حين قرأت سيرة البروفيسور أحمد باهمام في كتابه «قصتي مع النوم»، لم أجد أمامي سيرة طبيب، ولا رحلة تخصص نشأ وتطور، وإنما وجدت حكاية عمر أكلته المنجزات؛ تبدأ من سؤال صغير نطق به طفل متفوق، وتنتهي بمشروع وطني كبير في طب النوم.
والسؤال الذي استوقفني في بداية الرحلة حينما قال لأمه، بعد تفوقه في الصف الأول الابتدائي:
«هل سأصبح مدرسًا في السنة القادمة؟»
كان هذا سؤال صبي بريء تفوق على زملائه في جميع الصفوف الأولى، إبان كانت التراتبية أمرًا لا يمكن التنازل عنه، وكانت المدرسة والبيت والمجتمع يتعاملون معها بوصفها شيئًا من المسلّمات، بغض النظر عن النظريات التربوية التي كانت تتداولها الكتب.
لم يكن الطفل ذو السادسة يومها يسأل عن المهنة، وإنما قادته الفطرة لمعرفة المصير؛ فقد كان التفوق يضعه كل عام في الصف الأول، وكان الصف الأول يعني الكثير: مقعدًا في المقدمة، واسمًا يتردد عند إعلان النتائج، ونظرة مختلفة من المعلم والأهل والمجتمع في حقبة التسعينيات الهجرية.
لم يدرك أن هذا السؤال الصغير سيظل عالقًا في ذاكرته إلى اليوم، ووقت كتابة هذه المذكرات والذكريات.
من دراجة المدرسة إلى كلية الطب
ولد أحمد باهمام عام 1384هـ، ودخل المدرسة وهو في الخامسة من عمره عام 1390هـ، الموافق 1970م، وكاد صغر سنه أن يعيقه عن الالتحاق بها.
بدأ دراسته الابتدائية في مدرسة بلال بن رباح، ثم انتقل إلى ثابت بن قيس في حي الملز بالعاصمة الرياض، وكان يذهب في المرحلة المتوسطة على دراجته إلى متوسطة العباس، ثم إلى ثانوية الفيصل، قبل أن يصل إلى المحطة الأهم: كلية الطب في جامعة الملك سعود.
ولعل أجمل ما في هذه المرحلة أن ذاكرته لم تتعامل معها باعتبارها سنوات مضت، وإنما باعتبارها حياة ما زالت حاضرة.
فالدكتور أحمد يحتفظ بصوره الشخصية في أغلب مراحل دراسته، ولا سيما الصور المرتبطة بالوثائق، وللصورة مكان عند الدكتور؛ تسجل الحدث، وتحفظ الحق، وتعيد الحنين إلى الذكريات.
بل إن ذاكرته تتجاوز الصور؛ فهو لا يزال يحفظ أسماء جميع طلاب صفه السادس قبل أكثر من خمسين عامًا، وكأن تلك الوجوه لم تغادر ذاكرته قط.
والغريب أنه كان أصغرهم جسمًا وأجودهم علمًا.
وتبقى خيوط التواصل مع بعض معلميه في مراحل الدراسة المختلفة متينة ومتماسكة، تزيدها الأفراح والمناسبات قوة.
وهنا شعرت أن امتلاك الدكتور أحمد لهذه الذاكرة الجميلة ليس أمرًا عابرًا؛ فالطفولة عنده لم تنتهِ تمامًا، وإنما تركت له صورًا وأسماءً ووجوهًا وطرقات، حملها معه من المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى المستشفى، ومن المستشفى إلى مشروع طب النوم.
ولم تخب فراسة أمه؛ فقد كانت، كلما شاهدت برنامج الدكتور زهير السباعي وهو صغير، تقول له:
«أريد أن تكون طبيبًا مثله.»
يبدو أن الأم كانت ترى ما لم يكن الطفل قد رآه بعد. والأيام حبلى بالمفاجآت، ولما اطّلع الدكتور زهير على هذه السيرة تواصل مع الدكتور الصغير.
التفوق الذي ظل يطارده
رافق التفوق الدكتور أحمد منذ سنواته الأولى؛ من الثانوية إلى مرتبة الشرف في الطب، ثم إلى التميز والجوائز في البحوث الطبية الأكاديمية على مستوى المملكة والعالم.
