبيل المثال، كانت توني نحيلة البنية وقصيرة القامة، ترتدي نظارات طبية سميكة، تبدو كأنها «عجوز شابة جداً، أو شابة عجوز جداً» (العروس السارقة 24)، ويمكننا أن نستشهد هنا برأي كاريس في توني، من مبعث تعلقها بالغيبيات وإيمانها بتناسخ الأرواح، فإن كاريس كانت تعتقد أن القيصر يوليوس قد بعثت روحه مجدداً في جسد توني المرأة القصيرة، كنوع من العقاب له، ليعرف وليعاني من الحياة بدون قوة. (العروس السارقة 69).
أما روز، فقبل أن تكتسب ثقة كبيرة بالنفس بعد ثراء أبيها ونجاحها في إدارة إمبراطورية العقار الخاصة به، فقد كان لديها بعض الحساسية تجاه بعض من صفاتها الجسدية، فرغم أنها كانت طويلة، لكن بشرتها لم تكن بيضاء، وشعرها كان أسوداً وعندما شاركت في مسرحية مدرسية عن ميلاد المسيح - عليه السلام - وذلك في دور الملاك وأثنت عليها المعلمة وعلى حفظها للدور وأدائه بطريقة واضحة وصوت عال، سخرت منها زميلتها جوليا «وكيف يكون الملاك بشعر أسود؟» (العروس السارقة 485).
وكذلك فقد عانت روز في طفولتها من تنمر أندادها وبالذات الذكور بسبب لون بشرتها، ولكنها دائماً كانت تعرف كيف تدافع عن نفسها وتنتقم لكرامتها، وفي فترة الصبا والبلوغ بدأت تحس بأنها غير رشيقة مثل الفتيات الأخريات وذلك في المعسكر الصيفي اليهودي، وأنهن أجمل منها، وباختصار وكأن زينيا بكل جمالها الجسدي الساحر هو ما كانت روز تتمنى أن تكون عليه في الواقع.
قدرات نفسية
تتجلى في دراسة زينيا العميقة لمفاتيح الشخصية لكل من ضحاياها ومعرفتها الدقيقة لنقاط الضعف في شخصياتهن. وكما ذكرنا أن من جماليات الرواية استخدام تقنية تيار الوعي فنشعر ونحس مع البطلات ونستمع لبوح الذات وحديث النفس، حتى وكأن البطلات يجلسن على كرسي الاعتراف، دخلت زينيا لحياة روز بكل قوتها الناعمة، بلا إكراه، ولا جلبة ولا تهديد ولا ابتزاز كما فعلت مع توني، بل بكل ذكاء عاطفي لديها دخلت. زينيا لحياة روز من بوابة أبيها الذي كانت روز تحبه حباً جماً، وكان بالنسبة لها بطلاً كبيراً رغم أن الأمر معقد بعض الشيء، حيث إن روز تعاني من عقدة كونها من أصل يهودي رغم أن والديها لم يربيانها وفقاً للمعتقدات أو التقاليد اليهودية، حيث كان والدها يهوديًا وأمها مسيحية وقد ربتها أمها قبل حضور والدها وهجرته إلى كندا تربية دينية صارمة. حيث ادعت زينيا أن والد روز قد أنقذ حياتها عندما كانت طفلة رضيعة وحياة عمتها من النازية، عند هجرتهما إلى كندا من ألمانيا وهو نشاط كان والد روز بالفعل يقوم به وأحد مصادر ثروته أساساً.
وقد كان لنشأة روز النشأة الدينية والتربية المسيحية الحازمة أثرهما في تعاطف روز مع زينيا، حيث نشأت روز على الرغبة في العطاء ومساعدة الآخرين وتجنب اللؤم في معاملتهم، وكذلك عندما واجهت روز زينيا بما فعلته مع كارين وتوني واعترفت زينيا بأنها كذبت عليهما لأنهما لم تكونا لتتفهما الحقيقة، وسرت روز في داخلها لأنها اختيرت الآن لأن لديها القدرة على الفهم، وبتأثير تربية الراهبات ثمنّت وقدرّت لزينيا اعترافاتها المتأخرة!
ولكن من ناحية ثانية، كان هناك عامل آخر ويحمل قدراً من التناقض مقارنة بالعامل السابق، ولكن هذه هي طبيعة النفس البشرية؛ المشتملة على كثير من المشاعر المختلطة والمتناقضة أحياناً.
