يمثل يوم التأسيس محطة وطنية فارقة في تاريخ المملكة العربية السعودية، وتجسيداً لعمق الجذور التاريخية للدولة وامتدادها لأكثر من ثلاثة قرون، منذ انطلاقها من الدرعية على يد الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ الموافق 1727م، لتؤسس مشروع دولة قائم على الوحدة والاستقرار والقيم الإسلامية.
وفي خطوة تاريخية تؤكد اعتزاز المملكة العربية السعودية بجذورها العميقة وتراثها الممتد عبر ثلاثة قرون، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود أمراً ملكياً سامياً برقم أ/ 371 بتاريخ 24/ 6/ 1443هـ، يقضي بجعل يوم 22 فبراير من كل عام مناسبة وطنية للاحتفال بذكرى تأسيس الدولة السعودية تحت مسمى يوم التأسيس، وتصبح هذه المناسبة إجازة رسمية، وذلك بعد الاطلاع على النظام الأساسي للحكم الصادر بالأمر الملكي رقم أ/ 90 بتاريخ 27/ 8/ 1412هـ، تأكيداً على اعتزاز الدولة بسلسلة القادة الذين تعاقبوا عليها منذ عهد الإمام محمد بن سعود، وعاصمتها الدرعية، ودستورها القرآن الكريم وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وقد أرست الدولة السعودية الأولى الوحدة والأمن في الجزيرة العربية بعد قرون من التشتت والفرقة، وصمدت أمام محاولات القضاء عليها، لتصبح نموذجاً للمثابرة والتمسك بالهوية الوطنية. ولم تكن هذه الملحمة حكراً على منطقة دون أخرى، إذ لا توجد قرية ولا قبيلة ولا بلدة في أنحاء جزيرة العرب إلا وكان لأهلها دور في مسيرتها، شهدت عليه معارك الدفاع عن الوطن والعقيدة تحت راية الدولة السعودية الأولى، والقصور والثغور التي تعرض أكثرها للأسف للإزالة في منطقة عسير (السروات) التاريخية من قلاع وثغور عرفت محلياً وحسب المرويات الشفهية بثغور الإسلام، ومنها قلاع آل المتحمي، إلى قصر ابن حرملة في العرين بلاد قحطان، فثغر ابن كدم في طريب، ثم ثغر ابن غشام في أحد رفيدة، إلى ثغر حصن سعود في جزعة آل حنيش من بلاد وقشة الذي كانت منطلقاً لاجتماع القبائل ومبايعتهم ومقاومة الغازي العثماني مع إخوانهم أبناء المنطقة من القبائل الأخرى كما ورد ذلك في المصادر التاريخية، ثم ثغور سنحان وهي قصر الثغر في قرية الخمجات بلاد سنحان وادي الفيض، والذي يقع في القرية الأثرية مجاور لبئر تسمى الفرعة العائدة ملكيته لحمد بن قاسم، والذي كان أول من كلف بالقضاء والإمارة في عهد الدولة السعودية الأولى به هو الشيخ عوض بن عمير الحميداني، ثم انتقل إلى وادي شويحط بالمجمع في قرية الثغر نسبة للقصر الذي بني فيها وتعود ملكيته لعبدالله بن معمر.
كما امتد هذا الحضور إلى الثغر في بدر الجنوب بمنطقة نجران، وقصر بن حابش في قرية بني سالم بمحافظة بلجرشي من أبرز معالم الباحة التاريخية، وكان داراً للإمارة وبيتاً للشورى والمال، وينسب إلى صالح بن مسفر بن حابش الظبياني الغامدي المتوفى عام 1230هـ، وقلعة بخروش بن علاس في منطقة الباحة، وهي شواهد ماثلة على نفوذ الدولة السعودية الأولى في جنوب الجزيرة العربية. بل إن أثار ذلك الامتداد لم تقتصر على القلاع والثغور، وإنما شملت أعمالاً خيرية وآباراً ومنشآت متعددة كلها تشير إلى نفوذ الدولة السعودية الأولى واتساع رقعتها، ومن ذلك بئر في اليمن يعد شاهداً على ذلك الحضور التاريخي، وما صاحبه من بسط للأمن وترسيخ للاستقرار وخدمة للمجتمعات في تلك الأقاليم.
يمثل منتصف عام 1139هـ الموافق لشهر فبراير 1727م بداية رحلة الدولة السعودية الأولى، فاتحة صفحة مشرقة من الإنجازات التاريخية التي شكلت هوية المملكة الراسخة، بينما تعود الجذور الأعمق إلى نشوء إمارة الدرعية على يد مانع المريدي عام 850 هـ الموافق 1446م، وهو الجد السابع للإمام محمد بن سعود، ما يؤكد أن الامتداد التاريخي يتجاوز ستة قرون.
لقد كانت البدايات محفوفة بالمخاطر، وبذل فيها الغالي والنفيس في سبيل تأسيس هذه الدولة التي شكلت نقلة حقيقية لأقاليم جزيرة العرب، فوصلت راياتها إلى تخوم الشام والعراق، وسواحل الخليج العربي والبحر الأحمر، وإلى عمان وبلاد اليمن، وأصبحت وحدة سياسية واحدة تحت راية واحدة وإمام واحد، وكان انضمام أغلب المناطق إليها طوعاً لا كرهاً، إيماناً ومحبة بهذه الدولة وأئمتها ودعوتهم.
