الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
بين الكتاب والمخطوط، وقضايا الفكر والتعليم، وتحولات الصحافة والذكاء الاصطناعي، تتعدد اهتمامات الدكتور مسفر بن علي القحطاني، الذي جمع في مسيرته بين البحث الأكاديمي والرحلة في خزائن الكتب والمخطوطات، والاشتغال بقضايا الفكر والثقافة والمجتمع.
بدأت علاقته بالمخطوطات ورحلات البحث في مكتبات العالم منذ عام 1997م، خلال إعداده لأطروحته في النوازل الفقهية، وقادته تلك الرحلة إلى مكتبات وخزائن في عدد كبير من الدول، قبل أن تتسع تجربته لتشمل التأليف والقراءة والتأمل في قضايا المعرفة وتحولاتها.
وفي لقائه مع «الثقافية»، يتحدث د. مسفر القحطاني عن الكتاب ومكانته في زمن المنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم، وتحولات الصحافة، وكتب السير والتراجم، والتصنيفات الدولية للجامعات، كما يتوقف عند تجربته مع المشي وصعود الجبال في الطريق إلى قمة إلبروس بجنوب غرب روسيا، وما تتيحه العزلة في الطبيعة من مساحة للتأمل وإعادة اكتشاف الذات.
مكتبات العالم
من رسالتكم الأكاديمية في «النوازل الفقهية المعاصرة» بدأتَ رحلة طويلة بين مكتبات العالم؛ فكيف غيّرت هذه الرحلة نظرتكم إلى الكتاب، وما الذي يجعل القراءة ممارسةً يومية راسخة في حياة الإنسان؟
بدأت رحلتي مع المخطوطات وخزائن المكتبات القديمة عام 1997م، حيث اخترت موضوعًا لأطروحة الدكتوراه عن النوازل الفقهية، وبحثي في النوازل ليس بحثًا فقهيًا؛ بل يتناول النوازل من الناحية الأصولية التقعيدية. فلم أجد آنذاك من تكلم عن تأصيل النوازل إلا عددًا قليلًا جدًا من الباحثين الذين تناولوا هذا الموضوع في مقالات نُشرت في بعض المجلات المغربية، أو في مقدمات تحقيق بعض كتب النوازل التي كانت آنذاك أيضًا نادرة، ولم أجد فيها ما يشفي غليلي من البحث والجمع.
فقلت في نفسي: لعل الاطلاع على كتب ومخطوطات النوازل الكثيرة يسمح لي بالظفر بمقدمات أصولية أستنير بها في أطروحتي، فعزمت على الرحلة بحثًا عن مخطوطات النوازل في المغرب ابتداءً، ثم تونس ومصر وتركيا وسوريا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والفاتيكان واليمن ودول الخليج وإيران والهند والصين وبعض دول الجمهوريات الإسلامية في روسيا وغيرها، بالإضافة إلى فهارس العشرات من خزائن المخطوطات العالمية.
ولم أظفر ببغيتي من تلك المخطوطات بعد عناء هذه الرحلة، لكنها أتاحت لي الاطلاع على مخزون هائل من المخطوطات والمعارف العربية، وتحققت بشكل مباشر من وجود مخطوطات أصول الفقه والقواعد الفقهية وجودتها، ووضعت فهرسًا لمخطوطات النوازل الفقهية التي اطلعت عليها في ملحق كتابي الذي صدر عام 2001 بعنوان: «منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة: دراسة تأصيلية تطبيقية». والحمد لله، وبفضل من الله تعالى، أحصيت أكثر من خمس وعشرين جامعة تُدرّس كتابي أو تضعه ضمن متطلبات الدراسات العليا.
وقد لحظت أن ما فُهرس من مخطوطات لا يشمل الموجود حقيقةً في خزائن المخطوطات العالمية، وبعضها لا يدل واقعًا على وصف المخطوط ولا عنوانه أو مؤلفه. كما أن تاريخ الكتاب في العالم الإسلامي عريق جدًا، وحافل بالكنوز المذهلة؛ فكتب الطب والحساب والفلك والنجوم وغيرها من العلوم وجدتها متناثرة بكثرة في تلك الدور، والباحث في العلم الشرعي لا يحرص عليها، والباحث في العلوم الطبيعية لا يحرص عليها أيضًا؛ لاختلاف نمط التعليم الجديد في تلك العلوم.
فلا يمكن أن ترى طالب هندسة أو طب يذهب ليحقق مخطوطًا في تلك العلوم؛ لأن متطلبات الدراسات العليا باتت تسير وفق النمط الغربي المنقول إلينا، فبقيت تلك الكنوز المخطوطة في غياهب النسيان، ولا يحفل بأهميتها إلا القليل جدًا من الباحثين والمستشرقين.
