حاوره - د.عبدالله جليد:
يصحبنا الدكتور مالك عبّاد الوادعي، الملحق الثقافي السعودي السابق لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية وفرنسا، وأستاذ العلوم الألمانية والترجمة بجامعة الملك سعود، والأستاذ الزائر للأدب والثقافة في جامعة لايبزك الألمانية، في رحلة تبدأ من تجربته الثقافية في أوروبا، وتعبر إلى اللغة الألمانية وتاريخها وآدابها وفلسفتها، وتتوقف عند الترجمة وعلومها وما تفتحه من نوافذ لفهم الآخر، قبل أن تعود بنا إلى المشهد السعودي وما يشهده من حضور متنامٍ للغات الأجنبية والتبادل الثقافي في ظل رؤية المملكة 2030.
يمكن القول إنه بينما انشغل الفلاسفة الأوروبيون بصياغة النظريات حول اللغة والنظام الإبداعي الذي يدمج بين المتناقضات والتأويل والجمال والتواصل الثقافي، يمثّل الدكتور مالك الوادعي الجانب التطبيقي الحي لهذه الفلسفات؛ إذ يستخدم أدوات الفلسفة الغربية، التي درسها ويدرّسها في معاقلها، لفك الشفرات الثقافية بين الشرق والغرب، مجسّدًا المقولة الفلسفية الأوروبية التي ترى أن الفكر الإنساني والجمال قاسم مشترك لا تحدّه الجغرافيا.
بحكم تجربتكم السابقة ملحقًا ثقافيًّا في أوروبا، حين نقول «الثقافة الأوروبية»، هل نتحدث بالفعل عن فضاء ثقافي واحد، أم عن ثقافات متعددة جمعتها الجغرافيا والتاريخ، وفرّقتها اللغة والتجربة؟
- عند الحديث عن الثقافة الأوروبية، من الضروري إدراك أنها ليست فضاءً ثقافيًّا واحدًا، بل تتكون من مجموعة متنوعة من الثقافات. ويعكس هذا التنوع التباين القائم في أوروبا؛ إذ تضم القارة عددًا كبيرًا من اللغات، تعكس كل واحدة منها ثقافة خاصة. كما تختلف التقاليد والعادات من بلد إلى آخر، بل حتى داخل الدولة الواحدة؛ إذ تتباين الاحتفالات والممارسات الاجتماعية بصورة كبيرة.
وعلى الرغم من هذه الاختلافات، تشترك الدول الأوروبية في تاريخ طويل ومعقد، يبدأ من الحضارتين الرومانية واليونانية القديمتين، ويمتد إلى الحروب العالمية. وقد أفضت هذه التجارب المشتركة إلى تأثيرات متبادلة أسهمت في تشكيل الهوية الثقافية الأوروبية في العصر الحديث.
وتؤدي الجغرافيا أيضًا دورًا مهمًّا في تشكيل الثقافات؛ إذ تؤثر المناطق الجبلية والساحلية والريفية في أنماط الحياة والطعام والأنشطة الاجتماعية. وتعكس الطبيعة المتنوعة لأوروبا اختلاف ثقافاتها، حيث تتمتع كل منطقة بخصائصها المستقلة.
وفي العصر الحديث، أدت العولمة إلى تقارب الثقافات، فأصبحت بعض العناصر الثقافية متداولة عبر الحدود، في مقابل وجود مقاومة تسعى إلى الحفاظ على الهويات الثقافية المحلية. وتعكس الفنون والآداب في أوروبا هذا التنوع؛ إذ أثرت الحركات الفنية المختلفة، من الكلاسيكية إلى المعاصرة، في الثقافات المحلية، وجسّدت كل فترة تجاربها الخاصة.
بناءً على ذلك، يرتبط مفهوم «الثقافة الأوروبية» بتنوع ثقافي لافت يجمع بين الاختلافات والسمات المشتركة، ما يجعلها مجموعة من الثقافات التي تعكس التاريخ واللغة والجغرافيا والتجارب المتنوعة لشعوب القارة الأوروبية.
وأنتم الأكاديمي والشاعر الذي يكتب بالألمانية، ولكم ديوان شعري صادر بهذه اللغة، هل الشعر فعلًا هو الاختبار الأصعب للكاتب أو المترجم؟ وما الذي نفقده عندما ينتقل الشعر الألماني إلى العربية أو العكس: الموسيقى، أم الصورة، أم الإحالات الثقافية؟
- تُعد كتابة الشعر أو ترجمته بلغة أجنبية من أكثر المهام تحديًا في مجال الأدب، نظرًا إلى خصوصية الشعر وعمقه. وتتطلب هذه العملية مهارات خاصة؛ إذ يجب على المترجم أن يكون ملمًّا بكل من لغة المصدر واللغة الهدف، إضافة إلى فهم الثقافة والسياق اللذين ينتمي إليهما النص الشعري.
