الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
في ظل الحراك الثقافي المتنامي الذي تشهده المملكة، وتزايد حضور المبادرات المعرفية والفعاليات الأدبية، يعدّ الأستاذ عبدالله السحيمي أحد الأصوات التربوية والثقافية التي اختارت أن تستثمر في القراءة، وفي بناء منصّات تُعيد للكتاب مكانته في الوعي العام. ومن خلال دار كاغد التي أسسها، استطاع السحيمي أن يحوّل الفعل الثقافي من مجرد نشر ورقي إلى مساحة تداول حيّة تُعيد تقديم الأدباء، وتستحضر السير الراحلة، وتعزز جسور التواصل بين الأجيال.
لا يكتفي السحيمي بدور الناشر التقليدي؛ بل يعمل كصانع سياقات ثقافية، إذ تحوّلت لقاءاته مع الشريك الأدبي إلى منابر تُضيء أسماء بارزة في الأدب السعودي، وتسهم في إعادة قراءة التجارب، واستعادة الذاكرة السردية والشعرية، وربطها بالتحولات الاجتماعية والتعليمية التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية. في هذه اللقاءات، يحرص السحيمي على تقديم «المعرفة الهادئة» التي تعيد ترتيب الأسئلة، وتضع القارئ أمام الجوهر بعيدًا عن ضجيج المحتوى السريع.
وفي هذا الحوار الذي تقدّمه «الثقافية» لقرائها، نقترب من رؤية الأستاذ عبدالله السحيمي حول دور المثقف اليوم، وواقع الكتاب العربي، وتأثير غياب الرموز الأدبية، وأهمية استحضار السير الثقافية، إضافة إلى قراءة مستقبل المؤسسات الأدبية في ظل التحولات الجديدة، خصوصًا مع انطلاق جمعية المدينة المنوّرة الأدبية وما تمثّله من امتداد لإرث نادي المدينة العريق؛ لنستكشف معه كيف يمكن للفعل الثقافي أن يتجدد، ويواصل حضوره في زمن سريع التحوّل.
المنصات الرقمية
في زمن تُعيد فيه المنصّات الرقمية تشكيل خارطة التأثير الثقافي، أين يقف المثقف التقليدي اليوم؟ وهل ما تزال لديه القدرة على توجيه الوعي وصناعة النقاش العام، أم أن أدوات التأثير انتقلت إلى فضاءات جديدة يتصدّرها المحتوى السريع ومؤثرو الإعلام الجديد؟
يقف المثقف التقليدي اليوم على عتبة مرحلة انتقالية مختلفة وفي الوقت نفسه متجددة، ولا يمكن بأي حال الحكم عليها بالنفي أو الإثبات، بل بمدى قدرته على إعادة تعريف ذاته وأدواته ودوره، واتساق ذلك مع متطلبات العصر.
ولم يعد المثقف هو المرجع الرئيس كما كان سابقًا في الصحافة الورقية، ولا يمكن أن يغيب، بل بقي في المشهد الثقافي خبرةً وعمقًا معرفيًا، لكننا نؤكد أنه ليس المؤثر الوحيد في زمن يسير سريعًا.
ومهما يكن، فإن المثقف قادرٌ على التأثير متى ما كان حضورُه رقميًا، كمنصة يشعلها المحتوى النوعي القائم على الحوار والتشاركية؛ لأن المثقف سلطته تُكتسب من الجمهور نفسه، ولأن منصّات التواصل صنعت الانتباه من خلال المحتوى السريع الهادف، والمؤثر اللحظي، والخطاب المختصر. ويبقى المثقف الذي يتحدث بلغة عصرية هو المؤثر حينما يقدم رؤية معرفية.
وتأكيدًا أن المثقف التقليدي لم يفقد دوره، بل فقد امتياز الاحتكار، والمؤثر الجديد تصدّر المشهد.
وفي كل الحالات يبقى المثقف قائدًا للوعي، لا متفرجًا على تحولات الزمن وتغيراته، ولعل من أبرز من نجدهم في المشهد وحضورهم الآسر: الدكتور عبدالله الغذامي والدكتور سعد البازعي وغيرهم الكثير.
