الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
يقدّم الدكتور عبدالله الأسمري في مؤلفاته ومقالاته حضورًا فكريًا لافتًا يجمع بين التجربة الأكاديمية والرؤية الإنسانية العميقة. في كتابه «رحلة أكاديمي» يستعرض خلاصة تأملاته في مسيرة التعليم الجامعي، مبرزًا أن النجاح في البيئة الأكاديمية لا يتكئ فقط على الكفاءة العلمية، بل على شبكة العلاقات التي يصنعها الأستاذ الجامعي بذكاء ومسؤولية. كما يتناول في كتابه الآخر «الأفضل أن تقرأ كتابًا» علاقة القارئ بالكتاب، وتجارب القراءة التي تُلهم وتُعيد الثقة بدور المعرفة في تشكيل الوعي.
في هذا اللقاء لـ«الجزيرة الثقافية» يتحدث الدكتور الأسمري عن العلاقات الأكاديمية ودورها في تكوين بيئة معرفية ناضجة، وعن الكتاب الذي يُلهم القارئ ويوقظ شغفه، كما يتناول تحديات اللغة والهوية في زمن العولمة، والعلاقة بين الكتابة والعلاج النفسي، وملامح التفكير في التعليم السعودي في عصر الذكاء الاصطناعي.
رحلة أكاديمي
تناولتم في «رحلة أكاديمي» فكرة أن النجاح في الحياة الجامعية لا يقوم فقط على الكفاءة، بل على شبكة العلاقات التي يصنعها الأكاديمي. كيف يمكن للباحث أو عضو هيئة التدريس أن يوظف هذه العلاقات إيجابيًا لخدمة العلم والمعرفة، دون أن تتحول إلى أداة للنفوذ أو التحيّز؟
الأكاديمي بحكم عمله في الجامعة لابد أن يتفاعل في محيطه ويتعاطى معه بصورة أو بأخرى. هناك قاعات الدرس، والمجالس العلمية، وحلقات النقاش مع طلاب الدراسات العليا ،والأطروحات العلمية لطلاب الدارسات العليا وكل ذلك بلا شك يستدعي نوعاً من التفاعل لا مناص منه. هذا التفاعل يحتم على الأكاديمي أن يسجل علاقات مع محيطه. لكن البعض قد ينكفئ على نفسه وينشغل بذاته ويقطع صلاته بالعالم المحيط به، والقطيعة قد تكون معرفية وقد تكون اجتماعية وقد تكون معرفية -اجتماعية على حد سواء. أخطرها على الإطلاق هي القطيعة المعرفية وتحدث عندما تنبتُّ صلة الأكاديمي بينابيع المعرفة فيتوقف عن البحث والاطلاع ويؤثر الاكتفاء بما تحصل له من علم ومعرفة أثناء سنوات الطلب الأولى، على النقيض من ذلك نجد أيضاً بعض الأكاديميين بارعا في نسج شبكة من العلاقات الجيدة والمثمرة مع المجتمع من حوله، يتجلى ذلك في عدة صور مثل حضور الندوات والمحاضرات والمشاركة في البحث والنشر، والانخراط في مناقشة البحوث التي يتقدم بها الطلبة لنيل درجات عليا. هذه العلاقات التي تُنسج مهمة جداً في تأطير بيئة أكاديمية فاعلة تحقق التوازن بين أمرين على درجة كبيرة من الأهمية هما المحافظة على أعلى المعايير الأكاديمية الصارمة مثل تجويد التدريس والبحث والنشر والترجمة والتثاقف البناء، من جهة، ومن جهة أخرى تسمح بنوع من الاختلاف المحمود بين أعضاء الوسط الأكاديمي دون أن تنزلق الأمور إلى نوع من المشاحنات والمكائد والدسائس التي لا تليق بالوسط الأكاديمي.
قبل مدة من الزمن وقع في يدي كتاب «من مقاعد الدراسة الى الأستاذية» لستيفن كاهن «steven Cahn» ويعمل أستاذا للفلسفة بجامعة نيويورك، تحدث فيه عن مفارقة لافتة في حياة الأكاديمي إذ يُطلب منه الانخراط في أنشطة على كفي نقيض. النشاط الأول يستدعي التدريس وخدمة المجتمع وهذا يتطلب أن يخرج الأستاذ من قوقعته والانفتاح على الفضاء العام، ويتمثل ذلك في التدريس وإلقاء المحاضرات. أما النشاط الآخر فيستدعي أن يوصد الأستاذ عليه باب مكتبه (أو معمله) والانغماس في البحث والكتابة العلمية في شبه عزلة تامة. بعد ذلك يصرح «كاهن» أن الأستاذ الجامعي بطبعه يمقت العزلة وينفر من الانكفاء على الذات، ولكن لا مناص من ذلك.