يواجه كاتب الشعر أو مترجمه تحديات لغوية متعددة؛ إذ يتميز الشعر غالبًا، سواء أكان مكتوبًا باللغة الأم أم بلغة أجنبية، بإيقاع محدد وقوافٍ معينة؛ ما يجعل الحفاظ على النمط نفسه في اللغة المستهدفة أمرًا صعبًا. كما يوظف الشعر عددًا من الصور الفنية والمجازات التي قد لا تتوافر لها معانٍ مباشرة في اللغة الأخرى. لذلك، يجب أن يراعي الكاتب والمترجم الخلفية الثقافية والمعاني الرمزية المرتبطة بالكلمات؛ لأن بعض الكلمات قد تحمل دلالات خاصة في ثقافة معينة. ومن المهم أيضًا الحفاظ على القيمة الجمالية للنص الأصلي؛ ما يتطلب من المترجم السعي إلى صون جمالياته، بما في ذلك أسلوبه وعواطفه وأحاسيسه التي يعبّر عنها الشاعر. ويستلزم ذلك اختيار الكلمات والعبارات المناسبة التي تعكس الإحساس والجمال الموجودين في النص الأصلي.
ويمكن أن يختار المترجم بين التوجه الحرفي، الذي يحاول الحفاظ على كلمات النص الأصلي، والترجمة الحرة التي تركز على المعنى والمشاعر. ويُعد الفهم العميق للنص الأصلي أمرًا أساسيًّا؛ إذ يتطلب التعرف إلى موضوعه ومشاعره ورسائل الشاعر.
علاوة على ذلك، يجب أن يكون النص المترجم جذابًا للقارئ المستهدف؛ ما يتطلب عناية دقيقة بأسلوب الكتابة وثقافة اللغة المستهدفة. وبوجه عام، تعزز كتابة الشعر بلغة أجنبية أو ترجمته الفهم المتبادل بين الثقافات، وتتيح للقراء في ثقافات مختلفة التواصل مع التجارب الإنسانية المشتركة.
فهي ليست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل فن يتطلب الإبداع والمهارة، إلى جانب فهم اللغة والثقافة والسياق. وبذلك تتاح للكاتب أو المترجم فرصة تقديم نص شعري يعكس جوهر العمل الأصلي ويصل إلى قلوب القراء في اللغة والثقافة المستهدفتين.
مرّ الأدب الأوروبي بتحولات كبرى، من الكلاسيكية والرومانسية إلى الواقعية والحداثة وما بعدها؛ فما الذي تخبرنا به هذه التحولات عن الإنسان الأوروبي نفسه؟
- شهد الأدب الأوروبي تحولات كبيرة تعكس تطورات فكرية وثقافية واجتماعية عميقة. وبدأت هذه الرحلة مع الكلاسيكية، التي سادت في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث انصب الاهتمام على القيم التقليدية والنظام العقلي. وفي هذه المرحلة، كان الإنسان يُصوَّر بوصفه كائنًا عقلانيًّا يسعى إلى المعرفة والجماليات المثالية.
ثم انتقل الأدب إلى الرومانسية في القرن التاسع عشر، التي أبرزت أهمية المشاعر الفردية والتجارب الذاتية؛ ما يعكس تمرد الإنسان الأوروبي على القيود التقليدية ورغبته في التعبير عن هويته الشخصية.
وفي منتصف القرن التاسع عشر ظهرت الواقعية، التي اتجهت إلى تصوير الواقع بموضوعية، وركزت على الحياة اليومية والمشكلات الاجتماعية؛ ما يدل على رغبة الإنسان الأوروبي في فهم حياته والتعامل معها بصورة أكثر واقعية.
ومع بداية القرن العشرين، دخل الأدب مرحلة الحداثة، حيث سعى الكتّاب إلى كسر القوالب التقليدية والبحث عن أساليب جديدة. وقد أظهر هذا التحول تنوع الهويات والأفكار، وعكس شعور الإنسان الأوروبي بالتجدد والبحث عن المعنى في عالم متغير.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت ما بعد الحداثة، التي طرحت تساؤلات حول الحقيقة والمعنى، معبّرة عن ارتباك الإنسان الأوروبي أمام التغيرات السريعة.
تكشف هذه التحولات أن التغيرات الثقافية والفكرية تعكس تطورات الهوية الإنسانية، من القيم التقليدية إلى العواطف الفردية، ثم إلى الواقع والتجديد، وصولًا إلى تعددية الهويات. ويعكس الأدب الأوروبي رحلة الإنسان الأوروبي في سعيه إلى فهم نفسه والعالم من حوله؛ ما يجعل الأدب مرآة حقيقية للحياة الإنسانية.
