إن خدمة الحجاج من أعظم المهام التي اضطلعت بها المملكة العربية السعودية، انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه الحرمين الشريفين وقاصديهما من مختلف أنحاء العالم. وقد أولى ملوك المملكة عناية خاصة بضيوف الرحمن، وعملوا على توفير الأمن والراحة لهم، وتطوير الخدمات الصحية والتنظيمية، وتوسعة المشاعر المقدسة، وإنشاء المشروعات العملاقة التي تسهل أداء المناسك بكل يسر وسهولة.
وفي هذا المقال نستعرض تلك العناية والجهود المبذولة بتسلسل تاريخي منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -يرحمه الله- وحتى هذا العهد الزاهر عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -يحفظه الله-.
أولاً: عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود:
أرسى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود قواعد راسخة لخدمة ضيوف الرحمن من خلال توفير الأمن، وإنشاء الإدارات المنظمة لشؤون الحج، وإلغاء الرسوم الباهظة، وتطوير الخدمات الصحية والسقيا لضمان راحة الحجاج. حيث تمثلت تلك التنظيمات في عمله على ترسيخ الأمن والاستقرار، فقد قضى على قطاع الطرق والنزاعات القبلية، وبسط الأمن في الحجاز والطرق المؤدية إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، مما جعل أداء الفريضة أمنا ومستقرًا. كما عمل على الإشراف المباشر على تقديم الخدمات لحجاج بيت الله الحرام. فقد اعتاد -يرحمه الله- على قيادة موكب الحج والإشراف بنفسه على راحة الحجيج وكان يوجه المسؤولين بتوزيع نفقته المخصصة لحجه على المحتاجين والمعسرين في الأعوام التي لا يتمكن فيها من أداء الفريضة بنفسه. وفي مجال الرعاية الصحية أسس الهياكل الإدارية والتنظيمية للشؤون الصحية، وأنشأ المستشفيات والمراكز الطبية لتقديم الرعاية للحجاج ومعالجة المرضى منهم. وأولى عناية فائقة بمشروعات سقيا المياه من أبرزها إنشاء «سبيل الملك عبد العزيز» لتيسير توفير وتوزيع مياه زمزم داخل المسجد الحرام.
وفي مجال تسهيل الإجراءات وإلغاء الرسوم الحكومية فقد أصدر الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه- في عام 1371هـ/ 1951م مرسومًا ملكيًا يقضي بإلغاء الرسوم الحكومية التي كانت تؤخذ على الحجاج القادمين من الخارج، كما أعطيت مهن الطوافة والتوجيه (المطوفين والوكلاء والأدلاء والزمازمة) صفة رسمية منظمة، وصدور المراسيم لتطوير المديرية العامة للحج وتوسيع مهامها في خدمة ضيوف الرحمن.
ثانيًا: عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود:
شهدت خدمات الحج في عهد الملك سعود بن عبد العزيز نقلة تاريخية كبرى، تمثلت في توسعة المسجد الحرام التاريخية في عام 1375هـ/ 1955م، حيث أمر -يرحمه الله- بتوسعة شاملة للمسجد الحرام استهدفت مضاعفة الطاقة الاستيعابية، وإزالة المنشآت التي كانت تعيق حركة الطواف والسعي وتوفير ممرات أكثر اتساعًا وراحة، كما شملت التوسعة إعادة بناء المسعى وتطويره ليكون بطابقين وشهد عام 1381هـ/ 1961م نقلة تنظيمية مهمة بإنشاء «وزارة الحج والأوقاف» وتعيين أول وزير لها (حسين بن علي عرب) لتتولى إدارة شؤون الحجاج وتنظيم خدماتهم. وقد ساهمت الوزارة في عهده على تأسيس الهيئات العليا للطوائف وإعادة هيكلة أنظمة الطوافة لتنظيم الخدمات الميدانية المقدمة لضيوف الرحمن، وتقديم أفضل سبل الإرشاد وتوجيه الحجيج، كما صاحب التوسعة العمرانية في عهده تطور كبير في شبكات الطرق المؤدية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة إلى جانب تجهيز المستشفيات والمراكز الصحية لخدمات الحجاج وتقديم الرعاية الطبية المتكاملة.