العلاقة بعالم الكتب
د. عبدالله، في حديثكم عن ترجمة هذا الكتاب «الأفضل أن تقرأ كتابا» أشرتم إلى أنه يلامس روح كل محبٍ للكتب ويحتفي بجمال القراءة دون تكلّف، كما أُعجِبتم بعفوية مؤلفته وعلاقتها الحميمة بعالم الكتب منذ الطفولة وحتى الأمومة. برأيكم، ما الذي يجعل مثل هذه التجارب الإنسانية في القراءة قادرة على إلهام القرّاء وإعادة الثقة بدور الكتاب في تشكيل الوعي والحياة؟
لابد أن نعترف أن هِمة بعض عشاق القراءة قد تفتر، وذاك التعلق الشديد بها قد يخفى أسباب ذلك كثيرة وعلى رأسها السأم والملل وهما طبيعة في الإنسان وسجية ملازمة له. ألم يقل شوبنهور الفيلسوف إن ألد أعداء الإنسان المرض والسأم؟
من الحلول التي يطرحها أرباب المعرفة أن يطل الإنسان على تجارب الآخرين، إذ قد تكون تلك التجارب الإنسانية سبباً في إشعال جذوة القراءة من جديد وتزيينها في النفوس بعد فتور، إذ إن القارئ مثل لاعب الكرة الذي ترتفع همته إذا صفقت له الجماهير وهتفت باسمه. ثمة سبب آخر قد يصرف الإنسان عن القراءة يتمثل في إدامة النظر في الكتب الرديئة والترجمات المتهافتة التي تنهمر علينا من كل صوب. هذه الشريحة من الكتب تزرع في القارئ بذور النفور من الكتب والعزوف عن القراءة، والمعضلة أن هذه البذور قد تتحول مع الوقت إلى أشجار سامقة، سبب ثالث أيضاً متعلق بسطوة التقانة الحديثة التي صرفت الناس عن أنشطة كثيرة على رأسها القراءة الجادة.
القراءة والتغيير الجذري
استشهدتم بقول سارة تشيهايا عن الكتاب الذي غيّر حياتها جذريًا، وعلّقتم بأن فكرة «الكتاب الذي يغيّر الإنسان بنسبة 100%» فيها قدر من المبالغة، لأن التغيّر نتاج تراكم قراءات وتجارب. برأيكم، ما حدود تأثير الكتاب في تشكيل شخصية الإنسان؟ وهل هناك فعلًا كتب تترك أثرًا تحويليًا عميقًا أم أن القراءة تعمل على التراكم الهادئ لا الانقلاب المفاجئ؟
ليس هناك أدنى شك في أن الكتب تلعب دوراً كبيراً في تشكيل الوعي والنهوض الحضاري والشواهد على ذلك كثيرة، فالأمم المتحضرة تعتني بالكتاب عناية فائقة سواءً على مستوى التأليف أو النشر أو التداول، لكن القول بأن ثمة كتابا ما يستطيع أن يحدث في الإنسان تغييراً جذرياً قول فيه نوع من المبالغة وقد يكون انعكاسا لحالة مزاجية أو انطباعية تتلبس القارئ بعد قراءة كتاب ما في ظرف معين. لا يمكن إنكار أن بعض الكتب قد تحدث في القارئ تغيراً عميقاً على مستوى السلوك والفكر وكتب المذكرات والسير تفيض بالحديث حول هذا الموضوع، خذ مثلاً ماركيز الذي تحدث في سيرته الرائعة «عشت لأروي» عن تأثره بألف ليلة وليلة وإعجابه الشديد بشخصية شهرزاد.
وضع الناقد الكبير «هارولد بلوم» نظرية في الشعر أطلق عليها نظرية «قلق التأثير anxiety of influence تتحدث هذه النظرية عن الصراع النفسي الذي يعيشه الشعراء والكتاب أثناء محاولتهم التحرر من سطوة أسلافهم عليهم. أعتقد أن هذه النظرية يمكن أن تنطبق على القارئ الذي يجد نفسه أحياناً في صراع للتحرر من تأثير كتاب ما عليه. أجد نفسي ميالاً إلى القول بأن علاقة القارئ بالكتب التي يقرأها علاقة ملتبسة وغامضة وإن كان هناك من تأثير كبير عليه فهو بلا شك نتيجة تراكم المعارف والخبرات وليس بالضرورة نتيجة قراءة كتاب واحد.