ونحن هنا نشير إلى إحساس روز الطاغي بالثقة بالنفس، والشعور بأنها ستكون أفضل حالاً من صديقتيها توني وكاريس وأن زينينا لن تتمكن من خداعها، لأن روز هي الأكثر ذكاء والأكثر قدرة على التعامل مع الآخرين وتسخيرهم لها وكأنها «مروضة أسود» (العروس السارقة 522)، وفوق ذلك تدرك روز في أعماقها فتخبرنا أنه الكبر والخيلاء وهو «أعظم الذنوب السبعة والكبائر العظيمة إنه الذنب الذي أرتكبه الشيطان وأخرجه عن طاعة الله». (العروس السارقة 522)، وهو شعور لم يكن وليد اللحظة، بل منذ أن رأت روز زينيا بعد زمن طويل من خيانتها لصديقتيها، في أحد المطاعم، لم تستطع روز أن تقاوم فكرة أن تتحدث إليها لأن زينيا كنادلة كانت في وضع اجتماعي أقل من روز.
وقد كانت النتيجة الحتمية لكل الأسباب السابقة أن روز فتحت لزينيا «قلبها» وضمتها تحت «جناحيها» اللذين كانا معها كملاك في المسرحية المدرسية (العروس السارقة 538).
وقد كانت علاقة اليد العليا، والنظرة الدونية لليد السفلى، حتى وإن كانت لا شعورية، هي التي تحكم نسبياً علاقة روز بزوجها ميتش شديد الوسامة ولكنه أقل منها مادياً، فنرى كيف أنه في كل مرة كان يخون فيها روز كان يعود لها معترفاً ومستغفراً وكانت تسامحه لعدة أسباب منها أنه والد أطفالها الثلاثة الذين يحبونه كثيراً، وهي أيضاً تحبه كثيراً، كثيراً جداً، رغم أنها تعرف في قرارة نفسها أنه قد تزوجها بالدرجة الأولى لمالها، علاوة على أن الأمر دائماً ما كان برغم تكراره، نزوات عابرة، ودائماً روز هي المرأة الثابتة والأهم في حياته، وتسعدها عودته إليها طالباً الصفح والغفران مما كان يرضي غرورها وتضخم «الأنا» لديها. وبرغم كل شيء، كانت روز تعتقد أنها وأطفالها وزوجها أسرة سعيدة ويعيشون حياة مستقرة، ولكن الأمر اختلف كثيراً، وانقلبت المعايير هذه المرة مع زينيا رأساً على عقب.
ذكاء لغوي وعاطفي
زينيا شهرزاد عصرية، متمكنة من الحكي وتناسل الحكايات عن هويتها المتجددة والمختلفة في كل مرة، والمقنعة في حبكة تجعل سامعيها ليس فقط يصدقونها، بل ويتعاطفون معها ويقعون في حبائلها، فنجد أن زينيا قد قدمت قصتها لتوني على أنها روسية وتم استغلاها كطفلة صغيرة في مهنة البغاء في باريس، ثم أخبرت كاريس أن أمها كانت من الغجر وقد رجمت حتى الموت على يد الفلاحين الرومانيين، أما روز فقد كان من نصيبها حكاية تعزف على وتر حساس لديها، فقد أخبرتها زينيا أنها ألمانية من خليط مسيحي ويهودي ولكنها عوملت كيهودية، وهو ما أثمر عن تعاطف كبير من قبل روز نظراً لاعتقادها أن هذا التاريخ الأسري هو قاسم مشترك بينهما. قصة طويلة بكثير جدًا من التفاصيل على مدى حوالي ست صفحات.
ومن اللافت للانتباه، أن زينيا زادتها السنوات تمرساً وزادت خبرات الحياة من خصوبة خيالها وشطحاته، وشحذت من ذكائها اللغوي والعاطفي، حتى الفصول الأخيرة للرواية، ومن القصص المحبوكة سردياً، وهذه المرة بصبغة وأجواء بوليسية، فنراها في اللقاء الأخير والمواجهة مع توني، تطلب أن تستضيفها توني مجددًا في منزلها، ولكن توني لم ترضخ لها بل ترفض بشدة وعندما رفضت توني هاجمتها زينيا وشتمتها بشدة وحاولت ابتزازها مجدداً بورقة البحث القديمة، ولدهشة زينيا الكبيرة، أن توني كانت تبدي رباطة جأش وتماسك كبيرين، وذلك تحول درامي في شخصية توني، وبدلاً من الانصياع للتهديد، إذ بتوني تسأل زينيا عن قصة اختلاق وفاتها فتحكي لها قصة جديدة عن تورطها في قضايا جاسوسية وتهريب أسلحة وأنها كانت تريد الهرب ممن يتعقبونها ويريدون الثأر منها، وأنها أيضاً متورطة في قضايا اغتيالات مثل اغتيال جيري بول المهندس الكندي لمشروع بابل في العراق على يد الإسرائيليين ولكن توني لا تصدقها هذه المرة بتاتاً.
