وقّعت المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان الإسلامية اتفاقاً دفاعياً مشتركاً، ينص على أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعدّ اعتداءً عليها جميعاً، بما يعزز مفهوم التعاون والتكامل في مجال الأمن والدفاع، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وبعيداً عن التفاصيل العسكرية والأمنية للاتفاق، فإن المشهد يحمل دلالات سياسية وتاريخية لافتة، تستحق التوقف عندها، ولا سيما في ظل المكانة التي تتمتع بها الدول الثلاث في العالم الإسلامي، وثقلها السياسي والإستراتيجي إقليمياً ودولياً.
ومن هنا يمكن استحضار بُعد تاريخي مهم، يعود إلى أكثر من أربعة عشر قرناً، حين شهدت مكة المكرمة قيام «حلف الفضول»، وهو تحالف اجتماعي وأخلاقي بين عدد من بطون قريش، قام على نصرة المظلوم، وحماية الضعيف، وردّ الحقوق إلى أصحابها، والاحتكام إلى قيم العدل والفضيلة. وتذكر الروايات أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال عنه، إنه لو دُعي إلى مثله في الإسلام لأجاب.
وبالعودة إلى الاتفاق الدفاعي الجديد، فإن أهميته لا تقتصر على كونه إطاراً للتعاون العسكري بين ثلاث دول، بل قد تحمل تداعياته أبعاداً أوسع على مفهوم الأمن الإقليمي، وعلى طبيعة التحالفات والتوازنات في المنطقة، ولا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها في الوقت الراهن.
كما يمكن قراءة الاتفاق في سياق أوسع يتعلق بمواجهة التهديدات الأمنية والإرهاب والتطرف بمختلف أشكاله ومصادره، والتأكيد على أهمية بناء منظومة إقليمية قادرة على حماية أمن الدول واستقرارها، مع احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وفي هذا السياق، تبرز ملفات إقليمية شديدة التعقيد، من بينها الدور الإيراني وتداعيات سياساته الإقليمية، إلى جانب التحديات التي تفرضها الحرب في غزة، والسياسات الإسرائيلية التوسعية في الأراضي الفلسطينية، وما خلّفته هذه الملفات من تداعيات أمنية وسياسية وإنسانية عميقة على المنطقة.
ومن منظور سياسي، يمكن أن يحمل الاتفاق رسالة ردع واضحة مفادها أن أمن الدول الثلاث مترابط، وأن أي تهديد مباشر لأمن إحداها سيجد موقفاً جماعياً من الدول الأخرى. كما أن اختيار مكة المكرمة لتوقيع الاتفاق يمنحه دلالة إضافية، بالنظر إلى مكانة مكة وثقلها الديني، ودورها المتنامي في صياغة التوازنات الإقليمية.
لكن اللافت في المشهد لا يقتصر على مضمون الاتفاق وحده؛ فالتفاصيل البروتوكولية المصاحبة لمراسم التوقيع حملت بدورها رسائل رمزية تستحق القراءة. فقد برز حضور المرأة السعودية في مراسم الحدث وتقديم الوثائق المتعلقة بالتوقيع، في مشهد يعكس التحولات الإيجابية العميقة والتطورات المتسارعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية.
** **
عامر عبد الحي - كاتب وإعلامي سوري