ومن الطريف أن المدرسة كانت تعاقب الطلاب جميعًا في حال العبث أو الشغب، إلا أحمد؛ فإذا صدر العقاب، وقف الطلاب بصوت واحد:
«أحمد لم يلعب ولم يعبث.»
وهذا أثّر في حياته؛ فهو القريب من الجميع، والعاطف على المرضى والمساكين.
وأثناء قراءتي للسيرة توقفت عند قصة مسابقة الإلقاء باللغة الإنجليزية، حين تفوق على مستوى الرياض، وكان أحد أساتذته يذهب معه عدة أيام بعد الظهيرة لمساعدته.
غير أن الدكتور، وهو يستعيد القصة بعد كل هذه العقود، نسي اسم الأستاذ، ولم يذكره لنا إلا بإشارة عابرة.
من الباطنية والصدر إلى شاطئ النوم
لم يكن طريق الدكتور أحمد إلى طب النوم مباشرًا.
تخصص أولًا في الباطنية، ثم الصدر، ثم العناية الحرجة، حتى رست سفينته أخيرًا على شاطئ النوم.
وهنا بدأت قصة مختلفة.
فخلال سبع سنوات من الدراسة الطبية الجامعية، لم يكن النوم يحظى بما يستحقه من الاهتمام؛ إذ كان يُنظر إليه باعتباره أمرًا هامشيًا، ولم يتعرض الطلاب لدراسته إلا في حدود ضيقة جدًا، وكان هذا الأمر في الثمانينيات الميلادية شأنًا عامًا في العالم، وليس مشكلة محلية فحسب.
وبعد التخرج جاء مفترق الطرق، وهي من أكثر اللحظات حيرة في حياة الطبيب؛ فحديث التخرج قد يعرف ماذا درس، لكنه لا يعرف بالضرورة إلى أين سيقوده كل ما درسه.
ثم جاءت مريضة فرحلت عام 1992م، لكنها تركت وراءها سؤالًا لم يرحل.
وأحيانًا لا تكون المواقف التي تغير حياة الإنسان هي تلك التي تحقق له النجاح، وإنما تلك التي تترك في داخله سؤالًا لا يستطيع أن يتخلص منه.
إلى أرض الثلج والعلم
في عام 1994م جاء الابتعاث، بعد تخصصه في الصدر من قبل مستشفى الملك فيصل التخصصي، وكانت الوجهة كندا؛ أرض الثلج والعلم، كما يسميها البروفيسور.
وهناك، وسط المغريات الكثيرة بالبقاء، كان أمامه خيار واضح: أن يواصل حياته في بيئة علمية متقدمة، أو أن يعود إلى وطنه ليبدأ شيئًا لا يزال في بداياته.
فاختار الوطن.
عاد إلى الرياض، وفي جعبته الشيء الكثير للوطن. وكان شعاره الذي يردده في حياته الطبية:
«لا تحكم على شيء قبل أن تجرّبه.»
«الثلث الغائب من حياتك»
أظن أن أجمل ما عبّر به الدكتور أحمد باهمام عن النوم قوله: «الثلث الغائب من حياتك.»
لم يقل ببساطة إن الإنسان ينام ثلث عمره، وإنما جعله ثلثًا غائبًا من العمر.
فإذا بلغ الإنسان الستين، فقد أمضى نحو عشرين عامًا منها نائمًا؛ غاب فيها عن وعيه، وإن كانت مسجلة في حساب عمره.
وهذا التعبير وحده كفيل بأن يعيد ترتيب علاقتنا بالنوم.
فالنوم ليس ساعات فائضة من اليوم، ولا مساحة يمكن اقتطاعها كلما ازدحمت الحياة، وإنما هو ثلث من حياة كل شخص.
ولعل هذا «الثلث الغائب» هو الذي استفز البروفيسور أحمد باهمام للبحث والتقصي، ثم بناء منظومة متكاملة تبدأ من إيجاد المقر، وإعداد الدليل الإرشادي، ونشر الوعي، وتنتهي بإنشاء المركز.
لماذا ننام؟
سؤال يبدو بسيطًا وساذجًا ومكرورًا، لكنه أقلق الأطباء قبل المرضى والمتعافين.
وخلال الكتاب يمر بنا الدكتور أحمد على مراحل النوم وأسرارها:
1. السِّنة: وهي الحالة الواقعة بين النوم واليقظة.
2. النوم العادي: وهو الأغلب من نومنا، قبل مرحلة الاستغراق العميق.
