نقول: (أبشر) فنَعِد، و(نشوف) فنؤجل، و(براحتك) وقد لا نكون راضين، و(ما قصّرت)؛ لنشكر مرة ونعاتب مرة أخرى. كلمات عادية نسمعها كل يوم، لكن المعجم، مهما كان دقيقًا، لن يخبرنا دائمًا بما تعنيه حين يقولها الناس.
فلو كان معنى الكلام يسكن الكلمات وحدها، لما احتجنا بعد كثير من أحاديثنا إلى السؤال الشعبي البسيط: (وش يقصد؟)
نحن لا نسأل هنا عن معنى الكلمة، بل عما وراءها: نية قائلها، ونبرة صوته، والموقف الذي قيلت فيه، وعلاقتنا به. وفي هذه المسافة بين ما تقوله الكلمات وما يقصده الناس تعيش التداولية؛ ذلك الجانب من اللغة الذي لا يكتفي بما تعنيه العبارة، بل ينظر إلى ما يفعله المتكلم بها في مقام معين.
اطلب من شخص خدمة، ثم اسمعه يقول: (أبشر). لم يخبرك متى سينجزها ولا كيف، ومع ذلك تشعر أن شيئًا قد حدث بينكما: لقد قبل الطلب، أو أظهر استعداده له، وربما وضع نفسه أمام التزام ينتظر الوفاء. فالكلمة هنا لم تصف فعلًا؛ بل فعلت شيئًا. نحن لا نستعمل اللغة لنخبر فقط، بل لنَعِد ونعتذر ونطمئن ونهنئ ونرفض أيضًا.
لكن حتى (أبشر) ليست واحدة دائمًا. هناك (أبشر) التي يتبعها الفعل، وأخرى تحتاج إلى تذكير، وربما ثالثة يدرك الطرفان أنها مجاملة أكثر من كونها وعدًا. الكلمة واحدة، لكن المقام يكتب بقية المعنى.
والأمر نفسه مع (نشوف). -نطلع الخميس؟- نشوف.
هل وافق؟ ليس تمامًا. وهل رفض؟ ليس تمامًا أيضًا. قد يكون محتاجًا فعلًا إلى وقت قبل أن يقرر، لكنها في مقام آخر قد تصبح تأجيلًا، وفي ثالث رفضًا لطيفًا لا يريد صاحبه أن ينطقه بصراحة.
فاللغة لا تساعدنا على نقل المعنى فقط، بل على إدارة علاقتنا بالآخرين. ليس كل ما نستطيع قوله نقوله بأكثر الصور مباشرة؛ لأننا لا نتعامل مع الكلمات وحدها، بل مع الأثر الذي ستتركه في الآخر. ولهذا توجد بين «نعم» و«لا» طرق كثيرة للكلام، و«نشوف» واحدة منها.
أما «براحتك» فحكايتها أكثر طرافة. -أروح؟- براحتك.
لغويًا، الأمر واضح: لديك حرية الاختيار. أما إنسانيًا، فقد يكون الأمر قد بدأ للتو. هل قيلت بابتسامة أم بعد صمت؟ هل تعني: اختر ما يناسبك؟ أم: افعل ما تريد، لكنني غير راضٍ؟ أم أن النقاش انتهى؟
هنا يجمع المستمع النبرة والسياق والعلاقة وما سبق الكلام، ثم يصل إلى معنى لم تنطقه العبارة نفسها. نحن نفعل ذلك من غير أن نشعر؛ نفهم، أو نظن أننا نفهم، ومن هنا تبدأ بعض مشكلات البشر.
وحتى (ما قصّرت) تستطيع أن تشكر شخصًا وتعاتب آخر. نقولها لمن أحسن إلينا فتعني الامتنان، ثم نقولها بالنبرة المناسبة لمن أهمل أمرًا فتقترب من معنى: لقد قصّرت. العبارة نفسها، لكن السياق قلب وظيفتها.
وهذا ما يحدث مع كثير من كلماتنا: (الله يهديك) قد تكون دعاءً وقد تحمل عتابًا، و(سم) قد تحمل الاستجابة والتوقير، و(من عيوني) لا تعني (حاضر) فقط؛ بل تضيف إلى الموافقة المودة ومكانة المخاطَب.
وهنا تصبح المسألة أوسع من طرائف لغوية.
فالإنسان لا يدير محادثة فقط؛ إنه يدير علاقة. يراعي قربه من الآخر ومكانته والمقام الذي يجمعهما، وقد يختار التلميح بدل التصريح، أو يؤجل الرفض، أو يخفف العتاب، لا لأن اللغة عاجزة عن المباشرة، بل لأن العلاقات الإنسانية لا تحتمل المباشرة دائمًا.
لذلك لا يكون السؤال في أحاديثنا: ماذا أريد أن أقول؟ فقط، بل أحيانًا: كيف أقوله دون أن أكسر شيئًا بيني وبين الآخر؟
ومن هنا تكشف كلماتنا شيئًا عنا أيضًا. فـ(أبشر) قد تحمل إكرام طالب الحاجة، و(سم) التوقير، و(من عيوني) المودة، و(نشوف) مساحة بين القبول والرفض. ومن كثرة هذه الاستعمالات يتشكل قاموس اجتماعي غير مكتوب، لا نتعلمه بالتعريفات، بل بالحياة.
نعرف متى تكون (أبشر) وعدًا، ومتى تكون مجاملة، ومتى تكون (ما قصّرت) امتنانًا، ومتى يصبح من الحكمة ألا نشكر صاحبها على الشكر. ونتعلم — بعد تجارب متفاوتة النجاح — متى تكون «براحتك» فعلًا براحتك.
لهذا قد يكون سؤالنا الشعبي (وش يقصد؟) مدخلًا بسيطًا إلى التداولية كلها. فنحن لا نسأل عن الكلمات وحدها؛ بل عن الإنسان الذي يقف خلفها.
وحين نسأل بعد عبارة عابرة: (وش يقصد؟) فنحن لا نفتش عن معنى كلمة فحسب؛ نحن نحاول قراءة إنسان.
فالمعجم يخبرنا ماذا تعني الكلمات، أما الناس فيخبروننا ماذا تستطيع الكلمات أن تفعل.
** **
- عماد أحمد محمد أبوزهير