لم يعد اليوم الوطني السعودي، الذي يوافق الثالث والعشرين من سبتمبر في كل عام، مجرد مناسبة وطنية محلية تُعنى باستذكار يوم توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود فحسب، بل تحول بمرور العقود، وبشكل متسارع وفارق في السنوات الأخيرة، إلى تظاهرة ثقافية وتنموية وإنسانية يمتد أثرها العميق إلى وجدان وفكر الشعوب حول العالم.
إن هذا اليوم بات يمثل محطة سنوية يترقبها المراقبون والمجتمعات من مختلف الثقافات، ليتأملوا في قصة نجاح فريدة استطاعت أن توازن بكفاءة مذهلة بين التمسك بالجذور العريقة والأصالة التاريخية، وبين الانطلاق الواثق نحو آفاق المستقبل والابتكار والتحديث الشامل الذي يشهده العالم اليوم.
ومع مرور أكثر من عقد على إطلاق «رؤية 2030»، أصبحت الاحتفالات السنوية باليوم الوطني بمثابة كشف حساب حي أمام المجتمع الدولي، يستعرض كيف يمكن للخطط الإستراتيجية الجريئة أن تعيد صياغة واقع الشعوب وتدفع بالبشرية نحو آفاق جديدة من التطور والنماء، ويتجلى هذا الأثر بوضوح في إلهام الشعوب والشباب في المنطقة العربية والعالم على حد سواء؛ ففي الوقت الذي تعيش فيه دول كثيرة تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية معقدة، يقدم النموذج السعودي المعاصر عبر مشاريع اليوم الوطني واستعراض المنجزات العملاقة دليلا حيا وملموسا على أن الإرادة السياسية والتخطيط العلمي الطموح قادرا على صناعة المعجزات وتحويل التحديات إلى فرص.
إن التحول التاريخي الذي قادته المملكة في مجالات الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، وبناء المدن المستقبلية الإدراكية مثل «نيوم» و»ذا لاين»، فضلا عن المشاريع الثقافية والسياحية الكبرى الممتدة من البحر الأحمر إلى قلب الدرعية التاريخية، يبعث برسائل أمل حقيقية للشباب العربي والعالمي، هذه الرسائل مفادها أن النهضة والازدهار وصناعة المستقبل ليست حكراً على مجتمعات بعينها، بل هي نتاج عمل دؤوب ورؤية ثاقبة واستثمار حقيقي في الإنسان، مما يدفع الكثير من المجتمعات لتبني هذا الفكر التنموي الطموح والسعي لتطبيقه في بلدانهم كخارطة طريق نحو الخروج من الأزمات الاقتصادية وتوليد الفرص للأجيال القادمة.
وعلى الصعيد القومي والشعبي العربي، يرتبط اليوم الوطني السعودي بوجدان الشعوب الشقيقة بمشاعر الأخوة الصادقة ووحدة المصير المشترك، إذ تشهد العواصم والمدن العربية والخليجية في هذا التوقيت من كل عام مظاهر احتفال عفوية ورسمية تتوشح فيها المعالم البارزة والمباني الأيقونية باللون الأخضر، في تعبير وجداني عميق عن مكانة المملكة كعمق استراتيجي وركيزة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وتدرك الشعوب العربية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن قوة المملكة وازدهارها الاقتصادي والدبلوماسي والثقافي يصب في مصلحة الأمة جمعاء، ويسهم في خلق توازن إستراتيجي يحمي المنطقة، هذا الإدراك يجعل الفرحة السعودية فرحة عربية جامعة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية وتتخطى الاختلافات الفرعية، لتستقر في قلوب الملايين الذين يرون في السعودية سندا وحصنا في الأوقات الراهنة، ومنارة تضيء درب العمل العربي المشترك نحو مستقبل اقتصادي متكامل وأكثر مرونة في مواجهة التحولات العالمية.
ولا يقتصر هذا الأثر الإيجابي على الشعوب خارج الحدود، بل يمتد بعمق وتأثير مباشر إلى ملايين المقيمين والوافدين من مختلف الجنسيات والثقافات الذين يعيشون ويعملون على أرض المملكة؛ إذ يمثل هذا اليوم لهم فرصة حقيقية للتعبير عن قيم الامتنان، والتعايش الإنساني، والتلاحم المجتمعي، إن مشاركة الوافدين العفوية للمواطنين بهجتهم في الشوارع والميادين، ورفعهم للأعلام الخضراء، يعكس نجاح البيئة التنظيمية والاجتماعية السعودية في صهر الكفاءات العالمية في نسيج واحد يحترم التنوع الثقافي ويثمن العطاء الإنساني. هذا التلاحم يرسخ لدى المقيمين شعورا حقيقيا بالانتماء لبلد احتضن طموحاتهم، ووفر لهم ولعائلاتهم سبل العيش الكريم والأمان والعدالة، فتراهم ينقلون هذه التجربة الثقافية الإنسانية والروابط الوجدانية الطيبة إلى بلدانهم الأصلية عند عودتهم أو في تواصلهم اليومي مع أسرهم، ليعملوا كسفراء غير رسميين ينشرون صورة إيجابية وواقعية عن المجتمع السعودي وقيمه الشهمة والسمحة، مما يسهم في مد جسور التواصل الحضاري بين المملكة ومختلف قارات العالم.
أما في العالم الإسلامي، فلليوم الوطني السعودي رمزية روحية وثقافية شديدة الخصوصية والأهمية، حيث تنظر الشعوب الإسلامية في شتى بقاع الأرض إلى المملكة بعين الفخر والاعتزاز والتقدير البالغ باعتبارها مهبط الوحي وقبلة المسلمين الحاضنة للحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة.
ويرى المسلمون في نهضة المملكة المعاصرة، والتسهيلات الرقمية والتنظيمية الهائلة التي تقدمها لضيوف الرحمن من حجاج ومعتمرين، نموذجا مشرقا يثبت للعالم أجمع أن التمسك بالقيم الإسلامية والأصالة الهوياتية لا يتعارض أبدا مع ركوب قطار الحداثة، والتطور التكنولوجي الفائق، وتمكين المرأة والشباب في كافة مفاصل الدولة والمجتمع.
بل إن هذا النموذج يقدم برهانا ساطعا على أن الإسلام الأصيل يدعو إلى الإعمار والتطور والرفاه البشري، مما يمنح المجتمعات الإسلامية الأخرى الثقة في قدرتها على التوفيق بين هويتها الدينية ومتطلبات العصر الحديث، متخذين من التجربة السعودية منارة يهتدون بها لتقديم وجه مشرق وحضاري للدين الإسلامي في عصر العولمة والاتصال المفتوح.
** **
- د. أحمد حساني