لا يغادر الإنسان المكان الذي نشأ فيه لمجرد أنه ابتعد عنه. قد تتغير المدينة، واللغة، والطقس، وتفاصيل الحياة من حوله، لكن المكان الأول يظل حاضرًا بطريقة ما؛ في صورة، أو رسالة، أو صوت يصل من بعيد، أو ذكرى تستيقظ فجأة. وربما لهذا تبدو الغربة في رواية «بدوي في إسكتلندا» أوسع من مجرد رحلة إلى بلد آخر. إنها رحلة يبتعد فيها عقيل عن المكان، لكنه يظل يبحث عن طرق تبقيه قريبًا منه.
وتلخص الرواية هذا المعنى في عبارة لافتة: «كان ابن الصحراء قد غادر الرمل، لكنه لم يغادر جذوره». فالجذور هنا ليست صورة مجازية عابرة؛ إنها حاضرة في الأسرة، والقرية، وبيت الطين، وفي الأب والأم، وفي كل ما يواصل عقيل حمله معه وهو يعيش بعيدًا عن حائل.
وتأتي الرسالة بوصفها أول هذه الجسور. عندما تصل رسائل الأسرة إلى عقيل في إدنبرة، لا يجد فيها أخبارًا فقط، بل يجد شيئًا من البيت الذي ابتعد عنه. تحمل الكلمات صوت الأم، وأخبار الأبناء، وملامح الحياة التي تستمر في غيابه. ولهذا تحتفظ الشخصية بالرسائل، وكأنها تحتفظ بجزء من المكان نفسه. وتزداد المسألة تأثيرًا حين تصل رسالة زوجته مرفقة بصورة ابنه تركي. يتأمل عقيل الصورة ويعيد قراءة الرسالة، وكأنه يحاول أن يرى بعينيه طفلًا حالت المسافة دون أن يعيش معه لحظاته الأولى. هنا لا تعود الصورة مجرد مرفق للرسالة؛ إنها تمنح الغائب وجهًا. الكلمات تخبره، أما الصورة فتجعله يرى.
تبدو الرسائل والصور في الرواية أكثر من وسائل للتواصل. إنها محاولة للحفاظ على علاقة يهددها البعد. حتى الاتصال الهاتفي الذي يسعى عقيل إلى تأمينه لوالديه يأتي من رغبته في ألا يشعرا بـ«قطيعة الزمان أو وحدة المكان». وتصبح المكالمات الأسبوعية، رغم ما تحمله من حنين، مصدرًا للثبات أيضًا.
لكن اللافت أن عقيل لا يبقى متلقيًا لما يأتيه من الوطن. بعد وصوله إلى إدنبرة، يبدأ هو نفسه في النظر إلى العالم الجديد وتسجيله. يحمل كاميرته، ويصور الشوارع والأبنية والناس، ثم يكتب عنها ويرسل تقاريره إلى صحيفته في الرياض. وهنا تتغير وظيفة الصورة؛ فلم تعد وسيلة يستعيد بها عقيل وطنه فقط، بل أصبحت وسيلة يرى بها المكان الجديد ويفهمه ويقدمه للآخرين.
في هذه النقطة تحديدًا تصبح الكاميرا امتدادًا لعيني عقيل. فهو لم يعد الشخص الذي ينتظر صورة من حائل، وإنما أصبح هو من ينتج الصور ويرسلها إلى وطنه. ومن خلال الصحافة والتصوير ينتقل من موقع المتلقي إلى موقع الراصد. حتى في رحلاته الصحفية يحمل معه الكاميرا والمسجل والنوتة، وكأنه لا يريد أن يترك ما يراه يمر دون أثر.
ثم يأتي الفيلم ليأخذ هذه العلاقة مع الصورة خطوة أبعد. ففي أحد مشاهد الرواية يعرض عقيل أمام أسرته فيلمًا قصيرًا صنعه بنفسه، تظهر فيه مراحل من حياته: طفولته، وشبابه، وعلاقته بنورة، وأطفاله وحياتهم في إسكتلندا. يبدو العرض كأنه محاولة لاستعادة عمر كامل في دقائق.
وهنا يختلف الفيلم عن الصورة. فالصورة تحفظ لحظة، أما الفيلم فيجمع اللحظات ويرتبها ويمنحها سياقًا. عقيل لا يستعيد ذكرى واحدة، بل يعيد أمام أسرته تركيب أجزاء من حياته. الماضي الذي ظل موزعًا بين الذاكرة والرسائل والصور يصبح فجأة حكاية مرئية يمكن للآخرين أن يشاركوه مشاهدتها.
ومن هذه الزاوية، تبدو الوسائط في الرواية جزءًا من تجربة عقيل نفسها، وليست مجرد عناصر إضافية في السرد. الرسالة تقاوم المسافة، والصورة تقاوم النسيان، والكاميرا توثق ما يمر، والفيلم يعيد جمع ما تفرق. وكلها، في النهاية، تحاول أن تفعل شيئًا واحدًا: أن تمنح الغائب فرصة للحضور.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في تجربة عقيل. فكلما ابتعد عن وطنه، ازدادت حاجته إلى الوسائل التي تعيده إليه. لم تؤدِّ الغربة إلى محو المكان الأول، بل جعلته أكثر حضورًا في الذاكرة، وأكثر حاجة إلى الاستعادة.
لقد غادر عقيل الصحراء، لكنه لم يتخلَّ عنها. حملها معه في ذاكرته، ثم وجد لها صورًا وأصواتًا وحكايات جديدة. وربما لهذا لا تبدو الرحلة في الرواية رحلة ابتعاد بقدر ما تبدو محاولة طويلة للعودة؛ عودة لا تحدث دائمًا بالجسد، وإنما قد تحدث أحيانًا بكلمة، أو بصورة، أو بمشهد محفوظ في ذاكرة رجل ظل، رغم اتساع العالم من حوله، يعرف من أين بدأ.
** **
- د. منى بنت خلف العنزي