المثقف واللغة الثانية
يرى كثيرون أن المثقف الحقيقي لا يكتمل وعيه دون امتلاكه لغة ثانية، وأن الجهل بالإنجليزية بات عائقًا أمام الفهم العميق للعالم المعاصر، برأيكم هل أصبح تعلّم الإنجليزية اليوم شرطًا من شروط الوعي الثقافي؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الانفتاح على اللغة العالمية والحفاظ على الهوية اللغوية العربية؟
أعتقد أن هذا صحيح، وإن اختلف الناس معي في ذلك، أهم شرط من شروط تكوين المثقف اليوم أن يطل على المعارف المعاصرة والتوجهات الحديثة في العلوم والمعارف والفنون، لا يمكن إنكار أن الإنجليزية قد بسطت سيطرتها على مفاصل العلوم والمعارف والهندسة والاقتصاد والطب وغير ذلك. الجهل بها يدفع المثقف صوب التوسل بالترجمة، ولكن حركة الترجمة من العربية وإليها تعاني من ثلاث معضلات: الأولى تهافت الكثير من الأعمال المترجمة وعدم دقتها، والثانية البطء الشديد الذي تتسم به حركة الترجمة في الوطن العربي، أما الثالثة فتكمن في قلة عدد ما يُترجم إلى العربية مقارنة باللغات الأخرى التي تشهد حركة نشطة في هذا الميدان.
الاستشفاء بالكتابة
في كتاب «الاستشفاء بالكتابة» تطرح جوديث هاريس تساؤلات عميقة حول قدرة الشعر على التخفيف من آلام النفس ومداواة الاضطرابات الداخلية. برأيكم، هل يمكن للكتابة - وبخاصة الشعر أن تكون فعل علاجٍ حقيقي، أم أنها مجرد وسيلة مؤقتة للهروب من الألم؟
لاحظ العديد من علماء النفس أن هناك ارتباطا وثيقت بين البوح عن طريق الكتابة وبين ارتفاع معدلات التشافي من بعض العلل النفسية كالاكتئاب والقلق. انبثقت نتيجة لذلك مدرسة في علم النفس عنوانها الاستشفاء بالكتابة writing as healing حيث وضع أسسها عالم النفس الكبير جيمس بنيبيكر James Pennebaker في كتابه البوح Opening up. يرى بنيبيكر أن الكتابة عن تجارب مؤلمة وحوادث قاسية يمكن أن تساعد الإنسان على التعافي من آثارها. يقوم المعالج النفسي هنا بالطلب من المريض الانخراط في فعل الكتابة لمدة زمنية معينة يحاول فيها سكب جميع الأفكار السلبية على صفحة بيضاء. طبعاً الهدف ليس انتاج نصوص جميلة أو إبداعية، بل الغرض الرئيس يكمن في توظيف الكتابة في عملية إزاحة تلك السحابة القاتمة. بعد التجربة التي قام بها بنيبيكر على مجموعة من الطلبة الذين عانوا من مشاعر سلبية وصدمات تبين لاحقاً أن فعل الكتابة كان مؤثراً جدا حيث خفت زيارتهم للعيادات النفسية بعد أن شعروا بتحسن في الحالة المزاجية والنفسية العامة.
التعليم السعودي والذكاء الصناعي
ما ملامح «عادة التفكير» في التعليم السعودي اليوم؟ وكيف يمكن أن يتطور هذا التفكير ليواكب الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد أصالته الثقافية وهويته القيمية؟
أعتقد أن علينا مقاربة موضوع الانسلاخ الثقافي بطريقة متوازنة ليس فيها تهويل ولا تساهل. لكنني في المجمل لا أعتقد أن هناك ما يهدد الهوية الثقافية تهديداً كبيراً بفعل التقنيات الجديدة. قيل هذا الكلام في عصر التلفاز وقيل أيضاً في عصر الإنترنت، والآن يقال في عصر الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية. الإنسان معجون بثقافته وقيمه تشربها منذ الصغر ولكنه في محيطه قد يتعرض لرياح التغيير والتبديل، وهنا لابد من تشييد الحصون لكيلا ينجرف هذا الجيل مع تيار عدمي لا يرى للوجود مغزى ولا للحياة معنى.
عودة على موضوع التعليم والتفكير ودوره الرئيس في التنمية ولعلي أشير هنا إلى خلل واضح في بنيته وأهدافه وهو إغفال بعض المهارات الرئيسة التي يعتقد البعض أنها لم تعد ضرورية مثل القراءة والكتابة والمنطق. البعض يشير إلى أن قراءة الكتب موضة عفا عليها الزمن وأن الشاب اليوم واسع الاطلاع والدليل على ذلك قدرته على النفاذ من خلال شبكة الإنترنت إلى أوعية المعلومات. أنا لا أجد دليلاً على ذلك لسبب أن محتوى شبكة الإنترنت وما تمخض عنها من شبكات الوصل الاجتماعي ليست سوى تكريس لثقافة بصرية لا تؤثث وعياً ولا تنير بصيرة، وهذا ينسحب على الكتابة أيضاً فالجيل الجديد لا يجيد فن الكتابة ولا يحسن التعبير لأن حصيلته اللفظية متواضعة بسبب ضعف قراءته واطلاعه.
** **
@ali_s_alq