الثقافية - سمر العزام:
لم يكن حصول صالون نُبل الثقافي على المركز الأول في مسار أندية الهواة الثقافية، ضمن النسخة الخامسة من مبادرة «الشريك الأدبي»، مجرد تتويج لموسم من الفعاليات، بل جاء نتيجة مسيرة من العمل الثقافي المتواصل، سعى خلالها الصالون إلى توسيع مفهوم النشاط الثقافي، ونقل الأدب من فضاءاته التقليدية إلى مساحات أكثر قربًا من المجتمع.
ويأتي هذا التتويج ضمن مبادرة «الشريك الأدبي»، إحدى المبادرات الإستراتيجية لهيئة الأدب والنشر والترجمة بوزارة الثقافة، التي أسهمت في تعزيز حضور الأدب في الحياة اليومية، وفتح آفاق جديدة أمام الأندية والمبادرات والفاعلين في المجال الثقافي للوصول إلى جمهور أكثر تنوعًا.
841 مبادرة ومساهمة
خلال مسيرته، قدّم صالون نُبل الثقافي 841 مبادرة وفعالية ومساهمة ثقافية في مختلف مناطق المملكة، تنوعت موضوعاتها بين الأدب والفكر والفنون والمعرفة، في تجربة قامت على رؤية تعتبر الثقافة أسلوب حياة، والعمل الثقافي ممارسة تتجاوز إقامة الفعاليات إلى صناعة أثر مستدام.
ومن خلال هذه الرؤية، اهتم الصالون بدعم المواهب الأدبية، وتهيئة مساحات للحوار، وتعزيز حضور الأدب في الحياة اليومية، مع الحرص على تنويع موضوعات برامجه واستقطاب شرائح مختلفة من الجمهور.
الثقافة تذهب إلى الجمهور
ومن أبرز ملامح تجربة «نُبل» سعيه إلى الوصول بالأدب إلى الناس في أماكنهم، وعدم الاكتفاء بالقاعات والمنصات الثقافية المعتادة؛ فامتدت برامجه إلى الفنادق وبيوت الثقافة والمكتبات والمتاحف والمراكز الاجتماعية والأندية الرياضية والمستشفيات والمقاهي وغيرها من الوجهات المجتمعية.
وأسهم هذا التوجه في تقديم الأدب والثقافة إلى جمهور جديد، وربط النشاط الثقافي بالحياة اليومية، انطلاقًا من مفهوم «الثقافة للجميع»، بحيث تصبح الفعالية الثقافية جزءًا من المكان الذي يرتاده الناس، لا نشاطًا مقصورًا على المهتمين بالأدب وحدهم.
الشراكات بوابة للانتشار
وشكّلت الشراكات أحد المرتكزات الرئيسة في تجربة الصالون، إذ تعاون مع جهات ثقافية وأندية وجمعيات ودور نشر ومقاهٍ ومنصات وعدد من المهتمين بالعمل الثقافي.
ولم تكن هذه الشراكات مجرد إطار تنظيمي لإقامة الفعاليات، وإنما أداة لتوسيع أثر الثقافة وتنويع جمهورها ومحتواها، كما أسهمت في إتاحة مساحات أمام الأدباء والمثقفين والباحثين والمواهب للمشاركة والتفاعل وتبادل الخبرات.
خارج إطار الصالون التقليدي
ولم يحصر «نُبل» نشاطه في الأدب بمفهومه التقليدي، بل اتجه إلى بناء جسور بينه وبين حقول معرفية متعددة، شملت الفكر والفنون والقانون والعلوم والتقنية والتراث، في محاولة لإيجاد مساحة مشتركة يلتقي فيها المثقف والمتخصص والموهوب والجمهور.
وأسهم هذا التنوع في توسيع طبيعة البرامج التي يقدمها الصالون، وجعل النشاط الثقافي أكثر اتصالًا بالتحولات الاجتماعية والمعرفية التي يشهدها المجتمع.
الزغيبي: ثمرة عمل جماعي
ويرى مؤسس ورئيس صالون نُبل الثقافي منصور بن عمر الزغيبي أن الفوز بالمركز الأول يمثل تقديرًا لمسيرة جماعية شارك في صناعتها ضيوف الصالون ومحاوروه وشركاؤه والحضور وكل من أسهم في برامجه ومبادراته، مشيرًا إلى أن قيمة الإنجاز لا تتوقف عند الحصول على المركز الأول، وإنما في المسؤولية التي يفرضها لمواصلة تطوير التجربة ورفع جودة العمل الثقافي.
وقال الزغيبي:
«ننظر إلى هذا الفوز بوصفه ثمرة لعمل جماعي، ودافعًا لمواصلة البناء والتطوير. فمنذ انطلاق صالون نُبل الثقافي كان طموحنا أن نصل بالأدب والثقافة إلى الناس أينما كانوا، وأن نوسّع دوائر المشاركة، ونبتكر شراكات ومساحات جديدة تجعل الثقافة أقرب إلى المجتمع. وما تحقق من 841 مبادرة ومساهمة ثقافية لم يكن رقمًا في حد ذاته، بقدر ما كان تعبيرًا عن رحلة هدفها صناعة أثر حقيقي، وإتاحة مساحة أوسع للوعي والذوق والمعرفة».
«الشريك الأدبي» وتوسيع دائرة الثقافة
ويشير الزغيبي إلى أن مبادرة «الشريك الأدبي» أحدثت تحولًا لافتًا في المشهد الأدبي والثقافي، من خلال نقل الأدب إلى فضاءات مجتمعية متنوعة، وتوسيع قاعدة جمهوره، وإتاحة المجال أمام الأندية والمبادرات والفاعلين الثقافيين لتقديم تجاربهم والتنافس في جودة المحتوى وحجم الأثر.
كما أسهمت المبادرة في تقريب النشاط الأدبي من المجتمع، واكتشاف الطاقات والمواهب، وبناء الشراكات، وفتح مساحات جديدة للحوار والإبداع، بما ينسجم مع الحراك الثقافي الذي تشهده المملكة في ظل رؤية السعودية 2030.
المركز الأول.. محطة لا نهاية
ويمثل حصول صالون نُبل الثقافي على المركز الأول مؤشرًا على ما يمكن أن تحققه المبادرات الثقافية المجتمعية حين تستند إلى رؤية واضحة واستمرارية في العمل وجودة في المحتوى وقدرة على بناء الشراكات والوصول إلى الجمهور.
وبعد هذا التتويج، يتطلع الصالون إلى مرحلة جديدة تتضمن تطوير برامجه ومشروعاته، وتعزيز شراكاته، وإطلاق مبادرات أكثر تنوعًا واستدامة، بما يسهم في خدمة المشهد الثقافي السعودي ودعم المبدعين وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعية.
وبالنسبة إلى «نُبل»، لا يمثل المركز الأول نهاية الطريق، بقدر ما يشكل محطة جديدة في مسيرة ثقافية مستمرة؛ فالأثر الحقيقي، وفق رؤيته، لا يُقاس بعدد الفعاليات وحدها، وإنما بما تتركه من وعي يتسع، وذوق يرتقي، ومعرفة تمتد.