لم يكن ذلك اليوم مختلفًا في بدايته.
خرجت إلى عملي كما أفعل كل مساء أحمل في ذهني قائمة طويلة من المهام، وأراجع تفاصيل يومي وأنا أسير. كنت أظن أنني ذاهبة لأؤدي عملي فقط، ولم أكن أعلم أن ذلك المكان يخبئ لي رحلةً إلى أعماق نفسي.
فتحت باب الدار، ودخلت بخطوات هادئة.
استقبلتني زوايا كثيرة، لكن إحدى تلك الزوايا نادت كطفلة كانت نائمة في داخلي منذ سنوات.
اقتربت، فإذا بأطفال يملؤون المكان ضحكًا، يركضون بلا خوف، ويصنعون من أبسط الأشياء عالمًا كاملًا. جلست بينهم دون أن أشعر. أمسكت بالألوان، وجمعت الكرات الصغيرة، وساعدت في ترتيب الألعاب، ثم ضحكت…
ضحكةً لم أسمعها من نفسي منذ زمن.
في تلك اللحظة، لم أعد أتذكر عمري، ولا مسؤولياتي، ولا الساعات التي تنتظرني. كنت طفلةً لم تتجاوز السادسة، ترى في لونٍ جديد اكتشافًا، وفي لعبةٍ صغيرة حكاية، وفي ضحكةٍ صادقة حياةً كاملة.
وعندما غادرت تلك الزاوية، شعرت أن شيئًا جميلًا عاد إلى قلبي.
في الزاوية التالية، كانت فتيات في عمر الزهور يتعلمن إعداد القهوة. كانت أيديهن تتحرك بحذر، وعيونهن تلمع بالشغف، وكأن كل فنجان يعدنه يحمل حلمًا صغيرًا ينتظر أن يكبر.
ابتسمت وأنا أراقبهن، وأدركت أن لكل مرحلة من العمر جمالها، وأن الإنسان يظل يتعلم ما دام قلبه حيًا.
ثم وصلت إلى الزاوية الأخيرة…
زاوية الأمهات.
كان المكان هادئًا، لكن الوجوه كانت تتحدث أكثر من الكلمات.
رأيت أُمَّاً تخفي تعب السنين خلف ابتسامة دافئة، وأخرى تراقب أبناءها بعينين امتلأتا حبًا واطمئنانًا، وثالثة كانت صامتة… صمتها وحده يحكي قصة لا يعلمها إلا الله.
وقفت أتأملهن، وشعرت أن كل أم تحمل في قلبها وطنًا كاملًا.
قلت في نفسي:
كم من مرةٍ تعبت أمٌ ولم تخبر أحدًا؟ وكم من ليلةٍ سهرت، وكم من دعوةٍ رفعتها في جوف الليل حتى تستقيم حياة أبنائها؟
حينها شعرت أن الأم لا تُقاس بعمرها، بل بعدد المرات التي قدمت فيها أبناءها على نفسها.
ومع غروب ذلك اليوم، خرجت من الدار كما دخلتها… لكنني لم أعد الشخص نفسه.
دخلت وأنا أحمل جدول أعمال، وخرجت وأنا أحمل درسًا من الحياة.
تعلمت أن الطفولة لا تموت، بل تنتظر لحظةً صادقة لتعود.
وأن الشباب جماله في الشغف.
وأن الأم هي الزاوية التي مهما ابتعدنا عنها، نظل نعود إليها بقلوبنا.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بذلك المكان، لم أعد أرى زواياه كما يراها الآخرون…
بل أراها مرايا، أعادت إليّ أجزاءً من نفسي كنت أظن أنني فقدتها إلى الأبد.
** **
- عائشة بنت محمد الهلالي