واستمرت الدولة في عهد أبناء الإمام عبدالعزيز بن محمد، ثم في عهد الإمام سعود الكبير، ثم في عهد الإمام عبدالله بن سعود الذي تصدى للحملة العثمانية بقيادة إبراهيم باشا، وبعد معارك كبرى مثل وادي الصفراء وتربة وبسل ومعارك الباحة، سلم نفسه عام 1233هـ حقناً لدماء أهل الدرعية، وأعدم عام 1234هـ بعد نقله إلى إسطنبول، لتسجل تلك المرحلة صفحات من الفداء والدفاع.
ولم يمض سوى سبع سنوات على سقوط الدولة السعودية الأولى حتى تمكن الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود عام 1240هـ 1824م من استعادتها مؤسساً الدولة السعودية الثانية التي استمرت حتى عام 1309هـ 1891م. وبعد عشر سنوات فقط، استطاع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1319هـ 1902م استعادة الرياض وتأسيس الدولة السعودية الثالثة، التي توجت بإعلان قيام المملكة العربية السعودية عام 1351هـ 1932م.
تمثل رحلة الدولة السعودية قصة بناء مستمرة، تبدأ بالتأسيس عام 1727م، مروراً بالتوحيد عام 1932م، وصولاً إلى رؤية محمد بن سلمان 2030 كنهضة حديثة، لتشكل هذه الثلاثية عمقاً تاريخياً وسياسياً وتنموياً واحداً. حيث إن الرؤية تمثل مرحلة التحديث والتطوير، تنطلق من عمق التاريخ السعودي نحو مستقبل واعد يعزز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً.
إن يوم التأسيس هو ذكرى تاريخية، لتعزيز القيم الراسخة واستحضار التضحيات التي صنعت هذا الكيان العظيم عبر مراحله المختلفة، لتبقى هذه الذكرى ملحمة سعودية وطنية خالدة.
وفي سياق توثيق هذا التاريخ، حظي التاريخ الشفهي والقصايد الشعرية والأبنية التراثية التي تؤرخ للدولة السعودية الأولى بعناية فائقة من دارة الملك عبدالعزيز، إلا أنه ما زالت هناك صفحات أخرى ومرويات أخرى كلها تشير إلى أمجاد هذه الدولة التي المملكة العربية السعودية اليوم هي الامتداد التاريخي لها، فملوكها اليوم هم أحفاد أئمتها بالأمس ذرية طيبة بعضها من بعض.
ومن ذلك أبيات تصف البيعة للدولة السعودية الأولى تنسب للشيخ مفرح بن فريو الفحوس نذكرها هنا من باب الذكر لا الحصر، حيث يقول واصفاً ما وجده من إكرام بعد البيعة:
حطيت ثوب العنا ولبست بفتانه
جوخ من الشام وعتميت بالشالي
خذيت لي خمسه أيام بديوانه
عطيته العهد وكرمني بمنزالي
وختمت عهد الوفاء بآيات قرانه
والكاذب الله يصيبه وين ما زالي
كفيت عهدي على سنحان ضمانه
بايعتهم بيعتن ثم وثقوها لي
ومن ذلك أنه في عام 1189هـ بايع الشيخ مجحود العرجاني الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود وقال في ذلك قصيده نورد منها:
عبد العزيز اسمع كلامي تعافيت
ولا تصدق ناقلين الوحاني
يا طول ماني لاريش العين فزيت
واليوم ذا فزي لصقع الاذاني
ومن ذلك مبايعة الشيخ هادي بن قرملة في أواخر القرن الثاني عشر الهجري للإمام عبدالعزيز وهو وقبيلة الجحادر من قحطان قبيلة بدوية تتنقل بين ديارها التي تملكها وتمتد من نجد إلى تثليث في الجنوب، فالقول إن عسير (السروات) انضمت إلى الدولة السعودية الأولى في عام 1215هـ قول يحتاج إلى مراجعة، حيث إن تأثيرات الدولة السعودية الأولى وامتداد سلطاتها سبق تاريخ 1215هـ بكثير، وهنا أدعو إخواني الباحثين إلى دراسة تاريخ السعودية من جميع النواحي واستخدام أدوات البحث للوصول إلى المعلومات الحقيقية.
وكذلك الباحة التي ضمت بين جوانحها من التاريخ وصادق الولاء الكثير من الأحداث التاريخية في تلك المرحلة.
ومما اشتهر أيضاً بئر مسعودة وهي حسب ما وصفها الواصفون فطريقها يمر بشروره وكانت عد للبادية، وكان سلطان الدولة السعودية الأولى يصل إليها وتؤخذ الزكاة على من قطن بجوارها، وهناك بئر حفرت في لزمة آل الشواط حفرت بأمر من الدولة السعودية الأولى، هذا ما وصلنا من مرويات شفهية، وما ألمسه أن تاريخ الدولة السعودية الأولى كجبل الثلج ما خرج منه لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من تاريخها العريق والعميق.
وبالبحث والتقصي والاستنتاج فإن هناك قناعة لدي أن امتداد حكم الدولة السعودية الأولى إلى المناطق الجنوبية الغربية الباحة وعسير (السروات) ونجران وجازان تسبق بكثير ما يكتب عن الباحثين والمؤلفين، والدلالات على ذلك أحداث تاريخية وثقتها قصايد وقادة وأعلام، وآثاراً عمرانية بنيت بسبب امتداد نفوذ الدولة إلى تلك المناطق.
كل ذلك يشير إلى عمق الولاء من الشعب لقيادته في عهد الدولة السعودية الأولى بشكل مبكر، مما يستدعي البحث وخدمة التاريخ الوطني بكل ما يظهر تفاصيله التي تدعو إلى الفخر والاعتزاز.
** **
- د. سعيد عبدالله علي جفشر