وللإجابة عن السؤال المهم وهو كيف كانت ردود أفعال البطلات الثلاث تجاه زينيا بعدما دمرت حيواتهم بقوة شرها؟ فيمكننا القول إن استعمال الكاتبة مارغريت أتوود لتيار الوعي كتقنية سردية، كان عنصرًا فعالًا لمعرفة الأحلام والكوابيس والخيالات وكذلك المونولوجات الداخلية للاطلاع على خلجات النفس وما تفكر به الصديقات الثلاث بكل شفافية ودقة، منذ بداية الرواية وحتى النهاية.
وحيث إن الرواية تبدأ بعد مرور خمس سنوات على وفاة زينيا، وقبل أن تعرف البطلات أن كل ذلك كان ملفقًا ومزورًا، فإن القارئ يشعر بمدى سيطرة زينيا، المرأة الميتة على تفكير النساء الثلاثة، في جميع الأوقات وفي كثير من المواقف، وقد لا نبالغ إن قلنا إن توني وكاريس وروز كن يفكرن بزينيا ليلاً ونهاراً بلا انقطاع.
وحتى بعد رؤيتهن لها في المطعم ومعرفتهن بأنها لم تمت في الواقع، صارت ردود أفعالهن تجاه ما فعلته بهن زينيا من شر وخيانة ومكيدة تتجلى على عدة مستويات نفسية وفكرية وسلوكية؛ ففي لحظات كثيرة كنا نرى أن كل واحدة منهن، في موقف تخلو فيه بذاتها، تتمنى لو كانت مثل زينيا في قوة شخصيتها، أو جاذبيتها، أو حتى في شرها ذي القوة الناعمة. فمثلاً تنتاب روز مشاعر متناقضة فهي تتمنى لو تصبح شخصاً آخر إما في غاية الطيبة والإنسانية مثل الأم تيريزا، أو «القديسة روز»، أو تكون على العكس من ذلك بعيداً عن كل الأدب والأخلاق؛ لتجسد خليطاً من «الغواية» و»الخيانة، والغدر والغش والكذب» حتى ولو لفترة قصيرة ولو لخمسة دقائق أن تصبح زينيا!! (العروس السارقة 578).
أما مع كاريس، ملكة الروحانيات وما وراء الطبيعة والغيبيات، فقد بلغ الأسلوب السردي مستويات متقدمة من الواقعية السحرية والفانتازيا، فها هي كاريس تتخيل أن ذاتها تخرج من جسدها مثل الجيلاتين، وهي تلبس جسد زينيا الذي قد أصبح قفازًا أو فستانًا من لحم بشري ثم تنظر كاريس في المرأة لترى «نفسها، نفسها وقد أصبحت امرأة ذات بأس». (العروس السارقة 585).
جاءت المرحلة التالية وقد طفح الكيل بالبطلات الثلاث مما أصابهن على مدى ثلاثين عاماً، وبالذات عندما أصبحت زينيا مصدر خطر مجددًا لروز، وذلك قرب النهاية، عندما أحست روز بالخوف الشديد على ابنها الوحيد لاري، لأن زينيا تقربت إليه وأصبحت تغريه بالمخدرات ثم حاولت ابتزاز والدته بأن تفتديه روز بخمسين ألف دولار نقداً وإلاّ ستسبب لهما زينيا فضيحة مدوية، فنرى روز تقترب من حافة فقدان الإيمان – خلافاً لكل ما سبق ذكره عن تأثير تربية الراهبات الدينية - وتحدثها نفسها بكلام لا يليق بالإيمان باللّه ولا يليق بالإيمان بالقضاء والقدر والعدالة الإلهية.
فقد أصابت الصديقات الثلاث شذرات من شرها وسوء نيتها، فتولدت لديهن الرغبة الشديدة في قتلها وتتخيل كل واحدة منها مخططاً تفصيليًا لذلك بطريقة مختلفة، بخنقها أو دفعها من حافة هاوية أو إطلاق الرصاص عليها. توني مثلاً تحضر للقاء زينيا في الفندق وهي تفكر جدياً في قتلها، فقد أحضرت معها مسدس والدها الذي انتحر به.
وعلى الرغم من الرغبة الشديدة في إيذاء زينيا، كجزاء رادع، ورغم الشعور بالفقد والحنين للحبيب الغادر بيللي والرغبة في معرفة أخباره من طرف زينيا، كان لدى كاريس صراع داخلي شديد بين مسامحة زينيا لأنها تؤمن بوجوب التعاطف مع جميع الكائنات الحية وبين الانتقام منها، وتنتصر الرغبة في إيذاء زينيا داخلها حيث «تتخيل بوضوح أنها تدفع زينيا من جرفٍ أو مكان عالٍ». (العروس السارقة 104).
