قبل السبعينات كان المواطن المصري يذهب للعمل في الخليج في المهن السيادية كالتعليم والطب والصيدلة والهندسة، وما بعد الثمانينات تغيَّرت الظروف فأصبح المصري في الدراما الخليجية يمتهن الأعمال الحرفية وتظهر صورته كمقاول بناء أو عامل أو سائق أو موظف استقبال أو بائع أو نادل في مطعم - طبعاً مع كامل احترامنا وتقديرنا لكل هذه المهن الشريفة- والتي ربما عكست تغير الأوضاع الاقتصادية للبلاد العربية بعد ثورة النفط.
وبالنظر إلى صورة المصري في الدراما الخليجية نجدها تتمحور في ثلاثة صور:
الصورة الأولى: شخصية المصري التي يؤديها ممثِّل مصري وهذا منتشر بكثرة في المسلسلات الخليجية وخصوصاً في الآونة الأخيرة مع الأعمال المشتركة، وهي غالباً ما تكون شخصية ثانوية وغير مؤثِّرة في السياق الدرامي، ومن أبرز هذه الأعمال المسلسل القطري (فايز التوش 1985)، والذي استمر حتى العام 2000م وشارك فيه عدد من الممثلين المصريين. والمسلسل السعودي (بيني وبينك 2007)، وغيرهما من الأعمال الدرامية التي لا حصر لها.
الصورة الثانية: شخصية المواطن المصري التي يؤديها ممثِّل خليجي، وهذه هي التي سنركِّز عليها؛ باعتبارها الصورة النمطية التي تُصدّرها الدراما الخليجية، وتُعبِّر عن وجه نظرها، ومن أبرز هذه الأعمال الدرامية المسلسل الكويتي (درب الزلق 1977)، بطولة عبدالحسين عبد الرضا وسعد الفرج وخالد النفيسي وغيرهم، ويحاكي الحياة الاجتماعية الكويتية بعد قيام الدولة الحديثة، قام بدور الطبيب الممثل المصري لطفي عبدالحميد، وقام بدور نبوية الممثلة لمياء خطاب التي وقع في حبها قحطة (حسين المفيدي)، وشارك الممثل المصري رشدي سعد، وتبرز صورة المواطن المصري في دور (فؤاد بيه ابن سعيد باشا) الذي قام به الممثل المصري فؤاد راتب؛ حيث أقنع حسينوه (عبدالحسين عبدالرضا) بشراء الإهرامات ونقلها إلى الكويت في إشارة ساخرة للطفرة الاقتصادية التي نشطت في السبعينات في دول الخليج، مما جعل الخليجي (الثري) قادراً على شراء أي شيء، حتى لو كانت هذه الآثار التي لا تُباع.
وفي مسلسل (درس خصوصي 19881) بطولة حسين عبدالرضا وسعاد عبدالله وحياة الفهد، وردت شخصية المصري في دور طبيب (اسمه دمياطي). وتناول المسلسل السعودي (طاش ماطاش 1994م): بطولة عبدالله السدحان وناصر القصبي شخصية المواطن المصري بتوسع، حيث جاء في حلقة (جحا وصاحب الشرطة) شخصية المصري؛ حيث قام السدحان بدور تاريخي (ابن حلسه)، والقصبي (جحا)، وقد تداخل الفصيح مع اللهجة المصرية بشكل ساخر، وفيه انتقاد للمسلسلات المصرية التي تتناول القضايا التاريخية)، وفيه إسقاط على ضعف استخدام المسلسلات التاريخية للغة الفصحى.
