يُقال: «اللسان مرآة القلب»؛ فالإنسان قد يخفي كثيرًا مما في داخله، غير أن كلماته تكشف، في لحظات كثيرة، شيئًا مما استقر في نفسه. ولعل هذا ما يجعلنا نتساءل: أيهما أصدق في التعبير عن المحبة والامتنان: العين أم اللسان؟
نواجه في حياتنا أناسًا يعبّرون عن محبتهم بكلمات صادقة، تشعر وأنت تسمعها أنها خرجت من موضعها الصحيح في القلب. ونواجه آخرين يقلّ كلامهم، لكن نظرة من أعينهم تقول ما تعجز عنه عبارات طويلة. وبين هؤلاء وأولئك تتجلى حقيقة إنسانية بديعة:
أن المشاعر الصادقة لا تبقى حبيسة الداخل، بل تبحث عن منفذ، فتظهر في كلمة، أو نظرة، أو موقف…
وقد أولى القرآن الكريم الكلمة مكانتها، فقال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، فجعل حسن القول خُلُقًا مأمورًا به.
وليس الكلام في التصور الإسلامي مجرد وسيلة للتخاطب، بل مسؤولية أخلاقية؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليقل خيرًا أو ليصمت».
وللكلمة سلطانها الذي قد يتجاوز حدود معناها المباشر؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرًا»، في إشارة إلى قوة البيان وتأثيره في النفوس.
وهنا يظهر وجه آخر للمسألة:
فحسن الكلام لا يعني بالضرورة صدق الشعور، كما أن قلة الكلام لا تعني بالضرورة برود القلب.
فالقول بأن اللسان مرآة القلب صحيح في كثير من الأحوال العفوية، لكنه ليس حكمًا مطلقًا على النفوس؛ إذ قد يحمل الإنسان قلبًا عامرًا بالمحبة، لكنه لا يحسن التعبير عنها، فيبدو لسانه أقل دفئًا مما في قلبه. وقد يجيد آخر صياغة الكلام وتزيينه، بينما لا تسنده مشاعر صادقة. وربما دفع الغضب أو الانفعال إنسانًا إلى قول ما لا يريده في حال سكونه ورضاه.
ولهذا لا تكفي الكلمة وحدها للحكم على ما في الصدور. فالكلمات تُقرأ في سياقها، وتُعرف قيمتها بما يعضدها من المواقف والأفعال. وفي المثل العربي: «كل إناء بما فيه ينضح»؛ وهي حكمة ذائعة في التراث العربي، تُستعمل للدلالة على أن ما في الداخل يجد سبيله إلى الخارج.
لكن، إذا كان اللسان مرآة القلب، فماذا عن العين؟
للعين لغة لا تحتاج إلى قاموس. قد يطيل المرء الحديث عن محبته، ثم تخونه نظراته، وقد يعجز آخر عن الإفصاح، فتتكفل عيناه ببعض ما عجز لسانه عن قوله. وفي لحظات الصفاء، تبدو النظرة الصادقة أبلغ من كثير من الكلام؛ لأنها تأتي عفوية، لا تحتاج إلى ترتيب الجمل ولا إلى البحث عن العبارة المناسبة.
غير أن العين، مثل اللسان، ليست معصومة من الخطأ في قراءتها. فقد يُساء فهم نظرة عابرة، وقد تخفي الملامح ما لا يوافقها في الداخل. ولذلك فإن البحث عن أصدق وسيلة لقراءة القلوب لا ينبغي أن يتوقف عند العين أو اللسان، وإنما يتجاوزهما إلى ما هو أبقى وأصدق: السلوك.
فالمحبة التي تُقال جميلة، والمحبة التي تُرى أجمل، أما المحبة التي تُعاش فهي أصدقها.
من الجميل أن تحضر حين يحتاجك من تحب، وأن تحفظ وده في غيابه، وأن تفرح لفرحه دون منافسة، وأن تعذر ضعفه، وأن تبقى وفيًا حين تتغير الظروف؛ تلك لغة لا تحتاج إلى كثير بيان. إنها المحبة حين تتحول من شعور إلى موقف، ومن كلمة إلى فعل.
وهنا تتضح المفارقة: قد يقول الإنسان «أحبك» فلا نطمئن إلى قوله، وقد يصمت فلا نشك في محبته. والسبب ليس في الكلمة ذاتها ولا في الصمت، وإنما في التطابق بين القول وصاحبه. حين تتوافق الكلمات مع النظرات والمواقف، يصبح التعبير صادقًا ومطمئنًا؛ وحين تتناقض، تفقد أجمل العبارات شيئًا من بريقها.
ولذلك لم يكن الإسلام معنيًا بالكلمة منفصلة عن العمل؛ فالقرآن يلفت النظر إلى خطورة التناقض بين القول والفعل في قوله تعالى{كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]. فالمشكلة ليست في القول، وإنما في أن يصبح القول منفصلًا عن الحقيقة التي يفترض أن يمثلها.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال: أيهما أصدق، العين أم اللسان؟ هو السؤال الأهم. فالعين قد تبوح، واللسان قد يصرّح، لكن المواقف هي التي تمنح البوح والتصريح صدقهما.
إن الإنسان لا يُعرف فقط بما يقول، بل بما يتكرر منه حين لا يكون مضطرًا إلى الكلام. ففي المواقف تنكشف المعادن، وفي الغياب يظهر الوفاء، وفي الاختلاف يظهر الاحترام، وفي الشدة تظهر المحبة التي لم تكن مجرد عبارة جميلة.
ولعل أصدق ما يمكن أن نقوله في هذا الباب أن القلب الصادق لا تتناقض لغاته؛ فإذا أحب، قالت عيناه شيئًا من محبته، وأفصح لسانه عنها حين يحسن الإفصاح، ثم جاءت أفعاله لتؤكدها. أما إذا انفصلت الكلمات عن المواقف، بقيت الكلمات وحدها، مهما بلغت من جمال الصياغة.
فاللسان مرآة، والعين نافذة، أما السلوك فهو البرهان.
وفي عالم ازدحمت فيه الكلمات، وكثرت فيه عبارات التقدير والمحبة، ربما أصبح الإنسان أحوج من أي وقت مضى إلى أن يميز بين الكلمة التي تُقال، والكلمة التي تُصدقها الحياة.
فالكلمة الطيبة أثر، والنظرة الصادقة أثر، والموقف الوفي أثر؛ غير أن أجملها جميعًا تلك التي تتآزر فيها لغة القلب والعين واللسان والعمل، حتى لا تعود المحبة مجرد قول يُسمع، أو نظرة تُرى، بل حقيقة تُعاش وتبقى.
** **
منى بنت محمد الحجيلي - المدينة المنورة
@m360q