ذهبتُ إلى العمل مبكرًا في اليوم الأول لي في الوظيفة التي طال انتظارها، قبل الموعد الرسمي للدوام بنصف ساعة. وعند الباب، بادرني حارس الشركة:
صباح الخير، أنت القهوجي الجديد؟
كتمتُ غيظي، وتبسمتُ قائلًا:
لا، لستُ الشخص المقصود.
ذهبتُ مبكرًا لأتجنب زحمة شوارع الرياض، وليكون لدي الوقت الكافي لأستقر في مكتبي بهدوء، وأبدأ مهام وظيفتي الجديدة. كان معي دفتر صغير لتدوين الملاحظات ومهام العمل.
جلستُ على أريكة بالقرب من مدخل المكتب. وبعد وصول الزملاء، قدّمتُ نفسي لهم باختصار، فأشار زميلي أحمد إلى مكتب صغير في زاوية الغرفة، وقال:
هذا مكتبك.
وضعتُ دفتر التدوين على الطاولة، وحاولتُ فتح جهاز الكمبيوتر، لكن الجهاز كان مؤمّنًا بكلمة مرور، فأعدتُ المحاولة عدة مرات.
لا تتعب نفسك.
قالها أحمد وهو يبتسم، ثم أضاف:
ساجد خان، مدير الـ«آي تي»، لديه موعد في المستشفى.
فهمتُ من الزملاء، فيما بعد، أن ساجدًا هو الوحيد المخوّل من إدارة الشركة بمنح كلمات المرور وتحديد حدود الصلاحيات داخل الشبكة، ويمتد دوره إلى الربط بين مهام الموظف وأمن معلومات الشركة، في حدود الصلاحيات الممنوحة.
طال انتظاري لعودة ساجد، وتساءلتُ: كم «ساجدًا» في شركاتنا ودوائرنا الحكومية؟
تداعت إلى ذاكرتي قصة مفتاح مِلفَع جدتي – رحمها الله – التي كانت تحرص دائمًا على أن يكون مفتاح مخزن المؤن والأرزاق مربوطًا بطرف مِلفَعها (شيلتها). كانت جدتي الخيط الذي ينظم عِقد أسرتنا، وتحرص على جمع شملها كل يوم جمعة.
كنا نتسابق، نحن الأحفاد، يوم الجمعة لتقبيل رأسها والتحلق حولها بفرح وسعادة، في انتظار فتح كيس الحلويات الذي تحرص دائمًا على تعبئته بما يحبه كل واحد منا. كانت تعبّر من خلاله عن حبها وشوقها إلينا، وترقّبها لهذه الزيارة الأسبوعية.
كان انتظار فتح الكيس يصنع لنا بهجة خاصة لا تُعوّض. بقيت تفاصيلها الصغيرة راسخة في أذهاننا، ودائمًا ما نستذكرها عندما يلتئم شمل الأسرة في اجتماعها الدوري، الذي تحوّل بعد وفاتها من أسبوعي إلى شهري، وأحيانًا إلى مرة كل شهرين.
كانت جدتي لا تسمح لأحد بدخول المخزن، الذي عرفنا فيما بعد أنه يحتوي، بالإضافة إلى المؤن والأرزاق، على مقتنيات جدي القديمة وصوره، وجزء مهم من تاريخ العائلة.
جلستُ ذات مساء، والشمس تدنو من المغيب، أحتسي معها القهوة. وعندما سمعت صوت المؤذن، بدأت تردد الأذان بصوت خفيض، ثم نهضت لتجدد وضوءها، فسمعتُ رنين المفتاح المعدني المتدلي من طرف مِلفَعها وهو يرتطم بطرف دلة القهوة البغدادية في أثناء نهوضها.
وبينما كنا ننتظر جدتي حتى تفرغ من صلاتها وتأتي ومعها مسبحتها الطويلة، ذات التسع والتسعين حبة خشبية، التي لا تفارق يدها، وتعلقها أحيانًا حول رقبتها، قالت سندس، ابنة عمي:
ربما تكون قصتي القادمة عن أسرار مِلفَع جدتي، وحكاية المفتاح المربوط به؛ كأنهما توأمان سياميان يصعب فصلهما بعضهما عن بعض.
علّق أخوها مازحًا:
بدأت أجاثا كريستي!
لم تأبه لتعليقه، وواصلت حديثها:
يا ترى، من سيتسلم المفتاح بعد عمر طويل، لو حدث شيء لجدتي – لا قدّر الله – أو تعبت، أو قررت انتزاع المفتاح من طرف مِلفَعها؟ ومن سعيد الحظ الذي ستؤول إليه ملكية هذا المفتاح؟ فهو أشبه بمفتاح الزر النووي، أو الحقيبة النووية التي يحملها رؤساء الدول النووية معهم في كل مكان.
** **
- فالح العنزي