الكتاب جزيرتنا في المحيط
في محاضرتكم «الكتاب جزيرتنا في المحيط» شبّهتم الكتاب بجزيرة آمنة يلجأ إليها الإنسان وسط صخب الحياة وتسارع العصر؛ فكيف يمكن استعادة الكتاب بوصفه ملاذًا نفسيًا ومعرفيًا يعيد للقارئ هدوءه ووعيه، لا مجرد وسيلة ترفيه عابرة؟
الكتاب اليوم يعيش حالة من الاغتراب، وأفضل أحوال الكتاب قراءةً هي كتب الروايات والقصص، وذلك بسبب البدائل الرقمية المغرية والمثيرة جدًا، التي تمنح المعارف للمطّلع بكل يسر وفتنة، فيشعر بتخمة معرفية لا تبني عقلًا علميًا بقدر ما تجعلنا نعيش في سرابها الماتع.
وهناك مشكلة أخرى تُبعد الكتاب عن أن يكون جليس المرء ونديمه هذه الأيام، وهي قلة الكتب الجادة والرصينة وغلاء أسعارها. فعندما يقع في أيدينا كتاب له قيمة، أو ترجمة نفيسة لكتاب أجنبي، فنحن أمام إغراء تشويقي قد يعيد للكتاب هيبته.
ومن الطريف أنني، قبل يومين، انتهيت من قراءة «الفقيه والسلطة في الجزيرة العربية خلال القرن الثالث عشر الهجري» للدكتور علي آل قطب - من إصدارات دار جداول - خلال أربعة أيام تقريبًا، ويقع الكتاب في 630 صفحة. وفعلًا، كنت حينها في جزيرة بعيدة؛ جعلت من الكتاب ملاذًا نفسيًا ومعرفيًا يأنس به عقل القارئ.
ولا يمكن للإنسان أن يشرح لأحد عشق الكتب ما لم يتذوقه بنفسه ويلجأ إليه باختياره. وأظن أن هذه العلاقة القديمة بين القارئ والكتاب قد تتجدد هذه الأيام عند البعض؛ كردة فعل لتكاثر وسائط القراءة الرقمية التي تملؤنا، في الغالب، بالغثاثة والملل.
الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية
في ضوء إدراج وحدات الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية منذ عام 1447هـ/1448هـ، كيف يمكن لهذا التوجه أن يطوّر تجربة التعلّم ويمنح الطلاب مهارات عملية تؤهلهم لمهن المستقبل، ولا سيما مع تخصيص عام 2026 للذكاء الاصطناعي؟
الذكاء الاصطناعي واقع مدلهمّ لا يمكن لأحد إيقافه أو تجاهله؛ فهو يصطحب الطالب في التعليم العام والعالي، ليجيب عن كافة تساؤلاته حول معادلة رياضية أو واجب علمي، أو يكتب له بحثًا، أو يبحث له عن أفضل مطاعم الشاورما القريبة، أو ملخص مباريات الأسبوع، وقس على ذلك بقية التفاصيل الحياتية.
لذلك كان من العقل وإدراك الواقع أن يتم التعامل مع منصات الذكاء الاصطناعي بوعي يمنحنا أفضل ما فيها، ويخفف عنا أسوأ ما يُتوقع منها، وهذا ما تقوم به «سدايا» اليوم.
فالتعليم اليوم يجب أن يتغير وفق تلك التحديات، وطريقة الواجب المنزلي وكتابة البحث واختبارات الحفظ أصبحت من الماضي الذي لا يليق بواقعنا اليوم، ولا تبني هذه الطرق تعليمًا جيدًا للطفل والشاب.
ومن ثمّ، لا بد من التفكير الجاد والجديد الذي يسمح لنا بالتدخل في إدارة المعلومات التي تجتاح الطالب اليوم، مع ضرورة تصفيتها، وضبط مسارات الخوارزميات لتكون في صالحنا قدر المستطاع، ومن الجدير ذكره أن هناك تأكيدًا من عدد من خبراء التقنية على أهمية تعلم مهارة التحقق من المعارف ونقدها، وهذا باب كبير يطول الحديث فيه ويتشعب.
