صورتك في المرآة تشبهك شكلًا، لكنها خالية من روحك وشعورك وطباعك؛ فهي صورة تزول بمجرد الالتفات. لذا خلقنا الله عز وجل مختلفين، فكلُّ شخص له بصمة روح لا تشبه الأخرى. هناك تقارب، وليس تشابهًا تامًّا، ومن هنا كان التباين والاختلاف في الفكر والشعور والطباع، وهذه سُنَّة الوجود. فكان حتمًا أن نمضي في دروب الحياة حاملين ما نحن عليه وما نشعر به، دون التلبس بما نراه أو نسمعه من الآخر.
نحن نعيش معضلة التقدم والتغيير وتجديد الأفكار، وتنتهي المتعة الحقيقية بوجود التقليد؛ فقد شاع كثيرًا في جوانب الحياة كافة، وأصبح جليًّا للعيان. ولم يقتصر على فئة عمرية معينة، أو طبقة اجتماعية بذاتها، أو مجتمع، أو دولة، أو لغة معينة، بل ظهر في أصقاع المعمورة كافة، وأصبح نهجًا يُتَّبع ويُعمل به، ويتناقل سريعًا كما تأكل النار الهشيم، دون توقف.
هناك التقليد المحمود، الذي يؤدي إلى الطيب من الأقوال والأفعال شرعًا وعرفًا، ولا ضير فيه أبدًا؛ والآخر المذموم، الذي يتخلى فيه المتلبس بالتقليد عن عقيدته وقيمه ومبادئه، ويسبر أغوار الشخص الذي يقلده، كتابةً أو حديثًا أو أيَّ أداء يسير به في دهاليز التقليد الأعمى، دون وعي أو بصيرة!
يظل في حيز أداء يتقادم مع الزمن، يعيش الماضي دون أن يحرز أي خطوة إلى الأمام، ليجد نفسه عالقًا لا يستطيع مواكبة الحاضر وتغيراته؛ لأنه إن فعل فسوف يخرج عن الشخصية التي يحذو حذوها. يظل حبيس زمن سوف يندثر، ولا يلتفت إليه أحد، مخالفًا بذلك طبيعة الحياة وسُنَّتها. هنا يبدأ في استقبال دواعي الفشل، ويهزمه الإحباط، ويدرك متأخرًا أنه لم ينجز أو يأتِ بما يخص ذاته واسمه، وإنما كان مجرد داعم لشخص آخر ونتاجه، وترسيخ تاريخه وشهرته ورفع مكانته؛ وبالتالي فهو مجرد أداة لإظهار الآخر وإبرازه.
لذا دائمًا ما ينطفئ من يمتهن التقليد سريعًا؛ فلا يكون معروفًا بشخصه، بل بما قام به وما قدمه من تقليد وحسب. وعندما يكف عن هذا التقليد ويتوقف عنه، يتكبل بالضياع ومشقة الظهور من جديد، ويفقد التوازن ويعيش التيه. وإن حاول المضي بشكل آخر، لا يجرؤ؛ كونه فقد سمات فكر وشعور لا تُسترد، وهنا يكون قد خالف سُنَّة الحياة.
وهو بذلك يقسو على نفسه، ويهضم حقها في حياة خُلقت له، ليعيش بفكر هويته وطباعه، وليتصرف كما يشعر ويريد، وليس بشخصية أخرى تطمس هويته.
المبدعون حقًّا هم من لهم فن وإبداع وبصمة لا تُنسى؛ الذين كانوا هم بذواتهم وفكرهم وعاطفتهم، ولم يتلبسوا بالنقيض أو المشهور والمعلوم كي يكونوا مثلهم، بل رسموا خط سيرهم بكل حرفية، وبذلوا الجهد والتعب، وخاضوا تجارب عدة، حتى نقشوا أسماءهم بما قدموا؛ كونهم يستحقون ذلك، فتميزوا.
بالتقليد تتكرر الموضوعات والأعمال، وقد يطالها التحريف، ويتجاوز ذلك إلى الظلم وهضم حقوق مَن تم تقليده، ظنًّا من المقلد أنه أبدع وأجاد.
ولهذا ترى المقلدين يتفحصون بعناية الموضوعات الرائجة في زمنهم، التي تشغل بال الجمهور وتتداولها الصحف ومواقع التواصل؛ فإلى هذه الموضوعات يتوجهون، ناسين أو متناسين أن المبدع الحقيقي لم يكن يكتب من أجل أهل زمانه فحسب، بل يكتب دائمًا ليخاطب الإنسان في كل زمان.
وهذا هو أيضًا الاختلاف بين العبقري المبدع وغيره ممن يمارسون الإبداع من دون أن تكون لديهم موهبة حقيقية؛ فهؤلاء تكمن موهبتهم في اقتفاء مصالحهم الخاصة التي يبلغونها من خلال مسايرة المطلوب والمرغوب والرائج.
إن المبدع الحقيقي يكون عمله لكل الأزمنة والعصور؛ ومعنى هذا أن المقلدين يكونون موهوبين في إرضاء ميول الناس وحاجاتهم في عصرهم وإشباعها، وهي ميول وحاجات تصنعها المتغيرات والظروف التاريخية والثقافية في مرحلة زمنية ما؛ ولهذا فإنهم غالبًا ما ينالون الرضا في زمنهم، بل ينظر إليهم العوام باعتبارهم مبدعين. ولكن الزمن سرعان ما يطويهم حين يتغير مزاج العصر، فلا تصبح أعمالهم ممتعة بالنسبة إلى الجيل التالي، بل تحل محلها أعمال أخرى تُرضي الأذواق الجديدة، ولكنها لا تدوم بدورها. أما أعمال العباقرة، أو المبدعين الحقيقيين، فإنها تتجاوز عصرها لتبقى عبر الأزمنة، حتى إن لم تنل اعترافًا أو تقديرًا في عصرها الراهن.
** **
- آمال سعد جبران الغامدي