لا يزال الخلاف قائمًا حول ما إذا كان الطبخ - الذي ينتج الروائح إلى جانب الطعم ـ وصناعة العطور يندرجان ضمن الفنون أم لا. وعلى الرغم من هلامية حدود الفن واستعصائه على التعريف الجامع المانع، فإن بعض النقاد يشترطون في العمل الفني ألّا تكون له وظيفة أخرى غير كونه فنًّا. الفن يراوغ التقعيد؛ فهو بين من يرى أن الفن مرتبط عضويًّا باللذة الجمالية والتناغم، وبين من يرى نقيض ذلك تمامًا في حركة الفن المضاد للجمال، التي تستهدف تحدي المتلقي وإزعاجه واستثارة الذهن الواعي الإرادي، مقابل الاستقبال الشعوري الجمالي الذي يستهدف اللاوعي أكثر من الوعي، وبين من ينحو بالفن، ليس نحو الجمال، بل نحو التعبير، وبين غير هؤلاء جميعًا.
على أي حال، كان مارسيل دو تشامب أحد أرباب الفن المفاهيمي، هذا الذي لن يعرفه أغلب القراء من خلال اسمه، بل قد يعرفونه عبر قطعته الفنية الشهيرة المعنونة بـ«نافورة»، التي أتى فيها بمبولة ووقّعها باسم مستعار، ثم طلب عرضها في معرض جمعية نيويورك للفنانين المستقلين عام 1917م.
وعلى الرغم من رفض طلبه وقتئذ، فإن قطعته تلك شقت طريقها في العقود التالية، حتى غدت أحد أبرز الأعمال الممهِّدة لظهور الفن المفاهيمي في مقابل الفن الجمالي. واستمر دو تشامب في ابتكاراته حتى بات أحد رواد فن التركيب، ومن قطعه الفنية إحدى أوائل القطع الفنية الشمية في العصر الحديث، حيث أتى بزميله السريالي الشاعر ليحمّص القهوة، فتتطاير رائحتها في المعرض الدولي للسريالية عام 1938م.
الشم قابل لصنفَي الفن: الفن المتعدد الوسائط، مثل السينما والمسرح والأوبرا، والفن الأحادي، مثل الرسم والموسيقى والنحت، على الرغم من خفوته التاريخي والمعاصر في كليهما. فإذا ما تأملنا السينما، وجدناها بدأت، أول الأمر، في نهاية القرن التاسع عشر صورًا متحركة بالدرجة الأولى، وكان الخط الصوتي فيها ثانويًّا؛ فهي لم تكن مقرونة بصوت متزامن في أصل التسجيل، وإنما قد تصاحبها موسيقى أو سرد راوٍ. تغير ذلك عام 1927م في فيلم «مغني الجاز»، حين قُرنت الصورة بصوت مسجل، وأصبح الحوار ممكنًا في السينما.
وكما بدأت الأصوات بدائية نوعًا ما في السينما، جُرّبت الروائح فيها منذ عام 1906م على أقل تقدير، لكن استخدام الروائح المضبوطة في أوقات معينة بدأ في الخمسينيات الميلادية، حين طُوّر نظام تقني شمي باسم Smell-O-Vision، اعتمد على ضخ الروائح في صالة السينما في أوقات محددة، بحيث يتيح للمتلقي شم ما يحدث. استُخدم هذا النظام مرة وحيدة في فيلم «رائحة الغموض» (The Scent of Mystery) عام 1960م، ليشيع ثلاثين رائحة منبعثة من أسفل مقاعد صالة السينما. وفي فيلم آخر، وُزعت ظروف «اكشط وشم» على المتفرجين، حيث يُطلب منهم الكشط والاستنشاق في أوقات محددة من الفيلم.
كانت محدودية التقنية السبب الرئيس في العمر القصير لهذه المحاولات؛ فما كان بالإمكان آنذاك ضبط المساحة والوقت اللذين تنتشر فيهما الرائحة دون تجاوز، بل حدث أن التصقت الرائحة بملابس بعض المتلقين حتى بعد عودتهم إلى منازلهم في المحاولات الآنفة الذكر. ولا تزال المحاولات التجارية لدمج الشم في السينما قائمة، وإن على استحياء؛ ففي عام 2009م طورت شركة كورية تقنية 4DX لتقديم تجربة سينمائية متعددة الحواس، تضمنت اهتزاز المقاعد، وبث الدخان وبعض الروائح، لكن جزء الروائح خرج باهتًا وثانويًّا وغير محكم، مما أزعج كثيرًا من المتلقين، الذين رأوا أنها تجربة مشتتة ومزعجة.
فالتقنية الشمية لم تتطور بعد إلى مرحلة كافية لتطويعها بدقة عالية وضبط محكم؛ فالأمر لا يقتصر على كيفية إيصال الرائحة فحسب، بل يشمل كيفية إيصالها بدرجة التركيز المبتغاة، والتحكم في صعودها وخفوتها، والتحكم في الملاحة الجغرافية للرائحة: أين يجب أن تكون مكانيًّا؟ وبأي تركيز؟ ومع أي من الروائح الأخرى؟ مقابل وجودها بتركيز مختلف مع تركيبة أخرى في مكان آخر في اللحظة نفسها. هذا ناهيك عن عملية «التعويد»، وعن حقيقة أن الروائح معدومة الاتجاه الدقيق في الغالب الأعم، بخلاف الصوت والصورة؛ فأنت حين تشم رائحة لا تستطيع أن تعرف من أي جهة صدرت إلا بتحريك جسدك وأنفك بحثًا عن ارتفاع تركيزها لتستدل على مصدرها، إلا إن عرفت مصدرها عبر حاسة أخرى، كأن ترى مكان الشيء مصدر الرائحة.