التسليع الثقافي
إلى أي مدى تتفقون مع الرأي القائل بأن سوق الكتاب العربي يشهد موجة من “التسليع الثقافي”؛ حيث تغلب الشهرة وسرعة الانتشار على القيمة والعمق؟ وكيف يمكن للمؤسسات الثقافية الجادة أن تحمي الكتاب الرصين في ظل هذا المد التجاري؟
لا شك ان الكتاب يسير ببطء شديد سواء في بيعه أو تسويقه وحتى تواجده وقد شجع ذلك وجود الطباعة الرقمية التي عززت من بقاء الكتاب كاسم لا انتشارا ولهذا اتجهت الكثير من الجامعات والمراكز البحثية إلى طباعة نسخ محدودة وحينما تجده تجده بسعر يتجاوز المطبوع وقامت بعض دور النشر في هذا الاتجاه فتجد عناوين منتشرة ومقيدة بأرقام تجارية!
والتسليع الثقافي حقيقة لا ننكرها وهي تظهر بانتشار شهرة الكاتب على الكتاب والعمل على الربح السريع وأصبح الإعلان مهيمنا على القيمة.
أجزم أن هناك حراكا جادا من المؤسسات الثقافية على الكتاب الرصين ولعل من أهم ما نلمسه هو ما تقدمه هيئة الأدب والثقافة والترجمة والنشر من جهود تذكر فتشكر متمثل بالمبادرات والدعم لجميع المناشط الثقافية ولعل الدور الأهم يبقى على الناشر في حرصه على جودة الكتاب والعناية به والاهتمام للمحافظ على مكانته وقيمته والعمل على احتضان الكتب الرصينة والفكرية والعمل على نشرها والمؤسسات الثقافية الجادة يمكنها أن تحوّل هذا الظرف من تهديد إلى فرصة؛ بخلق منظومة تحفظ قيمة الكتاب وتعيد تشكيل ذائقة القارئ بعيداً عن ضجيج «الانتشار السريع».
وبقدر ما تكون هذه المؤسسات مؤمنة بدورها، وقادرة على حماية الجودة، سيكون الكتاب الرصين قادراً على البقاء… بل العودة إلى صدارة المشهد.
ولعل نموذج دارة الملك عبدالعزيز وغيرها من الجهات مفخرة وطنية وثقافية وتاريخية في الحفاظ على المؤلفات والكتب.
رحيل الأدباء
يرحل الأدباء ويبقى أثرهم معلّقًا في ذاكرة القرّاء، لكنّ الفراغ الذي يخلّفونه يكشف حجم حضورهم في المشهد السعودي، كيف ترون تأثير غياب الرموز الأدبية على حركة الإبداع في المملكة؟ وهل نملك اليوم منظومة ثقافية قادرة على حفظ تجاربهم والاحتفاء بها؟
غياب الرموز الأدبية لا يعني فقط رحيل أسماء، بل هو غياب طبقة معرفية كانت تؤدي دورًا مزدوجًا: إنتاج الإبداع من جهة، وصناعة الذائقة والوعي من جهة أخرى. وعندما يغادر هؤلاء المشهد، يظهر الفراغ بوضوح لأن حضورهم لم يكن حضور نصوص فقط، بل حضور رؤية وتاريخ ومسار طويل من التراكم.
هؤلاء يمثلون “الجسر” بين الأجيال، ينقلون خبرات التجربة، ويؤسسون تقاليد الكتابة. برحيلهم، تنقطع بعض خيوط الاستمرارية، ويحتاج الجيل الجديد إلى وقت أطول ليعيد بناء هذه الجسور وهم يمثلون حركة إبداعية ويبقون رموزا يلتفت إليها الناس لفهم الاتجاهات. غياب هذه القامات يجعل الساحة بحاجة إلى تجديد أعمالهم وتخليد ذكراهم وذكرياتهم الأدبية
ومع غياب كبار الأدباء، ينتقل مركز التأثير إلى منصات جديدة، ليس بالضرورة أنها أقل قيمة، ولكنها مختلفة في إيقاعها وأولوياتها. وهذا يخلق “تحوّلًا” قد لا يكون دائمًا متوازنًا.
ويصنع غيابهم تحديا جديدا يولّد مسؤولية مضاعفة لا بالحضور في منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل بإنتاج أعمالٍ تمتلك عمقًا يمكّنها من البقاء.