ثالثًا: عهد الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود:
تم في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز- يرحمه الله- استكمال توسعة المسجد الحرام لتبلغ مساحته نحو (160) ألف متر مربع مع استبدال مقصورة مقام إبراهيم عليه السلام بمقصورة بلورية، إلى جانب مشاريع توسعة وتطوير المشاعر المقدسة، مع حرصه على إصدار مرسوم ملكي عام 1385هـ/ 1966م بإلغاء هيئات المطوفين الثلاث ومنح الحاج حرية اختيار المطوف الذي يثق به. كما شهدت الخدمات الصحية توسعًا ملحوظًا لمواكبة تزايد أعداد الحجاج، وتوفير الكوادر الطبية والمستشفيات الميدانية لتقديم الرعاية الصحية الشاملة. شمل الأمر أيضًا إنشاء مكتبة الحرم المكي الشريف وتنظيم المؤتمرات والندوات الإسلامية التوجيهية، وإلقاء الخطب التاريخية من لدنه - يرحمه الله- للترحيب بحجاج بيت الله الحرام والتأكيد على وحدة الأمة.
رابعًا: عهد الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود:
استكمل - يرحمه الله- في عام 1396هـ/ 1976م المرحلة الرابعة والأخيرة من التوسعة السعودية الأولى للحرم المكي الشريف والتي شملت تجديد الحرم القديم وإحاطته بالساحات والشوارع الفسيحة. وأجريت توسعة المطاف عام 1398هـ/ 1978م وتضمنت فرش أرضيته بالرخام الأبيض البارد المُستورد من اليونان، مما منع انتقال الحرارة إلى أقدام المصلين والطائفين وقت الظهيرة، كما تم نقل منبر الخطيب والمكبرية وإزالتها من صحن المطاف لتوفير مساحات إضافية.
شمل الأمر أيضًا توسيع قبو زمزم وإنشاء مدخل جديد ومستقل للنساء والرجال من جهة المسعى وتزويده بصنابير لشرب المياه. وصنع باب الكعبة المشرفة وباب التوبة من الذهب الخالص عام 1397هـ/ 1977م وتم تركيبهما في عام 1399هـ/ 1979م، بالإضافة إلى صناعة طوق جديد من الفضة الخالصة للحجر الأسود عام 1398هـ/ 1978م.
وصدر أمره الكريم عام 1397هـ/ 1977م بافتتاح وتأثيث مصنع كسوة الكعبة المشرفة الجديد في حي «أم الجود» بمكة المكرمة وتزويده بأحدث الآلات والمعدات مع استقطاب أمهر الفنيين.
كما تم تجهيز مشعر منى وعرفات ومزدلفة وذلك بتوفير شبكات المياه الدائمة، إلى جانب تقديم الخدمات الصحية المتكاملة عبر المستشفيات والمراكز الطبية الموزعة لخدمت ضيوف الرحمن.
خامسًا: عهد الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود:
انطلقت في عهده التوسعة التاريخية الكبرى عام 1409هـ/ 1988م، وشملت الناحية الغربية، وبناء مئذنتين جديدتين ليصبح إجمالي عدد المآذن (9)، مع إضافة جزء علوي واسع، وزيادة الطاقة الاستيعابية ليستوعب الحرم أكثر من مليون ونصف المليون مصل في آن واحد.
كما شهد المسجد النبوي توسعة ضخمة تضاعفت معها مساحته عدة مرات، مع تظليل ساحاته الخارجية بمظلات عملاقة، وبناء ساحات واسعة تستوعب الآلاف من المصلين، وتأسيس مواقف ضخمة للسيارات في أدواره السفلية.
وتم في عهده أيضًا تطوير البنية التحتية والمشاعر المقدسة بإنشاء الجسر العملاق لرمي الجمرات بمستوياته المتعددة لمنع التزاحم وتسهيل حركة الحجاج أثناء أداء المناسك. كما تم تحويل المخيمات من التقليدية المعرضة للحريق إلى مخيمات حديثة مقاومة للحريق ومجهزة بجميع وسائل السلامة والتكييف المركزي. وبالنسبة لمشاريع الأنفاق والطرق فقد تم توسعة شبكة الأنفاق والجسور لربط مكة المكرمة بالمشاعر المقدسة، وتسهيل انسيابية حركة الحافلات والمركبات. وفي مجال الخدمات الصحية والإدارية زادت عدد المستشفيات والمراكز الصحية الدائمة والمؤقتة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، وتوفير فرق إسعافية متطورة تتابع الحالات الصحية وتديرها بدقة.