الصحافة الرقمية
بعد إعلان إحدى المؤسسات الصحفية إيقاف نسخها الورقية، هل تستطيع الصحافة الرقمية أن تؤدي دور الصحافة المطبوعة في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق الأحداث، أم أن سرعة النشر وتزاحم المحتوى يضعفان هذه المهمة؟
من وجهة نظري، أن الصحافة الورقية باتت على محك النهاية، ومما سرّع في نهايتها تلك التكاليف المالية الباهظة للطباعة والتوزيع، بينما نجد منشورًا في إحدى منصات التواصل الاجتماعي يصل إلى ملايين البشر في ثوانٍ وبلا رقابة، ويقرأه الآلاف ويُعجب به المئات. كل هذا يحدث بأقل التكاليف وبأقل عدد من الكوادر الوظيفية.
وهذا الحال هو سبب طرح سؤال الجدوى من الصحافة الورقية، فضلًا عن أننا أمام أجيال قادمة لا تكلّف نفسها عبء النظر في غير الجوال والآيباد، ما يعني أن الجيل المستهدف لا يعترف بالأوراق، حتى في الكتب الإلزامية له. هذه المتغيرات تجاهلها مكلف وغير منطقي.
كما أن المخاوف من انعدام المطبوعات الورقية ومآلات اختفاء الوثائق المادية جديرة بالاهتمام، ولا ينبغي تجاهلها أبدًا؛ لأن هناك احتمالًا مريعًا ربما يحدث في لحظة ما من الزمان، وهو أن تغلق تلك المنصات صفحاتها الرقمية، وتختفي بشكل مفاجئ كل المواد التي أودعناها صندوق كنوزنا المعرفية، الذي قد يصبح خاويًا بلا رجعة، ويطالعنا بلا رحمة إعلان على شاشة أجهزتنا: «المحتوى غير موجود».
أعرف أنه سيناريو مخيف، ولكن الاحتياط ضروري لأمان ذاكرتنا الثقافية والتاريخية من الضياع.
قمة إلبروس بجنوب غرب روسيا
في تجربتكم الأخيرة في الطريق إلى قمة إلبروس بجنوب غرب روسيا، كيف منحكم السير الطويل بين الجبال ذلك الصفاء الذهني العميق، وما أثر هذه العزلة المؤقتة عن صخب الحياة في قدرتكم على القراءة والكتابة والتأمل؟
من التجارب الماتعة النافعة التي استفدتها من مشي المسافات الطويلة أنها منحتني الكثير من الفوائد الحياتية، مثل الاستمتاع بجمال البكور، والقدرة على معرفة جوهر الأشياء التي حولنا؛ فالجبال والوديان والأشجار أصبحت كأنها أرواح ندرك من خلالها جماليات أخرى، لا تظهر إلا عند هذا التواصل الصامت والتأملي لوجودها معنا وحولنا.
تجربة صعود قمة جبل إلبروس، التي تصل إلى 5624 مترًا، فيها الكثير من المتعة والتحدي، وهي تمكّننا من فهم طاقاتنا وقدراتنا الذهنية والنفسية أكثر من البدنية. والتعلم من الجبال لا تجده في كل مدارس العالم؛ لأن الهدف الذي تريد الوصول إليه لا يتحقق إلا بتهيئة بدنية ونفسية وعقلية. وهذه التهيئة تقع تحت أشد أنواع الضغوط أثناء الصعود المحفوف بالمشقة والمخاطر، وعند بلوغ القمة تنكشف قيمة المصابرة والمجاهدة لبلوغ أي هدف.
أزمة منتصف العمر ليست مجرد حكاية مجالس لقضاء الوقت والتسلية؛ بل هي أزمة ذهنية ونفسية، نراها في الفروق بيننا وبين أجيال من بعدنا، ونلحظها في النوم والتفكير والتعامل مع واجباتنا العائلية والوظيفية. أصبحنا أكثر حساسية مع التقدم في العمر، وأكثر حاجة إلى الأمان أيضًا ثم ماذا؟ وما موقع المشي من متطلبات هذه المرحلة؟
كتجربة شخصية، وشاهدت ذلك مع زملاء كثر جمعتنا دروب المشي في أماكن كثيرة من العالم، أرى أننا بعد الخمسين في أمسّ الحاجة إلى المشي! وأننا كلما خطونا في الطرقات الطويلة مشيًا بين أحضان الطبيعة، فإننا عمليًا نتخفف من كثير من ضغوط التفكير والهموم النفسية، ونشعر بعدها بأننا أكثر خفةً وارتياحًا.
وقد قرأت تجارب كثيرة لمشاة تعالجوا بالمشي، وتحررت عقولهم للتفكير في أعوص القضايا، وخرجوا بمؤلفات أو نظريات حققت نجاحًا وإبداعًا؛ لهذا أعتبر، وغيري، أن المشي هو هروب نحو ملاذ روحي ينعش الحياة ويملؤنا صبرًا وسكينة.
