نحاول دومًا أن ننظر إلى الأمور بنظرة حرّة متخلية عن كل تحيّز وحكم مسبق، نحاول أن نكون موضوعيين في رؤيتنا للأشياء، وفي تعاملنا مع الأشخاص. نحاول أن نضع تحيزاتنا جانبًا لنتمكن من النظر إلى الأمور بتجرّد، والحقيقة أننا لا يمكن أن نتخلّى عن تحيزاتنا.
نحن مليؤون بالتحيز (المعرفي والثقافي والفكري والعرقي)، كل تصرف بسيط نقوم به، وكل فكرة تمر علينا تحمل تحيزًا من نوع ما، قد يكون هذا التحيز بسيطًا ليس له أي أثر، وقد يكون تحيزًا يحجب عنا رؤية أشياء مهمة.
نولد داخل معرفة سابقة علينا: لغة، وثقافة، ومفاهيم جاهزة، وصور عن العالم. لا نبدأ من الصفر، ولا ننظر للمرة الأولى حينما ننظر إلى الشيء أول مرة. نحن نعرف قبل أن نعرف، ونحكم قبل أن نحلّل، ونصنّف قبل أن نفهم. ثم نسمّي ذلك كله «معرفة».
كل معرفة نملكها هي معرفة مبنية على معرفة سابقة، وإن كنّا متحيزين في الحكم على معرفتنا حينما نظن أنها منتهى ما يصل إليه الإنسان، فكيف يمكن أن نجعلها تحكم حياتنا؟
نبدأ حياتنا بمعارف وأفكار ساذجة: «العالم مثالي»، «لكل مجتهد نصيب»، «الخير ينتصر دائمًا»، وحينما نتعرض لما يخالف هذه الأفكار، نظن أنه خطأ نادر الحدوث، لكنه يتكرّر مرتين وثلاثًا حتى نصل إلى فقدان هذه السذاجة، وننتقل إلى معتقدات مختلفة.
نحكم على الأشياء بطريقة معينة، نصنّفها ونرتّبها في أذهاننا، ونظن أننا نمتلك الخبرة الكافية لهذه الأحكام التي نطلقها، وأننا وصلنا إليها بعد تجارب أعطتنا مخزونًا معرفيًا يمكّننا من النظر إلى الأشياء. والحقيقة أننا ممتلئون بالتحيزات التي تتحكم بأحكامنا وتصنيفاتنا دون أن ندرك ذلك.
كل اختيار نختاره هو تحيّز، كل إهمال لشيء ما هو تحيّز. التحيّز قوة تفرض نفسها على التفكير وعلى الخيال وعلى الخيارات وعلى كل شيء.
أي شيء نراه أو نتعرض له يخضع لتحيزاتنا التي نحملها. نحن لا نرى الأشياء كما هي، بل كما تعلّمنا أن نراها، نرى ما يسمح به إطارنا المعرفي، ونغفل عمّا يقع خارجه. يقول نيلسون غودمان: «لا توجد عين بريئة»، أي لا يوجد شخص يمكن أن ينظر إلى الأمور كما هي فعلًا، بل إن نظرتنا إلى الأشياء تحكمها المعرفة المتراكمة داخلنا.
الإنسان معياري بطبعه، كما قال كاسيرر، أي إنه يطلق الأحكام – ولو بشكل غير واعٍ – على كل شيء. لا نحب أشخاصًا رغم أننا نلتقيهم للمرة الأولى، ونرتاح لأماكن رغم أننا نزورها أول مرة، ونشتري أشياء لا نحتاجها لأننا «نشعر» أنها يمكن أن تفيدنا مستقبلًا. كلها معايير وضعناها بناءً على معرفة واعية ولا واعية، ولا ندرك أنها معايير مبنية على تحيزات.
من أوضح الأمثلة على التحيز، أننا حينما نحب أحدًا، لا نرى عيوبه، ونتقبل منه ما لا نتقبله من غيره، يشهد على ذلك الشعر:
وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ
ولكنَّ عينَ السخطِ تُبدي المساويا
وتشهد على ذلك الثقافة الشعبية أيضًا، يقول المثل الشعبي: «إن حبتك عيني، ما ضامك الدهر». إن أحببنا أحدًا لم نر عيوبه؛ لأننا ممتلئون بالتحيز له.
تدخل التحيزات في التفسيرات كذلك، كم موقف فُسّر على أنه خطأ ولم يكن خطأ؟ كم من موقف فُسّر على أنه اعتراض ولم يكن اعتراضًا؟ كم من موقف فُسّر على أنه اعتذار ولم يكن اعتذارًا؟ وكم من موقف فُسّر، وهو في حقيقته لا يحتمل أي تفسير؟ كل تفسير يُبنى على نية مفسره، وأسلوبه، وشخصيته، و«تحيزاته».
يقال إن الحياد وهم، لا يوجد حياد كامل. ويُقال: «ليست هناك معرفة بريئة»، كل ما نعرفه لا نعرفه هو فقط، بل نربطه بكل ما هو في أذهاننا من أفكار ومعارف، مما يشكل تحيزات كثيرة.
التحيز ليس صفة للجاهل فقط، فالجهل يجعلنا نتحيز دون سبب، لكن المعرفة تجعلنا نبرهن ونؤكد هذا التحيز، ونلبسه لباس الحقيقة، ونجعله يرتدي ثوب المعرفة.
حين نزعم الحياد التام، فإننا نخفي تحيّزنا بدل أن نواجهه. نُلبسه لغة علمية، أو أرقامًا، أو مصطلحات محايدة، ونقدّمه بوصفه حقيقة مطلقة. ننسى أن كل معرفة تُولد من زاوية، ومن تجربة، ومن لغة، ومن سياق.
ليست المشكلة في أن نملك تحيزات، فهي موجودة بالضرورة، ولا يمكن الانفكاك عنها، وهي جزء من كوننا بشرًا، إنما تنشأ المشكلة حينما نجهل أننا نمتلك تحيزات، حينما لا ندرك أن قراراتنا وأحكامنا مبنية على تحيزات قد لا تكون صحيحة. حينما تتحول هذه التحيزات إلى يقين، يوهم المرء بأنه يعرف كل شيء ويفهم كل شيء، ويرى الصورة كاملة. لا أحد يرى الصورة كاملة. كل رؤية هي زاوية فقط، ولا أحد يمتلك الرؤية الكاملة.
لو طلبت منك أن تذكر كل ما هو موجود في مجال رؤيتك الآن، فستذكر كل الأشياء التي تراها، لكنك ستغفل «أنفك» رغم أنه يحتل جزءًا من رؤيتك، جزءًا دائمًا، لكنك تغفل ذكره لأن الدماغ يعطيك أمرًا بتجاهل وجوده في مجال الرؤية، ويختار أن يحذفه من وعيك، وهكذا بقية الأشياء، قد نتجاهلها دون وعي، أو بأمر من الدماغ، أو بأمر من تحيزاتنا، لكننا لا ندرك ذلك.
يصعب أن ندرك الأشياء دون تحيز، ويصعب أن نتجنب تحيزاتنا حينما نحكم على الأشياء، ويصعب أن نعرف تحيزاتنا. لكن العقل الواعي ليس ذلك الذي يخلو من التحيز، وإنما الذي يدرك وجوده، ويشكك في مسلّماته، ويمنح الأفكار المخالفة فرصة عادلة للظهور.
** **
- د. عبير علي الجربوع