لا يحضر يوم التأسيس في الوجدان السعودي كتاريخٍ نحتفي به فحسب، بل كلحظة خالدة وُلدت فيها فكرة الدولة على مهل، وبُنيت على الاستقرار قبل التوسع، وعلى الإنسان قبل المكان.
ففي الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، لا نستعيد حدثًا من الماضي بقدر ما نستحضر منهجًا في البناء ما زال حاضرًا في تفاصيل المملكة العربية السعودية حتى يومنا هذا..
حين أسس مانع المريدي الدرعية، تشكَّلت بذرة الكيان، ثم تحولت إلى مشروع دولة متكاملة مع الإمام محمد بن سعود عام 1727م، قائمة على التنظيم والعدل وبناء الإنسان. ومنذ تلك اللحظة، ارتبطت قوة الدولة بقدرتها على الاستثمار في المعرفة.
ومع تطور الدولة السعودية الحديثة، انتقلت روح التأسيس من الجغرافيا إلى المعرفة، فلم تعد الدولة تبني المدن فقط، بل تبني العقول التي تدير المدن وتطوّرها. وقد كان التعليم هماً مشتركاً بين الناس والقيادة، حيث بادر الأهالي إلى تأسيس جامعة الملك عبدالعزيز عام 1387هـ/ 1967م كمبادرة أهلية جسَّدت وعي المجتمع بأهمية العلم، ودعمت القيادة هذه المبادرة بتحويل جهدهم الأهلي إلى عمل تبنته الحكومة لضمان ديمومته ونموه لتتحول بعدها إلى جامعة حكومية رائدة.
ومع مرور السنوات، لم يقتصر أثر جامعة الملك عبدالعزيز على تخريج الطلبة، بل تجاوز ذلك إلى الإسهام في دعم نشأة الجامعات في المدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف وتبوك وجازان وغيرها. واليوم تمتد الجامعة كمدينةٍ معرفيةٍ نابضة بالحياة تحتضن أكثر من مئة ألف طالب وطالبة، وكوكبة من أعضاء هيئة التدريس والباحثين في كلياتها المتنوعة، حيث لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية، بل مجتمعًا تُصاغ فيه التخصصات، وتُكتشف المواهب، وتتهيأ العقول لقيادة التحول الوطني وصناعة المستقبل.
وطننا اليوم، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، تتجدد فيه روح التأسيس في صورة رؤية وطنية طموحة جعلت من التعليم والبحث والابتكار ركيزة للتحول الاقتصادي والاجتماعي والتنمية المستدامة.
نحتفي كل عام بيوم التأسيس.. بيوم بدينا، لأنه ما زال حاضرًا في مؤسساتنا وقراراتنا ورؤيتنا للمستقبل. نحتفي بوطن بُني على الصبر، وترسّخ بالعلم، ويواصل اليوم مسيرته بثقة نحو الغد.
** **
د. رنا بنت عبد الله الغامدي - أستاذ مشارك بجامعة الملك عبدالعزيز