شخصيًّا، لو طُلب منكم تقديم الأدب الألماني إلى القارئ السعودي الذي لم يسبق له الاقتراب منه، فما الكتب أو الأسماء التي تقترحون أن يبدأ بها؟
- لتقديم الأدب الألماني إلى القارئ السعودي الذي لم يسبق له الاقتراب منه، يمكن البدء بمجموعة من الكتب والأسماء التي تعكس تنوع هذا الأدب وثراءه. ومن أبرز هذه الأعمال «فاوست» ليوهان غوته، الذي يُعد من أهم الأعمال في الأدب الألماني؛ إذ يتناول صراع الإنسان مع ذاته وطموحاته، مستكشفًا مفاهيم الخير والشر.
كذلك تُعد مسرحية «اللصوص» لفريدريش شيلر مثالًا على تناول موضوعات الحرية والأخلاق؛ إذ تعكس الصراعات الداخلية للشخصيات وتفتح نقاشًا حول العدالة والواجب. وتقدم رواية «الألماني» لهيرمان هيسه رؤية للتحديات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الألماني، مع تناول قضايا الهوية والانتماء.
من جهة أخرى، تُعد رواية «الجبل السحري» لتوماس مان من الأعمال الفلسفية المهمة التي تتناول موضوعات الزمن والوجود، مسلطة الضوء على الصراعات الفكرية والروحية.
كذلك لا يمكن تجاهل فرانز كافكا، الذي قدّم روايته «المحاكمة»، التي تجسّد الشعور بالقلق والاغتراب، وتتناول موضوعات السلطة والعدالة بأسلوب فريد يجذب القارئ إلى عوالم من الغموض والتوتر.
كما تُعد رواية «نردين» لهيرمان هيسه مدخلًا جميلًا إلى البحث عن الذات؛ إذ تتناول الاستكشاف الروحي والفلسفي. وفي الشعر، تأتي مجموعة «أغاني الموتى» للفيلسوف والشاعر الألماني ريلكه، التي تعكس العمق العاطفي والروحانية؛ ما يجعلها مدخلًا جذابًا إلى عالم الشعر الألماني.
ويُعد عمل «أوبرا القروش الثلاثة» للكاتب المسرحي والشاعر الألماني برتولت بريشت نموذجًا للأدب السياسي؛ إذ يجمع بين النقد الاجتماعي والفن، ويطرح قضايا تتعلق بالعدالة الاجتماعية.
وبهذه الاختيارات، وغيرها الكثير، يفتح الأدب الألماني أمام القارئ السعودي آفاقًا جديدة لاستكشاف عوالم أدبية ألمانية غنية ومتنوعة.
ما الذي يجعل عملًا أدبيًّا سعوديًّا قابلًا للوصول إلى القارئ الأوروبي؟ هل هي جودة النص، أم أصالة الترجمة، أم دار النشر، أم السياق الثقافي الذي يُقدَّم من خلاله؟
- عندما نتحدث عن وصول عمل أدبي سعودي إلى القارئ الأوروبي، تتداخل عوامل عدة تؤدي دورًا حاسمًا في هذا السياق. أولًا، تُعد جودة النص من العناصر الأساسية؛ إذ يجب أن يكون العمل معبّرًا ومشوّقًا، وقادرًا على جذب القارئ من خلال أسلوب فني وأفكار جديدة. كما أن تناوله موضوعات تعكس التجارب الإنسانية المشتركة أو قضايا عالمية يسهّل وصوله إلى القارئ.
ثانيًا، تؤدي أصالة الترجمة دورًا كبيرًا في نجاح العمل الأدبي. وتعتمد دقة الترجمة على قدرة المترجم على نقل المعاني والأحاسيس الأصلية للنص؛ ما يؤثر بصورة مباشرة في تجربة القارئ. ولذلك، من الضروري أن يكون المترجم ملمًّا بكلتا الثقافتين؛ ليقدم ترجمة تعكس الدلالات الثقافية للنص.
علاوة على ذلك، تؤثر دار النشر كثيرًا في تسويق العمل الأدبي؛ إذ يفضّل القراء شراء الكتب الصادرة عن دور نشر ذات سمعة جيدة، كما أن وجود استراتيجيات تسويقية فاعلة يسهم في ضمان وصول الكتاب إلى المكتبات والمعارض الأدبية.