وفي المسلسل نفسه (طاش ماطاش الجزء الثاني 1994م)، استضاف المسلسل الفنانين المصريين يوسف داود، علاء ولي الدين، صبري عبدالمنعم، عهدي صادق)، وقد تفاوتت أدوار المصريين ما بين سائق التاكسي الذي يقدِّم خدمات متنوعة للسياح، كما قام الممثل صبري عبدالمنعم بدور (صبري شريف)، وهو منتج تلفزيوني يحاول أن يقنع السدحان والقصبي بالتمثيل معه وفي ذلك إشارة لازدهار صناعة الدراما في مصر ورواج هذه الصناعة في الخليج، وجاءت الفكرة في قالب كوميدي تعتمد على السخرية وتوظيف اللهجة الثنائية في قوالب كوميدية من خلال الممثلين مثل (حمار القايلة والكلكس وشم الفسيخ وغيرها). وقام السدحان والقصبي بدور مصريين.
قام محمد العيسى في مسلسل (طاش ماطاش 1997)، حلقة (ختامها مسك)، بدور معلم مصري (بيفهم في كل حاجة)، ودون أن يُقدّم أية حاجة، وهي شخصية كوميدية ساخرة تعكس جانباً من نظرة الدراما الخليجية .
كما قام الممثل محمد العيسى أيضاً بدور مخرج مصري في (طاش ماطاش 6)، حلقة (حماية المستهلك).
وقام ناصر القصبي بدور مصري (أستاذ حمدي) في مسلسل(طاش ماطاش 2009)، الحلقة 16(الفقر)؛ والذي يشارك جاره السعودي الشقة نظراً لارتفاع أسعار الإيجار، ويتطرق المسلسل لبعض القضايا التي شكلت صورة نمطية عن المجتمع المصري من خلال الدراما المصرية مثل (الثأر، غلاء الأسعار، أسماء الشخصيات وغيرها).
وجاءت شخصية المصري ثانوية وغير مؤثِّرة في مسلسل (طاش ماطاش 2005) الجزء 13، حلقة (وشو من لحية)؛ حيث عبدالإله السناني بدور بائع بخور (بسطويسي)، يشارك كفيلة في إدارة عمليات الغش التجاري، ويتلوَّن بلون كفيله؛ حيث أرخى لحيته وقصَّر ثوبه اقتداءً بـ(مساعد).
الصورة الثالثة: تقليد الممثل الخليجي لشخصية مصرية معروفة وبارزة كالمذيعين ومقدِّمي البرامج واللاعبين والمطربين وغيرهم، وتتخذ هذه الصورة نمطاً كاريكاتورياً ساخراً يتجه إلى الفن الكوميدي الذي يعتمد على ما يُسمى باللازمة للشخصية المُقَلّدة، مثل الشكل العام وبعض حركات الجسد وبعض المفردات البارزة، ويلعب المكياج دوراً بارزاً في رسم ملامح الشخصيات، وهذه اللقطات (السكتشات) غالباً ليس لها هدف درامي واضح، وربما نشأ هذا النوع من الفن كردة فعل لما قامت به السينما المصرية خلال الثمانينات والتسعينات من تشويه لصورة المواطن الخليجي.
واشتهر الممثل داود حسين في برنامجه الشهير(فضائيات 1979) و(داووديات 2000)، و(قرقيعان 2003)، بموهبة التقليد؛ وقد قام بتقليد العديد من الشخصيات المصرية في مجالات عديدة، وأشهر من قلدهم عماد أديب ومفيد فوزي وتوفيق عكاشة وعبد الحليم حافظ، كما قام في ذات السياق الممثل حسن البلام بتقليد المطربة أم كلثوم وغيرها، وكذلك فعل الممثل عبدالناصر درويش بتقليد القصبجي (عازف العود في فرقة أم كلثوم). كما قام الممثل حبيب الحبيب عبر مسلسل (واي فاي 2012) وغيرها من البرامج الكوميدية بتقليد عدد من الشخصيات المصرية مثل اللاعب محمد صلاح ومقدم البرامج باسم يوسف وغيرهم، كما قام الممثل خالد الفراج في مسلسل (إستوديو 21) عام 2012م وما بعدها، بتقليد عدد من الشخصيات في قالب كوميدي منها شخصية مقدم البرامج عمرو أديب، والممثل محمد هنيدي، والداعية مبروك عطية وغيرهم.
** **
- د. منيف الضوِّي