وفي مشهد مرعب يخبرنا السرد أنه عندما كانت كاريس تستعد روحيًا للمواجهة مع زينيا، تخيلت أن زينيا تنطلق منها شرارات دموية ملتهبة وشعرها تحرقه النيران وبؤبؤا عينيها يتوهجان بلون كرزي مثل عيون القطط على الطرق السريعة!! بينما تتخيل كاريس نفسها هادئة ومحاطة بدائرة بيضاء حتى لا تصيبها الذبذبات الشريرة وسوف تسألها عن بيلي وستكون زينيا مجبرة على الإجابة.
وفي خطوتها الأخيرة للقاء زينيا تقوم كاريس بالاستخارة من الإنجيل بدبوسها العشوائي فتفتح لها الصفحات على العبارة السابع عشرة والتي تحكي قصة امرأة بابليون:
«وكانت المرأة ترتدي اللون الأرجواني والقرمزي، ومزينة بالذهب والأحجار الكريمة واللؤلؤ، وفي يدها كأس من ذهب مملوءٌ برجس وقذارة زناها» (العروس السارقة 617).
ثم أغمضت كاريس عينيها لترى «وهجاً قرمزياً وذهبياً يحيط بوجه لم تتبينه، ولمن سيكون سوى زينيا؟»، (العروس السارقة 617).
وعندما تتم فعليًا المواجهة بين زينيا وكاريس فإن زينيا كما ذكرنا آنفاً لا تفتأ تشهر أسلحة قوتها الناعمة، ولا تنسى أبداً قدراتها الشهرزادية، فتعتذر بخبث لكاريس عن الماضي وتثير شفقتها مجددًا عندما تخبرها أنها مصابة بالإيدز وأنها تحتاج أن تقيم عندها لتعتني بها وتساعدها على تحمل معاناة المرض، وكادت كاريس العطوف أن تستجيب لها وبالذات عندما تعمدت زينيا ذكر خيار الانتحار.
ولكن النظرة في عينيّ زينيا كانت كنظرة الطيور الجارحة لفريستها، مما جعل كاريس تتراجع عن الوقوع مرة ثانية ضحية لشرور زينيا، وتقوم باستجوابها عن بيللي لتعرف الحقيقة أنه لم يكن حباً أبدًا من جانب زينيا، بل كان تجسساً عليه وأنها قد فضحته لدى الأجهزة الأمنية التي كانت تلاحقه طوال الوقت وأنه هو ذاته كان أيضاً جاسوساً على الهاربين من الخدمة العسكرية. يتملك كاريس غضب شديد وتتمنى لو تخنق زينيا ثم تشطح في خيالها، فيتراءى لها أنها وذاتها السابقة كارين، تدفعان زينيا بشدة من حافة الشرفة لتسقط ميتة!! ولكنها في الواقع تودع زينيا وهي ترى «خطوطًا سوداء تشع منها، كخطوط بيت العنكبوت» ثم تلفها بداخلها كحشرة وضيعة. (العروس السارقة 631)
وكنتيجة حتمية للاستعداد النفسي والعقلي لدى كاريس، يجعلها السرد من بين الصديقات الثلاث، وبرغم أنهن جميعهن كن يتمنين الموت لزينيا، أنها هي من يتنبأ بخاتمة زينيا أي سقوطها من شرفة حجرتها بالفندق من الطابق الثالث عشر، لتسقط جثة هامدة في حوض النافورة الخالي من الماء، حيث ترى كاريس في لهب الشمعة جثة زينيا أثناء عشاء الصديقات الذي دعتهن له روز في المطعم الذي يجتمعون فيه شهرياً والذي شهد عودة زينيا إلى الحياة ثانية، وذلك لمناقشة خياراتهن بخصوص زينيا.
أنقذت العدالة الإلهية توني وكاريس وروز من يصبحن قاتلات، بمقتل زينيا أو انتحارها، وهو ما أحاطه السرد بغموض مشوق، يتلاءم تمامًا مع شخصية زينيا.
الجدير بالإشارة أن السرد يوجهنا بطريقة غير مباشرة في بعض منعطفاته وممراته، إلى التعاطف معها لأن ما تمثله زينيا من شر يتوازي مع الحياة الواقعية، مثلما رأينا في كثير من التفاصيل عن نشأة وطفولة وعلاقات الوالدين للصديقات الثلاث، تجليات بدرجات متفاوتة للشر والخيانة والجشع والخيلاء، فكانت الرواية، في معظمها تجسيدًا واقعيًا ناجحاً للحياة وللنفس البشرية.
** **
نادية عبد الوهاب خوندنة - محاضر أدب إنجليزي جامعة أم القرى.