3. النوم العميق: وهو السبات الحقيقي.
4. نوم الأحلام «الريم»: حيث يكون العقل يقظًا، بينما يكون الجسم شبه مشلول؛ حتى لا يتفاعل الإنسان مع أحلامه ويؤذي نفسه.
وهذا يقود إلى سؤال آخر: لماذا ننام؟
ويعرض الكتاب عددًا من النظريات التي حاولت تفسير وظيفة النوم، منها:
* نظرية توفير الطاقة.
* نظرية الاستعادة والإصلاح.
* نظرية تثبيت الذاكرة والتوازن المشبكي.
* نظرية التنظيف الجليمفاوي.
ويشير الدكتور إلى حقيقة علمية حديثة، وهي أن: «الأحلام ذات صلة وثيقة بمعالجة الجسد والعقل لتجارب اليقظة.»
وهنا لا يعود النوم غيابًا عن الحياة، بل يصبح نوعًا آخر من العمل الذي لا نراه.
تجربة راندي.. حين يصبح النوم مسألة حياة
ومن أكثر المحطات إثارة تجربة راندي، التي تكشف أثر النوم، أو غيابه، على صحة الإنسان وحياته.
فالنوم الذي كنا نراه في طفولتنا وقتًا ضائعًا، يكشف لنا العلم أنه ليس كذلك؛ فالجسد والعقل يعملان خلاله بطرق لا تقل أهمية عن عملهما أثناء اليقظة.
ولعل المفارقة أن الإنسان قد يضحي بنومه من أجل العمل، ثم يضطر إلى العمل لاحقًا لعلاج ما أحدثه حرمانه من النوم.
مشروع لم يكن الناس يرونه
حين عاد الدكتور أحمد إلى المملكة، اصطدم بضعف الحماس لإنشاء تخصص كامل لطب النوم.
وكان المردود المالي في العمل الأكاديمي أقل من غيره، لكنه كان يرى مشروعًا للوطن يريد تحقيقه.
وفي مثل هذه المشاريع لا تكفي المعرفة وحدها؛ فالطريق يحتاج إلى نَفَس طويل، وصبر، وإقناع، وقدرة على احتمال الاستغراب والاستهزاء والرفض.
ويختصر وليام جيمس، في كتابه «البراغماتية» الصادر عام 1907م، مسار النظرية الجديدة في ثلاث مراحل:
«أولًا تُهاجم بوصفها فكرة عبثية، ثم يُعترف بصحتها، لكن توصف بأنها بديهية لا أهمية لها، ثم يتبين أنها من الأهمية بحيث يدّعي خصومها أنفسهم أنهم هم من اكتشفها.»
ثم يقول الدكتور أحمد: «في رحلتنا مع طب النوم، عشنا هذه المراحل الثلاث تمامًا.»
وهذا، في رأيي، من أجمل مقاطع السيرة؛ لأنه لا يتحدث عن النجاح بعد وقوعه، وإنما يعيدنا إلى الأيام التي كان فيها المشروع مجرد فكرة يراها البعض غريبة، وربما مضيعة للوقت.
من الاستغراب إلى الاعتراف
كانت العقبات كثيرة: استغراب الناس من التخصص، واستغراب بعض الأطباء قبل غيرهم، بل حتى أقرب الأقربين.
ثم جاءت عقبات الاعتماد والمكان، وبعدها التوعية والنشر والإقناع.
وكانت هناك عقبات من نوع آخر: استغراب، واستهزاء، وضحك، ولا مبالاة.
لكن بالمصابرة والمثابرة والتحدي، والبحث والتقصي، والدراسة، وتراكم النتائج، بدأ «الثلث الغائب» يستعيد حضوره.
فأصبح النوم يُنظر إليه بوصفه ثلثًا من حياتنا، لا وقتًا فائضًا منها.
جهاز تخطيط الدماغ.. والمريض الذي أنقذ المشروع
ومن القصص التي تكشف معنى الإصرار قصة شراء جهاز تخطيط الدماغ.
كان هناك مبلغ ناقص لاستكمال شراء الجهاز، وفي لحظة لا تخلو من المفارقة، جاء مريض عالجه الفريق ليتبرع بالمبلغ الناقص.
وأصبح المريض الغني جزءًا من بناء المشروع.
وكان ذلك بالتعاون مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، لتتسع الدائرة من الطبيب والمري ض إلى المؤسسة والمشروع الوطني.
