كل مكان نحيا فيه يترك فينا أثراً خفياً لا ننتبه إليه إلا حين نغادره، المقهى الذي نرتاده كل صباح، الشارع الذي نمشي فيه متأملين، المكتب الذي نعمل فيه طويلا، حتى الزاوية الصغيرة التي نلوذ بها في البيت عند الغروب، كلها أماكن تنقش فينا ملامحها، وتعيد تشكيل لغتنا ومشاعرنا دون أن نشعر.
المكان ليس خلفيةً صامتةً لحياتنا اليومية كما نظن، بل هو كائنٌ حيٌّ يتنفّس معنا، ويهمس في أعماقنا بلغة خفية، حين نحدّق في الأفق من نافذة عالية، تتسع الجملة في أذهاننا وتصبح أكثر انفتاحا، وحين نجلس في ركن ضيق، تتكاثف اللغة، تختصر نفسها، وتقترب أكثر من الإيحاء والهمس، الكلمات إذن ليست ابنة الفكر وحده، بل ثمرة التفاعل بين الذات والفضاء.
للمكان قدرةٌ غريبةٌ على تلوين الكلام، في الزحام تميل جملنا إلى السرعة والاختصار، كأنها تلهث لتواكب الإيقاع، وفي الصمت تصبح الكلمات أطول، أكثر حنانا، كأنها تستعيد أنفاسها، حتى لهجاتنا اليومية تتبدّل حين ننتقل من فضاء إلى آخر؛ نلين في المجلس الهادئ، ونعلو في الطريق المفتوح، ونتهدّج في المقهى حين تمتزج رائحة القهوة بصوت الموسيقى.
المكان لا يحدّد لغتنا فحسب، بل يشارك في صناعة إحساسنا بالجمال، ثمة بلاغة كامنة في الشوارع الضيقة كما في الميادين الواسعة، المقهى الصغير الذي يتناثر فيه الضوء والضحك، والحديقة التي يتسلّل منها النسيم، والمكتبة التي تفوح منها رائحة الورق؛ جميعها تعيد تشكيل وجداننا، وتجعلنا نكتب ونتحدّث بطريقة مختلفة، كأنّ اللغة نفسها تتبدّل تبعاً للمكان الذي نولد فيه من جديد كل يوم.
وحين ننتبه لهذه العلاقة الخفية، نصبح أكثر وعياً بأنَّ البلاغة ليست مهارة لغوية فقط، بل هي حسٌّ بالمكان، واستجابةٌ لإيقاعه الخفي، البلاغة الحقيقية لا تنحصر في الكتب القديمة أو قواعد البيان، بل تتجسّد في لحظة شعور بسيطة؛ في كلمة نختارها لأن المقهى أوحى بها، في صمتٍ نمارسه لأنَّ الغروب فرض هيبته علينا، في جملة تولد من انسجامنا مع زاوية معينة في الغرفة.
كم مرة تغيّر مزاجنا لمجرد تغيير مقعدنا؟ كم مرة كُتب لنا بيت شعر أو فكرة أو اعتراف لأن المكان أراد ذلك؟ إنه النبض الخفي للمكان، الذي يمر من حولنا في كل لحظة، لكنه لا يُسمع إلا لمن يصغي جيدًا.
وحين نصغي إليه، نكتشف أن المكان لا يحوي أجسادنا فقط، بل يحتضن ذاكرتنا وصوتنا وصورتنا عن أنفسنا، كل مكان مررنا به ترك فينا كلمة غير مكتوبة، ونغمة غير منطوقة، وعاطفة مؤجلة، نحن لا نغادر الأمكنة أبدا، بل نحملها فينا، كما نحمل إيقاع الكلام الذي تعلمناه فيها.
المكان إذن ليس جماداً نتحرك فيه، بل شريك في صياغة وجودنا الإنساني، هو الذي يجعلنا نكتب بشكل مختلف، ونتحدث بشكل مختلف، ونحلم بشكل مختلف، وربما كانت البلاغة في جوهرها هي هذا الانسجام الصامت بين الداخل والخارج، بين الإنسان ومكانه، بين نبض القلب ونبض الجدار.
فلنصغِ جيداً إلى الأمكنة التي نعيش فيها، فهي ليست مجرد أطر مادية تحيط بنا، بل قصائد مفتوحة على الدوام، كل زاوية يمكن أن تكون بيتاً شعريا، وكل شارع يمكن أن يكون إيقاعاً جديداً في لغتنا، وكل ركن من العالم يمكن أن يصبح مهبط بلاغة لم نعرفها من قبل.
حين نتحدث عن نبض المكان، فإننا نتحدث عن أنفسنا، عن اللغة التي نسكنها كما نسكن البيت، وعن المشاعر التي تُصاغ ببطء بين الجدران، وعن الإبداع الذي لا يولد في الفراغ، بل في المكان الذي يعطينا ملامحنا الأولى وصوتنا الأخير.
** **
- أ.د. عمر بن عبدالعزيز المحمود
@oasm1401