وفي عهده تم تأسيس «معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج» عام 1403هـ/ 1983م لتقديم دراسات واستشارات فنية تهدف إلى تقنين الخدمات وتحسين إدارة الحشور وتسهيل المناسك.
سادسًا: عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود:
أعلن عام 1431هـ/ 2010م عن مشروع التوسعة الأكبر في تاريخ المسجد الحرام، لترتفع طاقته الاستيعابية إلى أكثر من مليوني مصل، وشملت التوسعة الساحات الخارجية والأنفاق. أما المسجد النبوي فقد شهد أكبر توسعة تاريخية بعد اكتمالها لنحو مليون و800 ألف مصل، بالإضافة إلى استحداث مظلات ضخمة وساحات متطورة.
كما دشن في موسم حج عام 1431هـ/ 2010م قطار المشاعر لربط مناطق المشاعر (منى -عرفات- مزدلفة) ببعضها مما أسهم بشكل جذري في تقليل الازدحام وتسهيل حركة تفويج الحجاج.
وتم في عهده أيضًا إعادة بناء وتطوير منطقة الجمرات وتحويلها إلى منشأة ضخمة متعددة الطوابق ومكيفة، مما ساهم في انسيابية رمي الجمرات ومنع التدافع ورفع الطاقة الاستيعابية للجسر بشكل هائل.
سابعًا: عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود:
شهدت خدمات الحج في عهده الكريم - يحفظه الله- نقله نوعية وتاريخية، حيث جرى دمجها كإحدى الركائز الأساسية ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن التابع لرؤية المملكة 2030، حيث يرتكز هذا التطوير على محاور متعددة تشمل التقنية، والتوسعات العمرانية، والمبادرات التسهيلية المتنوعة ومن أبرز التطورات والخدمات في هذا العهد الزاهر التوسع العمراني والبنية التحتية فقد شهد المسجد الحرام استكمال التوسعة السعودية الثالثة (الأضخم في التاريخ) بتكلفة تجاوزت (200) مليار ريال، مما أسهم في رفع الطاقة الاستيعابية ويجري العمل على مشروعات تطويرية كبرى مثل «بوابة الملك سلمان» لزيادة مساحات الصلاة في محيط المسجد الحرام.
وفي مجال التقنية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تم إدخال التقنيات الحديثة لتنظيم رحلة الحج وإدارتها، بدأ من حجز الخدمات إلكترونيًا مرورًا «بمنصة حجاج الداخل»، واستخدام تطبيقات الهواتف الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي لتقديم معلومات دقيقة وفورية حول المناسك وتسهيل عمليات التفويج.
ومن المبادرات أيضًا في عهده الميمون «مبادرة طريق مكة» والتي تهدف إلى إنهاء إجراءات دخول الحجاج من بلدانهم (بداية من إصدار التأشيرة، مرورًا بالتحقق من الاشتراطات الصحية وصولاً إلى ترميز وفرز الأمتعة) مما يختصر أوقات الانتظار عند الوصول للمنافذ السعودية.
أما منظومة النقل الحديثة فتم تشغيل شبكة نقل متطورة تضم قطار الحرمين السريع لربط مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى استخدام آلاف الحافلات الحديثة التي تدعم مسارات النقل العام لخدمة ضيوف الرحمن بسهولة ويسر. وقد شمل الأمر أيضًا مظلة الرعاية الصحية التي سخرت الإمكانات الطبية المتطورة لتقديم خدمات صحية ووقائية على مدار الساعة عبر منظومة متكاملة من المستشفيات والمراكز الصحية المتنقلة والثابتة والطائرات بدون طيار.
وحقيقة فالحج في هذا العهد الزاهر ليس فقط إنجازًا تشغيليًا بل هو تجربة حضارية وروحية متكاملة نلمسها على أرض الواقع بفضل التوجيهات الدائمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -يحفظهما الله- في ظل رؤية المملكة 2030 التي جعلت خدمة الحجاج والمعتمرين أولوية وطنية من الدرجة الأولى.
** **
د. أحلام علي أحمد أبوقايد - أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر - (تخصص تاريخ سعودي) - قسم التاريخ -كلية العلوم الاجتماعية - جامعة أم القرى