البحث العلمي.. العباب الذي خاضه وحيدًا
في بدايات تطببه، حاول الدكتور أحمد أن يجمع بين البحث والعلاج السريري.
ويعترف بصراحة:
«كنت أملك المادة والعلم، لكنني لم أتمكن من أدوات البحث العلمي، كنت أخوض العباب لوحدي.»
لكن هذه التجربة نفسها تحولت لاحقًا إلى درس.
فبدأ بتعليم طلابه منهجية البحث العلمي منذ البدايات، حتى لا يكرروا ما واجهه هو.
وتكفي ورقة بحث علمي واحدة لتكشف لنا مقدار الصبر الذي يحتاجه الباحث؛ فقد استغرقت كتابتها الأولى شهرًا كاملًا، ثم أعادها مرة وثانية وثالثة، حتى وصلت إلى المرة العاشرة، ولم تُجز إلا بعد ثلاثة أشهر وعشر محاولات.
ومنها انطلق باهمام بهمة تناطح الجبال.
ولذلك يمكن أن ننقل عنه هذه العبارة:
«تعلم الإحصاء في البحوث العلمية الطبية فرض عين على كل باحث.»
الفضول محمود
يقول الدكتور أحمد باهمام: «البحث العلمي في جوهره هو فضول محمود، والفضول لا يعرف الأسوار. وكثيرًا ما تأتي الاكتشافات المهمة في الطب من النظر إلى عالم الحيوان والطبيعة بعيون الباحث المتسائل.»
وهنا أستحضر مقولة العالم ألبرت سنت-غيورغي، الحائز على جائزة نوبل:
«البحث العلمي هو أن ترى ما رآه الجميع، لكنك تفكر فيما لم يفكر فيه أحد.»
وأضيف من تجربتي: انظر إلى ثقافتك وبيئتك؛ ففيهما من الأسئلة البحثية الأصيلة ما لن يسأل عنه أحد غيرك.
فالبحث المنبثق من ثقافتك وبيئتك أقوى تأثيرًا، وأكثر أصالة، من مجرد تقليد أسئلة الآخرين.
ولعل تجربة «النوم في رمضان» مثال جميل على ذلك.
حين يلتقي العرّابان
حينما يلتقي العرّابان في خدمة الوطن، كلٌّ في مجاله وتخصصه، يلفت انتباهي ما ذكره عرّاب طب النوم في المملكة، حين أشار إلى أن غلافًا لمجلة «المعرفة» يحمل عنوان «اللهم إني نائم» قاده إلى بحث إجرائي صحي عن «النوم في رمضان».
فتذكرت صاحب «المحيط العطلنطي» وعرّاب اليوم العالمي للغة العربية، زياد الدريس؛ فهذا العنوان إحدى قفشاته التي عُرف بها، وإذا بالقفشة تتحول، بعد ذلك، إلى سؤال وبحث ومعرفة.
وهكذا قد تبدأ المعرفة أحيانًا من عنوان طريف، لكنها لا تنتهي عند الطرافة.
من أتلانتا إلى مركز النوم
قبل افتتاح مركز طب النوم بثلاث سنوات، وفي عام 1999م، ذهب الدكتور أحمد إلى أتلانتا، والتحق بدورة متخصصة في تقنيات طب النوم لمدة أسبوعين أو تزيد، على حسابه الخاص؛ لأنه مؤمن بمشروعه.
كانت الرحلة تكلفه راتب شهر ونصف الشهر، لكنه عاد بعلم لا يقدّر بمال.
وهو يقول في معنى جميل: لم يكن ذلك فخرًا، وإنما تحدثًا بنعمة الله، واهتمامًا بهذا العلم، ورغبة في سبق المملكة في هذا المجال.
وهذه الروح هي التي صنعت المشروع.
فلم يكن الهدف أن يكون أول شخص في تخصص جديد فحسب، وإنما أن تكون المملكة حاضرة في هذا العلم، وأن تمتد شجرة النوم خارج حدودها، خليجيًا وآسيويًا.
الدراسات التي وسّعت السؤال
تنوعت الدراسات والأبحاث، ومن بينها دراسة حول:
«تأثير الضوء والإزعاج المستمر على نوم مرضى العناية الحرجة.»