ويُعد السياق الثقافي الذي يُقدَّم من خلاله العمل الأدبي عنصرًا مهمًّا أيضًا؛ فالتقديم الثقافي يعزز فهم القارئ الأوروبي للأبعاد الثقافية والاجتماعية للنص. كما يمكن أن يسهم تنظيم فعاليات ثقافية، مثل الأمسيات الأدبية وحفلات التوقيع والندوات النقاشية، في إيجاد تفاعل مباشر بين الكتّاب والجمهور؛ ما يزيد اهتمام القارئ بالأدب السعودي.
ويمكن القول إن وصول الأدب السعودي إلى القارئ الأوروبي يعتمد على تفاعل هذه العوامل مجتمعة؛ إذ تسهم جودة النص وأصالة الترجمة وسمعة دار النشر والسياق الثقافي في تعزيز فرص وصول الأدب السعودي المتميز إلى جمهور أوسع في القارة الأوروبية.
من جهة أخرى، هل ثمة تحديات قد تواجه ترجمة الأدب السعودي إلى الألمانية؟ وهل توجد مفاهيم ثقافية عربية يصعب نقل حمولتها الثقافية إلى القارئ الألماني؟
- تواجه ترجمة الأدب السعودي والعربي عمومًا إلى الألمانية تحديات عدة، تؤثر في كيفية استقبال القارئ الألماني لهذه الأعمال. أولًا، تؤدي الاختلافات الثقافية دورًا كبيرًا؛ فالمفاهيم الثقافية الموجودة في الأدب العربي قد تكون غريبة أو غير مألوفة للقارئ الألماني، مثل بعض العادات والتقاليد الاجتماعية والرموز الثقافية التي تعكس خلفيات تاريخية ودينية.
إضافة إلى ذلك، قد تختلف بعض التجارب الإنسانية جذريًّا بين الثقافتين؛ ما يصعّب نقل المشاعر والأحاسيس بدقة. كذلك تشكل اللغة والمصطلحات تحديًا آخر؛ فالأدب العربي، ولا سيما الشعر، يستخدم تعبيرات لغوية معقدة وصورًا بلاغية قد يصعب نقلها بدقة؛ ما قد يفقد النص بعض جماله.
كما قد تشتمل العبارات الاصطلاحية على أمثال شعبية لا تتوافر لها مقابلات مباشرة في اللغة الألمانية؛ ما يتطلب إبداعًا في الترجمة. علاوة على ذلك، يمثل ضعف الوعي بالأدب العربي تحديًا كبيرًا؛ فقد يفتقر القارئ الألماني إلى المعرفة الكافية بهذا الأدب، فيتعذر عليه فهم الأعمال المترجمة فهمًا كاملًا. كما قد تؤثر الصور النمطية والتحيزات الثقافية سلبًا في كيفية استقبال النصوص الأدبية.
ومن المحتمل أن تواجه الأعمال الأدبية السعودية تحديات في مجال النشر والتوزيع؛ فقد تقل فرص نشرها لدى دور نشر ألمانية معروفة؛ ما يؤثر في تسويقها. وقد يؤدي ضعف الاستراتيجيات التسويقية أيضًا إلى عدم وصول الأعمال إلى القراء المستهدفين.
وبناءً على هذه التحديات، يمكن القول إن ترجمة الأدب السعودي والعربي إلى الألمانية تتطلب فهمًا عميقًا للثقافتين، ومهارات عالية في الترجمة، إلى جانب جهود لتعزيز الوعي بالأدب العربي في الأسواق الألمانية؛ بما يمهّد الطريق أمام فهم أفضل لهذه الأعمال الأدبية.
في ظل الحراك الثقافي الذي تشهده المملكة ضمن رؤية 2030، وأنتم ممن ترجموا الرؤية إلى اللغة الألمانية، هل نحن بحاجة إلى مشروع أوسع لإعداد مترجمين سعوديين متخصصين في لغات تتجاوز الإنجليزية، ومن بينها الألمانية؟
- في ظل الحراك الثقافي الذي تشهده المملكة ضمن رؤية 2030، تبرز الحاجة الملحّة إلى مشروع أوسع يهدف إلى إعداد مترجمين سعوديين متخصصين في لغات تتجاوز الإنجليزية، ومنها الألمانية. وهذا التوجه ضروري لأسباب عدة؛ أولها أنه يعزز التبادل الثقافي، إذ يسهّل وجود مترجمين محترفين فهم الثقافات المختلفة، ويقوّي العلاقات الثقافية.
وثانيها أنه يسهم في توسيع نطاق العلاقات الدولية، ولا سيما مع الدول الناطقة بالألمانية؛ ما يسهّل التعاون في مجالات التعليم والاقتصاد والعلوم و السياحة وغيرها.
** **
- @malahvalley