لا أنسى أن سيرة نيتشه مع المشي عجيبة، خصوصًا من 1877 إلى 1889؛ إذ يقول عندما اكتشف جمال المشي في الطبيعة: «البحر والسماء النقية، ماذا حصل لي كي أعذب نفسي في الماضي!».
كان يمشي يوميًا من 6 إلى 8 ساعات، ثم يقول: «أمشي كثيرًا بين الغابات وأنا أحاور نفسي محاورات عجيبة». وخلالها ألّف كتابه «المسافر وظله». وكتب مرة: «يجعلني زخم مشاعري أضحك وأرتعد في الوقت ذاته، لم أغادر غرفتي عدة مرات بسبب مثير للسخرية، أن عيني صارتا حمراوين! لماذا؟ لأنني في اليوم السابق بكيت كثيرًا أثناء مشي لمسافات طويلة، ليست دموعًا عاطفية، بل دموع السعادة والغنى والذهول، كنت مفتونًا بنظرة جديدة تجعلني أتميز على البشر».
الجامعات والتصنيفات الدولية
هل يدفع انشغال الجامعات بتحسين مواقعها في التصنيفات الدولية إلى مطاردة المؤشرات على حساب رسالتها الأساسية في إعداد خريجين أكفاء، وإنتاج المعرفة والابتكار؟
ولذلك تدعم جامعاتنا وتقبل من البحوث ما يُنشر في المجلات الأجنبية فقط، لما سبق من مبررات. ومن الآثار السلبية لتلك التوجهات:
1- توجّه الأبحاث المحلية نحو منصات نشر أجنبية لا تحقق العائد التنموي للوطن.
2- الانشغال الكبير بكمية النشر على حساب الجودة والمصلحة، لغرض السباق في التصنيف، الذي صار عيبًا تتخفف من تبعاته كثير من الجامعات العريقة.
3- نشوء سوق سوداء للترجمة والنشر لأغراض تلبية حاجات الباحثين في الترقية وتجديد العقود.
4- ضعف مجلاتنا وهشاشتها في مجال النشر؛ لتوجّه الكثير من الباحثين نحو النشر الأجنبي.
5- هناك ما بين 3,100 و4,600 مجلة عربية تصدر في الوطن العربي؛ فهل عجزت عن وضع قاعدة فهرسة واستشهادات عالمية تحقق رغبة الباحث في النشر، ورغبة الجامعات في دخول التصنيفات الدولية؟
أما نتائج التصنيفات العالمية للجامعات، فهي مؤشر مهم ومطلوب لقياس تحقق الاستراتيجيات ومراقبة الأداء ومدى نجاح الحوكمة، لكنها ليست هدفًا مقصودًا في ذاته. وغالب الجامعات الكبرى في العالم، إذا تقدمت في أي تصنيف دولي، فلا يظهر هذا التقدم بوصفه خبرًا احتفاليًا، وغالب تعاملها معه يكون في التقرير السنوي للجامعة، أو ضمن مؤشرات التقدير في موقع الجامعة.
بينما تعامل بعض جامعاتنا مع نتائج التصنيف إعلاميًا يشعرنا بأن هناك استهدافًا مباشرًا للتقدم في تلك التصنيفات بوصفها غايةً وهدفًا أساسيًا لعمل لجان وإدارات الجامعة، بينما هي مؤشر قياس عادي وناقص وتجاري، وتكمن أهميتها لدى إدارات التخطيط بوصفها أحد مؤشرات الأداء.
والجامعة التي تفصل وتوظف، وتدفع الأموال وتمنعها، وتخاطر بنزاهتها لأجل تلك التصنيفات، تحتاج إلى جهة حسابية ورقابية تعيدها إلى وعيها الأكاديمي.
وأذكر أنه قبل سنة تقريبًا قامت جامعة السوربون الفرنسية بالانسحاب من تصنيفات تايمز للتعليم العالي (THE)، لتنضم بذلك إلى عدد متزايد من الجامعات التي ترفض قوائم تُفرّق بين المؤسسات. ووفقًا لرئيسها، فإن معظم هذه التصنيفات تُشبه «صناديق سوداء» لا تُثير أساليبها تساؤلات أخلاقية فحسب، بل تُخفق أيضًا في تغطية اتساع وتنوع مساهمات الجامعات.
وفي أواخر عام 2022، انسحبت كليات الحقوق في جامعات ييل وهارفارد وكولومبيا من تصنيف USWR، وبعد بضعة أشهر دعت أبرز جامعات البحث في كوريا الجنوبية إلى مقاطعة تصنيف QS، ومؤخرًا قررت جامعة زيورخ الانسحاب من تصنيف التايمز.
** **
@ali_s_alq