وكان ذلك في وقت لم يكن كثير من الأطباء يدركون خطورة تعرض مريض العناية الحرجة للضوء الصناعي والأصوات على مدار الساعة، وأثر ذلك في نومه وتعافيه.
وهنا يتحول البحث من ورقة علمية إلى تغيير في طريقة النظر إلى المريض.
عام 2009.. لحظة الاعتراف
في عام 2009م تم اعتماد البورد والزمالة في طب النوم، وأصبحت المملكة ثالث دولة في هذا المجال بعد الولايات المتحدة وألمانيا.
وبذلك انتقل طب النوم من فكرة غريبة إلى تخصص طبي معتمد.
وإذا عدنا إلى عبارة وليام جيمس، نجد أن المشروع قطع مراحله الثلاث فعلًا: فكرة غريبة، ثم فكرة صحيحة لا أهمية لها، ثم تخصص أصبح من الأهمية بحيث لا يستطيع أحد تجاهله.
قطار النوم
يمكن أن ننظر إلى هذه الرحلة كلها بوصفها رحلة قطار.
ثمانية وعشرون عامًا هي رحلة قطار النوم في المملكة العربية السعودية؛ انطلقت من محطة عام 1998م، وما زال قطارها يمضي في طريقه، ونحن اليوم في منتصف محطة 2026م، بعد رحلة امتدت لثمانية وعشرين عامًا، ولا يزال القطار يواصل مسيره.
حين يصبح الطبيب مريضًا
ثم جاءت جائحة كورونا، وكان الدكتور نفسه واحدًا من ضحاياها، وكاد أن يفارق الحياة.
وهنا يكتشف الطبيب أنه، مهما بلغ علمه، يظل إنسانًا.
وتعود إلى الذاكرة أبيات أبي العتاهية:
قل للطبيب تخطَّفته يدُ الردى
من يا طبيبُ بطبِّه أرداك؟
قل للمريض نجا وعُوفي بعدما
عجزت فنون الطب من عافاك؟
قل للصحيح يموت لا من عِلّةٍ
من بالمنايا يا صحيحُ دهاك؟
ويقول الدكتور أحمد عن تلك المرحلة:
«هذا المرض كان مفترق طرق في حياتي.»
وفي حياة كثيرين من المرضى والأصحاء.
هذا المرض أعاد ترتيب الأسئلة من جديد، وأعاد الإنسان إلى ضعفه الأول.
وهنا يحضر المعنى القرآني:
«أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه».
وكذلك هذا المعنى:
«ليس أشدَّ على المكروب من أن تضيق به الأسباب حتى لا يرى لنفسه مخرجًا؛ غير أن انقطاع أسباب الأرض قد يكون هو الذي يفتح للقلب باب السماء.»
الطب لا يتوقف
ومن طب النوم إلى المستقبل، لا يرى الدكتور أحمد أن الطبيب يستطيع الوقوف عند حدود ما تعلمه.
فكل تقنية جديدة ينبغي أن نستفيد منها في الطب، وأن نسخرها لخدمة الإنسان، ومنها الذكاء الاصطناعي، وقبله برامج الأوفست، ومعها برامج الإحصاء.
فالعلم الذي لا يتجدد يتحول إلى معرفة قديمة، والطبيب الذي لا يتعلم يتحول مع الوقت إلى جزء من الماضي.
الجوائز تأتي مع «الباقة»
ومن اللافت في سيرة الدكتور أحمد أنه لا يقدم الجوائز بوصفها غاية.
يقول بمعنى واضح:
«الجوائز لم أسعَ إليها، ولله الحمد، وإنما جاءت مع الباقة؛ أي مع البكج والعمل المتواصل.»
وتلخص ذلك قاعدة جميلة:
«اعمل بصمت، ودع عملك يتحدث عنك.»
وهذه الجملة، في رأيي، تصلح أن تكون عنوانًا آخر للسيرة.
أم سلمان.. شريك الطريق
وفي رحلة طويلة بهذا الحجم لا يمكن أن ينجح الإنسان وحده.
وقد ذكر الدكتور أحمد دور زوجته أم سلمان، وأنها كانت من أكبر الداعمين له في تطوير نفسه وتخفيف الضغوط عنه.
كما أثنى على أسرته؛ والديه وأولاده وجداته وزوجته، ولم ينس العاملين معه، أيًا كان نشاطهم أو جنسيتهم، وعلاقته بهم.
