تحلّ ذكرى اليوم الوطني السعودي، فتستعيد الذاكرة يومًا من أكثر الأيام حضورًا في تاريخ هذه البلاد؛ يوم 23 من سبتمبر عام 1932م، الذي أعلن فيه الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، بعد مسيرة طويلة من العمل السياسي والعسكري والاجتماعي، امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا منذ استرداده مدينة الرياض في الخامس من شوال عام 1319ه، الموافق 15 من يناير عام 1902م.
ولعل أهمية هذه الذكرى لا تكمن في استحضار تاريخ إعلان الوحدة فحسب، وإنما فيما يمثله ذلك الحدث من بداية لمرحلة جديدة في تاريخ الجزيرة العربية عمومًا، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص؛ إذ انتقلت البلاد إلى واقع جديد وهو قيام دولة موحدة ذات كيان سياسي واضح، ومؤسسات آخذة في التشكل، ومشروعٍ يسعى إلى ترسيخ الأمن والاستقرار وبناء مقومات الدولة الحديثة.
لقد كان توحيد البلاد مرحلةً تأسيسيةً استثنائية بالغة الأهمية، ولكن -في الوقت نفسه- كان بناء الدولة وترسيخ وحدتها تحديًا لا يقل أهمية؛ فقد أدرك الملك المؤسس أن توحيد الأرض لا يكتمل إلا بتوحيد مؤسساتها، وترسيخ الأمن فيها، وتنظيم شؤونها، وبناء علاقة متينة بين الدولة والمجتمع. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة انتقلت فيها المملكة تدريجيًّا من مشروع التوحيد إلى مشروع الدولة، ومن تثبيت أركانها إلى تطوير مؤسساتها ومرافقها، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والاجتماعية.
وعلى امتداد العقود التالية، واصل أبناء الملك المؤسس هذه المسيرة، فشهدت المملكة تحولات واسعة في التعليم والصحة والنقل والاقتصاد والإدارة، وتطورت مؤسساتها واتسعت بنيتها التنموية، وتنامى حضورها الإقليمي والدولي، ولم تكن هذه التحولات منفصلة عن سياقها التاريخي، بل جاءت امتدادًا لمسيرة بدأها المؤسس، وتطورت أدواتها ووسائلها مع تغير الظروف واتساع احتياجات الدولة والمجتمع.
وقد شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة مرحلةً متسارعة من التحول، ارتبطت برؤية المملكة 2030 التي أُطلقت عام 2016م، وأعادت صياغة كثير من مسارات العمل التنموي والاقتصادي والاجتماعي، مستندةً إلى ثلاثة محاور رئيسة هي: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، ومثلت الهوية الوطنية والتراث الثقافي والتاريخي إحدى الركائز المهمة في الرؤية.
والتحول الوطني لا يقاس بالمؤشرات الاقتصادية، بل بانعكاس هذا التحول على الإنسان الذي يظل محور التنمية وغايتها؛ ولذلك فإن الاستثمار في التعليم، والمعرفة، والمهارات، وتمكين الطاقات الوطنية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وبناء جيل قادر على التعامل مع المتغيرات، تم ثّل جميعها امتدادًا طبيعيًا للمشروع الوطني الذي بدأ مع تأسيس هذه الدولة المباركة، فالإنجاز الحقيقي لأي تجربة تنموية يتمثل في قدرتها على بناء الإنسان، وتهيئة الظروف التي تمكنه من الإسهام في حاضر وطنه وصناعة مستقبله.
ومن الدلالات المهمة التي تحملها هذه الذكرى الوطنية الغالية على قلوبنا جميعاً، أن توحيد هذه البلاد المباركة لم يكن يوماً ذكرى جامدة، بل قيمة متجددة تتطلب المحافظة عليها وتعزيزها. فقد كان اجتماع الكلمة ووحدة الأرض من أبرز الأسس التي قامت عليها الدولة، ولا تزال الوحدة والتلاحم الوطني من المقومات التي تستند إليها مسيرة التنمية والاستقرار في هذا الوطن الغالي، ومن ثَم فإن استحضار تجربة التوحيد يذكّر الأجيال بأن المكتسبات الوطنية التي تحققت عبر عقود تستحق الوعي بها والمحافظة عليها وتعزيزها.
كما أن الاحتفاء باليوم الوطني يتيح فرصة لإعادة قراءة التاريخ بعينٍ تتجاوز الاحتفال إلى التأمل؛ فالتاريخ الوطني ليس مجموعة من الوقائع والأسماء والتواريخ فحسب، بل هو تجربة إنسانية وسياسية واجتماعية متكاملة، تحمل دروسًا في القيادة، وإدارة التحولات، وبناء المؤسسات، والتعامل مع التحديات، والاستفادة من الفرص.
وبعد ستة وتسعين عامًا على إعلان توحيد المملكة، تبدو المسافة التاريخية بين لحظة التأسيس والحاضر كفيلة بإظهار حجم التحول الذي شهدته البلاد. فمن دولةٍ بدأت مسيرتها الحديثة في بيئة إقليمية ودولية معقدة، إلى دولةٍ تمتلك اقتصادًا متنوعًا، ومؤسساتٍ راسخة، وقدراتٍ بشرية متنامية، وحضورًا واسعًا في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والإنسانية.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الذي يفرضه اليوم الوطني ليس فقط: ماذا تحقق؟ وإنما أيضًا: ماذا ينبغي أن نصنع للمستقبل؟ فالأجيال التي تستحضر اليوم جهود المؤسس ومن جاء بعده لا تستحضرها للاكتفاء بالفخر بالماضي، وإنما لتدرك أن كل مرحلة من مراحل تاريخ الوطن كانت تتطلب مسؤوليةً وعملًا ورؤية، وأن المحافظة على المكتسبات الوطنية تتطلب مواصلة العمل وتطوير القدرات والاستفادة من التجارب.
إن اليوم الوطني، في ذكراه السادسة والتسعين، يجمع بين ذاكرة التأسيس وأفق المستقبل؛ ففي الماضي قصة توحيد وبناء، وفي الحاضر مسيرة تحول وتنمية، وفي المستقبل مسؤولية أجيال تتطلع إلى مواصلة الطريق.
وبين هذه المراحل جميعًا تظل المملكة العربية السعودية وطنًا تشكلت تجربته الحديثة حول قيمة الوحدة، وترسّخت دولته عبر عقود من البناء، وتتواصل مسيرته اليوم بإرادةٍ تستند إلى تاريخها وتستشرف مستقبلها.
وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، نستحضر بكل اعتزاز مسيرة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- وجهود أبنائه الملوك من بعده في بناء الدولة وتعزيز مكانتها، ونستشرف ما ينتظر المملكة من آفاق جديدة، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء.
وإذ نحتفي بهذه الذكرى، نسأل الله تعالى أن يحفظ المملكة العربية السعودية، ويديم عليها أمنها واستقرارها، ويحفظ قيادتها وشعبها، ويوفق أبناءها وبناتها لمواصلة مسيرة البناء والعطاء، وأن يظل اليوم الوطني مناسبةً نستعيد فيها تاريخنا بوعي، ونعيش حاضرنا بمسؤولية، وننظر إلى مستقبل وطننا بثقة وطموح.
** **
د. نايف بن ثنيان آل سعود - المشرف العام على مركز الملك سلمان لدراسات تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها