عادةً ما تتوجّه الأسئلة إلى الأديب عن الأدب، وإلى المثقف عن الثقافة، وإلى القاص عن القصة: كيف كتبها؟ ومن أين جاءت فكرتها؟ وما الذي أراد قوله من خلالها؟ لكنني، مع اقتراب الدورة الأولى من ملتقى نالا للسرد، الذي تنظمه جمعية آداب وفنون السرد، وتخصصه للقصة القصيرة، وجدتني راغبةً هذه المرة في تغيير جهة السؤال، وألّا أسأل القاص، إنما أتوجه بالسؤال إلى القصة نفسها وأسألها:
ما الذي تفعلينه في ملتقى؟
ربما بدا السؤال غريبًا في ظاهره؛ فالقصة نصٌّ يُكتب ويُقرأ، وليست كائنًا يجيب عن الأسئلة. لكن الأدب علّمنا أن الأشياء التي نصنعها بالكلمات قد تعيش أطول منا، وأن النص حين يغادر يد كاتبه يبدأ حياة أخرى في أيدي قرائه. ولعل تخصيص الدورة الأولى من ملتقى نالا للسرد للقصة القصيرة، وحملها اسم أحد روادها، القاص الراحل محمد علي علوان - رحمه الله -، يعزّز هذا المعنى؛ فالقاص يغيب، بينما تبقى قصصه قادرة على استدعائه، وعلى إعادة صوته وأسئلته ورؤيته للحياة إلى أجيال لم تلتقه.
ومن هنا تخيلتُ القصة شاخصةً أمامي، يمكن أن أسألها قبل أن أسأل القاص نفسه. وقفت بعيدًا قليلًا، لأسمع جوابها، علّ في ذلك الجواب ما يتجاوز الحضور المجرّد لملتقى ثقافي إلى سؤال أبعد عن موقع الأدب ودوره في الحراك الفكري والثقافي، خصوصًا في زمن طغت عليه السرعة، واختلط فيه السرد أحيانًا بأشباه الحكايات العابرة؛ تلك التي تولد في لحظة، وتُستهلك في لحظة، ثم تختفي قبل أن تترك أثرًا في الذاكرة.
فما الذي يمكن للقصة القصيرة أن تفعله اليوم؟
ربما كان جوابها الأول: أن تستعيد قدرتنا على التوقف.
فالقصة، على قصرها، ليست ابنة العجلة. إنها فن الاختزال، لا الاستعجال؛ وفن التكثيف، لا الاختصار. وبين الأمرين مسافة كبيرة. إنها تستطيع أن تأخذ لحظة صغيرة من حياة إنسان عادي، وتضعها تحت ضوء مختلف، فإذا بتلك اللحظة التي مررنا بمثلها مئات المرات تكشف عن معنى لم ننتبه إليه من قبل.
ولهذا فإن القصة لا تختزل الحياة بقدر ما تلتقط أكثر لحظاتها كثافة. وربما كانت تلك إحدى المفارقات الجميلة فيها: مساحة صغيرة قادرة على احتواء عالم كبير.
وحين تحضر القصة إلى ملتقى، فإنها لا تأتي وحدها. يأتي معها كاتبها، وذاكرة زمنها، والمكان الذي وُلدت فيه، والشخصيات التي عاشت بين سطورها، والأسئلة التي تركتها مفتوحة. ويأتي معها أيضًا قارئ لم يكن حاضرًا لحظة كتابتها، وناقد يراها بعين أخرى، وقاص جديد قد يجد فيها بداية لطريق لم يكن يعرفه.
وهنا تنشأ بين القصة والقاص مساحة ثالثة يصنعها الملتقى: مساحة القراءة والحوار والنقد.
في هذه المساحة تغادر القصة كتابها لتدخل في وعي قارئ جديد. وحين يحدث ذلك، فإنها لا تعود تمامًا هي القصة التي كتبها مؤلفها؛ لأن كل قراءة تضيف إليها احتمالًا، وكل سؤال يفتح فيها نافذة، وكل تأويل يكشف طبقة ربما لم يفكر فيها الكاتب نفسه لحظة الكتابة.
ولعل هذا ما يجعل الملتقيات الأدبية ذات معنى أبعد من اجتماع عدد من الأدباء والنقاد في مكان واحد؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد المقاعد المشغولة، ولا في كثرة الكلمات التي تُقال، وإنما في الأسئلة التي تبقى بعد انتهاء الجلسات.
وهنا يأتي أول حضور حقيقي للقصة في الملتقى: الدهشة الجمعية.
تلك اللحظة التي يجتمع فيها عدد من القراء حول نص واحد، ثم يكتشف كل منهم قصة مختلفة داخله. أحدهم يقرأ المكان، وآخر يلتقط التحول الاجتماعي، وثالث ينشغل باللغة، ورابع يرى في الشخصية سؤالًا إنسانيًا أكبر من الحكاية نفسها.
ومن هذه الدهشة تبدأ القصة حياة أخرى.
فكل قراءة عين جديدة ترى في النص ما لم تره العين السابقة، وتقترب من المسكوت عنه، وتخلق له معاني ربما لم تنل حظها من النظر من قبل. وبذلك لا يكون النقد هامشًا على القصة، وإنما يصبح أحد أشكال استمرارها؛ لأن النص الذي لا يستدعي سؤالًا، ولا يحتمل قراءة جديدة، قد ينتهي بانتهاء صفحته الأخيرة، أما النص الحي فيظل قادرًا على أن يُقرأ مرة أخرى بطريقة مختلفة.
وهنا أفهم لماذا يمكن لقصة كتبها محمد علي علوان قبل عقود أن تعود اليوم إلى قاعة حديثة في الرياض، ويجتمع حولها نقاد وقاصون وقراء ينتمون إلى زمن مختلف. لقد تغيرت المدينة، وتغير المجتمع، وتغير القارئ، وربما تغير مفهوم القصة نفسه، لكن النص الجيد يمتلك قدرة عجيبة على عبور هذه التحولات.
وهذا هو المعنى الأعمق للخلود الأدبي: ألّا يبقى اسم الكاتب مكتوبًا على غلاف كتاب فحسب، وإنما أن تظل كتابته قادرة على إنتاج الأسئلة بعد رحيله.
القصة، بهذا المعنى، تبدأ حياة جديدة كلما وجدت قارئًا جديدًا. وقد يعيش الإنسان لحظة واحدة مع قصة، أو يسمع عنها في جلسة، أو يلتقط جملة منها، فتفتح في داخله بابًا ظل مغلقًا سنوات.
ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال عن ملتقى القصة القصيرة: كم جلسة سيقيم؟ وكم قاصًا سيستضيف؟ وكم ورقة نقدية ستُقدَّم فيه؟ على أهمية كل ذلك. السؤال الأجمل هو: ما الذي سيتغير في نظرتنا إلى القصة بعد أن ينتهي الملتقى؟
هل سنقرأها بعين أخرى؟
هل سنعيد اكتشاف أسماء مرت سريعًا في ذاكرتنا الأدبية؟
هل سيذهب قارئ شاب، بعد إحدى الجلسات، ليبحث عن مجموعة قصصية لكاتب لم يقرأه من قبل؟
وهل سيعود قاص إلى نصه، بعد حوار أو مداخلة أو قراءة نقدية، فيراه بطريقة لم تخطر له وهو يكتبه؟
إذا حدث شيء من ذلك، فإن القصة تكون قد فعلت ما جاءت من أجله.
ومن هنا تأتي أهمية الجهود التي تبذلها جمعية آداب وفنون السرد (نالا) في جمع القاص والناقد والقارئ تحت سقف واحد، وفي إعادة القصة القصيرة إلى واجهة السؤال الثقافي، بوصفها فنًا أدبيًا قادرًا على التجدد ومساءلة حاضرنا أيضًا.
وحين أعود إلى سؤالي الأول: ما الذي تفعله القصة في ملتقى؟
أجد أن السؤال ربما كان مقلوبًا منذ البداية.
فالقصة لا تأتي إلى الملتقى لكي تكون ضيفته، ولا تحضر لتجلس إلى جوار القاص والناقد والقارئ. إنها تأتي لتجمعهم حولها، وتدفعهم إلى الاختلاف والتأويل والسؤال، ثم تترك لكل واحد منهم شيئًا يأخذه معه بعد أن تنطفئ أضواء القاعة.
القصة، في النهاية، لا تحضر الملتقى؛ إنها التي تصنع معناه.
أما جمعية آداب وفنون السرد، وهي تفتتح بهذا الملتقى فصلًا جديدًا من حضور القصة القصيرة، فلعلها لا تنظّم تظاهرة ثقافية فحسب؛ إنها، في جانب آخر من المشهد، تكتب قصتها هي أيضًا… قصةً ما تزال في صفحاتها الأولى.
** **
- عفاف أحمد