وهذا جانب مهم في السيرة؛ فالإنجاز العلمي لا تصنعه الشهادات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا شبكة من البشر الذين يقفون خلف صاحب المشروع.
قواعد التوازن
بعد نحو أربعين عامًا في المجال الطبي والبحثي، يضع الدكتور أحمد خمس قواعد للتوازن:
* ساعات العمل الطويلة لا تعني ساعات منتجة.
* ضع حدودًا واضحة بين العمل والبيت.
* رتب أولوياتك، ولا تجعل المستعجل يطغى على المهم.
* اجعل صحتك أولوية؛ لأنك بلا صحة لا تنفع أحدًا.
* والأهم: أنت وأسرتك دائمًا في المقدمة؛ لأن الأوراق البحثية لن تتذكرك، لكن أبناءك سيتذكرون هل كنت موجودًا.
وهذه ربما من أجمل ما في الكتاب؛ أن الطبيب الذي أمضى عمره في إنقاذ الوقت والنوم للآخرين، اكتشف أن عليه هو أيضًا أن يحمي وقته وأسرته وصحته.
وصايا رجل قطع شوطًا طويلًا
وفي ختام الرحلة يترك الدكتور أحمد مجموعة من الوصايا:
الصبر، والتواضع، وحب العمل، والديمومة، والتركيز، والسماحة، وألا تقارن نفسك بغيرك؛ لأن المقارنة تسرق الفرح، والتغافل، والتجريب قبل الحكم، والمرونة، والرضا والشكر، وتنويع المهارات؛ كالتواصل والإنصات والتفاوض والاستماع والعمل مع الفريق بروح الفريق.
ويختصر العمل الأكاديمي في صورة بليغة:
«العمل الأكاديمي كالماراثون الطويل؛ يحتاج إلى لياقة ونَفَس طويل.»
من طفل يسأل إلى طبيب يجيب
بعد أن أغلقت الكتاب، عدت إلى السؤال الأول:
«هل سأصبح مدرسًا في السنة القادمة؟»
ووجدت أن الطفل لم يكن يعرف يومها أين سيقوده تفوقه.
لم يصبح مدرسًا كما كان يتخيل، وإنما أصبح طبيبًا، وباحثًا، وأستاذًا، وعرّابًا لتخصص طبي لم يكن كثيرون يرون له مكانًا.
ومن دراجة المدرسة إلى كلية الطب، ومن الباطنية إلى الصدر، ومن الصدر إلى العناية الحرجة، ومن الرياض إلى كندا، ومن كندا إلى الرياض، ومن مريضة رحلت وتركت سؤالًا، إلى مركز وطني لطب النوم، ثم إلى البورد والزمالة، والبحث العلمي، والجوائز، والامتداد الخليجي والآسيوي؛ كانت الرحلة في حقيقتها بحثًا عن إجابة لسؤال واحد: كيف نعيد إلى الإنسان ثلثه الغائب؟
ولعل الدكتور أحمد باهمام لم يكتفِ بأن يجيب عن السؤال؛ بل أمضى نحو ثلاثة عقود يبني له مكانًا في الطب، ويقنع الناس بأن النوم ليس فراغًا في الحياة، وإنما جزء من الحياة نفسها.
وهكذا أصبحت «قصتي مع النوم» أكثر من سيرة طبيب، بل رحلة في طب النوم.
إنها سيرة فكرة صغيرة لم يستسلم صاحبها لاستغراب الآخرين.
وسيرة وطن آمن بأن أبناءه يستطيعون أن يزرعوا علمًا جديدًا في أرضهم.
وسيرة إنسان أدرك مبكرًا أن النجاح ليس محطة يصل إليها المرء، وإنما قطار طويل، محطاته كثيرة، ولا يتوقف إلا ليواصل السير.
أما أجمل ما بقي معي من الرحلة كلها، فهو ذلك التعبير الذي اختصر حكاية ثلاثين عامًا: «الثلث الغائب من حياتك.»
فقد كان هذا الثلث غائبًا عن أعين الناس، لكنه كان حاضرًا في ذهن أحمد باهمام؛ حتى جعله مشروع عمر.
وربما لهذا السبب تحديدًا، حين ننام اليوم، لن نرى النوم كما كنا نراه من قبل.
سننام ونحن نعرف أن جزءًا من أعمارنا لا يضيع في النوم…
بل يُبنى فيه.
** **
محمد العمر - بريدة
mh2557@gmail.com