اليوم بلادنا ولله الحمد تمتلك بنية ثقافية أكثر قوة وتنظيمًا مما كان قبل
لدينا اليوم إرادة ثقافية واضحة، لكن ما نحتاجه هو تحويل هذه الإرادة إلى مؤسسات دائمة تجعل من رحيل الأدباء بداية لتخليدهم، لا نهاية لذكراهم.
ذكريات طفل وديع
في مستهل اللقاءات التي تنظمها دار كاغد الأدبية، قدّم الأستاذ محمد صالح البليهشي قراءة وافية في «ذكريات طفل وديع» وسيرة الراحل عبدالعزيز الربيع، وسط مداخلات أثرت مجريات اللقاء، كيف ترون أثر هذه الفعاليات في إبراز السير الأدبية، وتعزيز حضور رواد الكتابة في الذاكرة الثقافية السعودية؟
تشكل مثل هذه اللقاءات التي تنظمها دار كاغد الأدبية نقطة ضوء مهمة في المشهد الثقافي، لأنها تقوم بوظيفة تتجاوز مجرد استحضار اسم أديب راحل؛ إنها تعيد تفعيل الذاكرة الأدبية وتمنح الرواد موقعهم الطبيعي في الوعي الجمعي.
هذه الفعاليات تساعد في إبراز السير الأدبية إعادة قراءة للتجربة بنظرة نقدية وتاريخية.
كما يسهم في اكتشاف طبقات جديدة في شخصية الأديب ومسيرته، ربما لم تُكتب من قبل. وربط السيرة الفردية بالسياق العام للحياة الثقافية والتعليمية والإعلامية في المملكة. وكسْر العزلة التي كثيرًا ما تحيط بالسير الأدبية بعد رحيل أصحابها.
هذه الفعاليات تفتح نافذة على زمنٍ مضى، وتعيد إحياء مسار أديب عاشه جمهور جديد ربما لم يقرأ له من قبل. وتكمن القيمة الكبرى لهذه اللقاءات في أنها تعمل على إعادة تثبيت الرموز في الوعي العام بعد أن تبتلعهم سرعة العصر.
توفير منصّة يلتقي فيها الجيل الجديد بالجيل السابق، بما يحافظ على سلسلة التلقي الثقافي.
إحياء الإرث الكتابي من خلال النقاش، والقراءة، واستعادة المواقف والذكريات.
تحويل السيرة الفردية إلى مادة إلهام، لا إلى مجرد تاريخ شخصي.
وهذا ما تقوم به فعاليات كاغد: تخلق مساحة لقاء، لا قراءة صامتة فقط.
الجمعية الأدبية الجديدة للمدينة المنورة
كيف يمكن للجمعية الأدبية الجديدة أن تبني على إرث نادي المدينة المنوّرة الأدبي، وأن تحافظ على رمزيته في تاريخ الأدب السعودي، وفي الوقت نفسه تستجيب للتحولات الثقافية الجديدة ورؤية 2030؟
مما لا شك فيه أن المدينة المنورة ولادة للأدباء والمثقفين وهي تزخر برموز أدبية نعتز بهم جميعا
ولا شك أن تحول نادي المدينة المنورة الأدبي إلى جمعية أدبية قد تأخر كثيرا أسوة بالأندية الأدبية الأخرى التي سارعت في استكمال إجراءات التحول وتدخل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية خطوة مباركة حيث عزلت مجلس إدارة النادي وتكليف مجلس مؤقت لإدارة شؤون النادي.
وتأسيس جمعية أدبية جديدة في المدينة المنوّرة يضعها أمام مسؤولية مزدوجة: حفظ الإرث وصناعة المستقبل. وإرث نادي المدينة المنوّرة الأدبي ليس مجرد تاريخ مؤسسي، بل ذاكرة مكانية وروحية وثقافية ارتبطت بإنتاج معرفي وريادة مبكرة في المشهد السعودي. لهذا فإن البناء على هذا الإرث، مع التفاعل مع التحولات الجديدة، يمكن أن يتحقق عبر مسارات متوازنة وواضحة.
ونتطلع إلى أن تتكامل جهود الجمعية مع الجمعيات الأدبية الأخرى في يخدم الأدب والثقافة بالمدينة المنورة
ذاكرين وشاكرين جهود صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان أمير منطقة المدينة المنورة على جهوده الدائمة في خدمة المدينة المنورة في جميع المجالات.
** **
@ali_s_alq