يكشف هذا المثل عن واقع الأنانية في المجتمع؛ فهي سلوك يومي يجعل الإنسان لا يرى إلا مصلحته، فيسعى إلى حجب الفرص عن غيره، ويتخذ من العلاقات ممرًّا إلى المنفعة، ولا يعبأ بمصالح الآخرين، مناقضًا بذلك القيم الدينية التي تدعونا إلى أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، وغير مدرك أن الأنانية نار لا يطفئها إلا الإيثار.
تُعد ثنائية «الإيثار والأنانية» من أكثر الثنائيات حضورًا في الوعي الإنساني، وتأتي النية عنصرًا حاسمًا في تشكيل الوعي الأخلاقي للفرد والجماعة، وجعل السلوك فعلًا داخليًا قبل أن يكون ممارسة خارجية. ومن شأن استحضار النية وتقويم الباعث على السلوك أن ينقلا الإنسان من الأنانية والاقتصار على الكسب الشخصي، بما ينطويان عليه من أضرار مضاعفة، إلى الإيثار. وهنا يتجلى معنى الحديث الشريف: «إنما الأعمال بالنيات». وهذه الثنائية ليست مجرد مفاضلة بين سلوكين، بل اختبار دائم لمدى قدرة الإنسان على تجاوز ذاته، وبناء علاقات تُعلي من قيمة الآخر، وتكشف عن طبيعته وتأرجحه بين نزوعه الفطري إلى حماية مصالحه، وحاجته الأخلاقية إلى الارتقاء بخدمة الآخرين.
الأنانية، في جوهرها، ليست مجرد رغبة في امتلاك شيء أو تحقيق منفعة، بل هي رؤية للعالم تُقصي الآخر، وتجعل الذات مركزًا لكل فعل. وتتمظهر في حياتنا اليومية بأشكال متعددة، بعضها ظاهر وبعضها خفي؛ فمثلًا، قد يتعمّد موظف إخفاء معلومة مهمة عن زميله؛ كي لا يشاركه فرصة وظيفية، أو يسعى شخص إلى السيطرة على مجريات نقاش جماعي ليثبت رأيه، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة، أو يحتكر أدوات العمل أو مصادر المعرفة ليظهر أنه الأكثر قدرة أو أهمية، أو يحجب دعمًا كان قادرًا على تقديمه، لمجرد أن تقديمه لا يعود عليه بنفع مباشر. وهذه أمثلة حية على ما يمكن تسميته «أنانية المنصب»، أو «أنانية الحوار»، أو «أنانية الموارد»؛ إذ تتقدم الذات على الجماعة، ويُعاد تعريف النجاح بوصفه استحواذًا لا مشاركة. وتظهر أضرار هذه الأنانية، وإن بدت ممارساتها صغيرة، في إنتاج بيئة اجتماعية مشحونة بالتنافس غير الصحي، وإضعاف الثقة بين الأفراد، وتحويل العلاقات إلى مساحات للصراع بدلًا من أن تكون فضاءات للتعاون.
وفي مقابل هذا النزوع يأتي الإيثار، وهو قدرة الإنسان على تجاوز حدوده الضيقة، وتقديم الخير إلى غيره من دون انتظار مقابل مباشر. والإيثار قيمة تقع في ذروة السلوك الأخلاقي، ولا يتعارض مع سعي الإنسان الطبيعي إلى حماية مصالحه؛ بل هو خيار واعٍ، وليس مجرد فضيلة مثالية. ومن فوائده أن يعود الخير الذي يقدمه المُؤْثِر إليه، وأن يعيد تشكيل الروابط الإنسانية، ويرسخ نموذجًا للعلاقات يقوم على المشاركة لا على الاستحواذ؛ مما يمنح المجتمع الذي يتخلّق بهذه القيمة درجة أعلى من الاستقرار، وقدرة أكبر على مواجهة الأزمات؛ لأن الإيثار يُنتج شبكة من الثقة المتبادلة، ويعيد تعريف النجاح بوصفه نجاحًا جماعيًا لا فرديًا، ويقدم نموذجًا لتوازن أخلاقي يجعل الذات جزءًا من منظومة أكبر، لا مركزًا لها.
تتجلى صور الإيثار في ممارسات بسيطة عميقة الأثر، مثل إيثار الوقت والفرص والمعرفة؛ كأن يفسح شخص المجال لغيره في الحديث، على الرغم من امتلاكه الكثير ليقوله، أو أن تؤثر الأم أولادها على نفسها في الطعام أو النوم، فتسهر معهم رغم إرهاقها، أو أن ينجز موظف عملًا يحتاج إليه الفريق، وإن لم يكن من مهماته، أو أن يرشح زميلًا له لفرصة يعلم أن زميله أحق بها، أو أن يقدم مساعدة لا ينتظر عليها شكرًا؛ كمشاركة باحث مصادره مع زملائه بدلًا من احتكارها بما قد يمنحه تفوقًا أكاديميًا.
ولي في ذلك تجربة خلال مرحلة الدكتوراه؛ فحين صدر قرار منع الخروج بسبب جائحة كورونا، وبقيت كثير من زميلاتي خارج الرياض، من دون قدرة على الوصول إلى الكتب، قدمت لهن جميع ملخصاتي وتكاليفي، وكان ذلك من أجمل ما فعلت؛ إذ كان أثره دعواتٍ بظهر الغيب، وجدت بركتها في التوفيق في كل خطوة.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في الممارسات اليومية التي تكرّس الأنانية، وتعزيز السلوكيات التي ترسخ الإيثار؛ فالمجتمعات لا تُبنى بالقوة، بل بالقلوب التي تتسع لغيرها، والقمم التي تتسع للجميع.
** **
د.نورة بنت عبدالله العمر - أستاذ الأدب والنقد المساعد بجامعة الملك سعود
@nora_7055