الأصوات في السينما صنفان: أصوات تنتمي مصادرها إلى عالم الفيلم، مثل حوارات الشخصيات، وأصوات الحيوانات، وارتطام الأمواج، وما إلى ذلك؛ وأصوات لا تنتمي مصادرها إلى عالم الفيلم، مثل الموسيقى التصويرية، التي تستهدف التأثير في تلقي المشاهد. ومن المهم لفت النظر إلى أن الموسيقى التصويرية قد تكون مصيرية في عملية التلقي؛ فحين يشاهد المتفرج مشهد قائد عسكري يحرق قرية بأكملها، سيتغير تلقّي المشهد حين يكون مصحوبًا بموسيقى راقصة فرائحية عما إذا كان مصحوبًا بموس يقى حزينة.
ويصح تقسيم الشم في السينما، إذا ما عُمّم، إلى هذين الصنفين كذلك: صنف الروائح الحكائية التي تنتمي مصادرها إلى عالم الفيلم، والروائح غير الحكائية التي لا تنتمي مصادرها إلى عالم الفيلم: «الروائح التصويرية»، إن صح التعبير. وكلاهما، بزعمي، سيكون مثريًا وجوهريًّا، فيمثّلان بُعدًا ثالثًا في السينما.
تخيل مشهدًا سينمائيًّا يقدّم عجوزًا هَرِمًا يتناول من ثلاجته طعامًا ليأكله، ويمضي في ذلك حتى ينتهي دون أن يمتعض أو يشمئز؛ سيتغير معنى المشهد إذا ما كان مصحوبًا برائحة عفن الطعام، على أن العجوز لم يشمها بسبب هرمه وخرفه. أو مشهد زوجين نائمين بوداعة بينما تتعاظم رائحة غاز الطبخ! هذه أمثلة لروائح حكائية تنتمي مصادرها إلى عالم الفيلم. الرائحة هنا تضفي معنى أو تعدّله، بل وتغيره أحيانًا؛ فهذا التأثير سردي تمامًا.
بينما تستهدف الروائح التصويرية توسيع المعنى بطريقة لا تتأتّى من ضمن حدود المشهد، وقد يختار المخرج أن تكون متجانسة مع المشهد، أو قد يستخدمها استخدامًا غير متجانس ليفتح تأملًا على معنى آخر لا ينفتح إلا بهذا التأثير غير الحكائي. إلا أن الروائح التصويرية تواجه عدة صعوبات، ليست تقنية فحسب، بل ذهنية أيضًا؛ منها ارتفاع احتمال تشتيت ذهن المتفرج، لأن الروائح أدعى إلى استدعاء الذاكرة والعاطفة من الموسيقى، فهي تنطوي على مجازفة عالية بتركيز المتلقي، قد تزيحه عن السرد العام لينغمر في ذكرياته أو عواطفه الشخصية المستقلة عن الفيلم.
والمشكلة الأخرى هي كيفية تمييز المشاهد بين الرائحة التصويرية والرائحة الحكائية؛ فلو كان هناك مشهد ولادة طفل مصحوبًا برائحة الكافور، فسيتساءل المشاهد، دون جواب، إن كانت هذه الرائحة ضمن السرد، تشمها الشخصيات السينمائية، حتى لو لم تتفاعل معها، ربما بسبب وجود حانوتي ضمن العائلة أتى لتوّه من عمله، أو أنها رائحة تصويرية أرادها المخرج ليفتح معنى ما.
ولم يكن المسرح خاليًا من الروائح، وإنما استُخدمت فيه منذ عصر الإغريق القدماء على أقل تقدير. ومن أبرز هذه المحاولات في بدايات العصر الحديث عرض ساداكيتشي هارتمان «رحلة إلى اليابان في ست عشرة دقيقة»، الذي قُدّم في نيويورك سنة 1902م، إذ قرأ هارتمان نصًّا بينما كان شخصان يرقصان على المسرح، وتخلّل العرض بث ثماني روائح متلاحقة ترمز إلى أماكن مختلفة: فرائحة اللوز لجنوب فرنسا، والبرغموت لإيطاليا، وخشب الأرز للهند، والقرنفل لليابان.
لكن فيولين دي كارن هي التي تمكنت، عام 2012م، من تقديم إحدى أنضج التجارب في المسرح الشمي عبر مسرحية «عطور الروح»، مقدمةً ثلاث عشرة شخصية، كل شخصية منها عبارة عن رائحة معينة، مازجةً كل شخصية/رائحة ببعض السرد اللفظي من المؤلفة نفسها، وموسيقى، ومناظر جمالية بصرية في خلفية المسرح.
أُلهمت المؤلفة هذه المسرحية إثر زيارتها للمرضى المنوّمين في المستشفى، وملاحظتها استخدام الروائح من قبل بعض الأطباء في محاولة لاستثارة الذاكرة لدى ذوي الإصابات الدماغية. وكانت حبكة المسرحية تدور حول مؤسسة مستقبلية توفر للثكالى تقنية صناعة روائح الأحباب الذين رحلوا عن الدنيا، بناءً على رواسب روائحهم في ملابسهم. وكان سبعة أفراد في غرفة الانتظار يتناوبون في سرد قصصهم، وبين حين وآخر تبدو صورة الراحل المتحدَّث عنه في الخلفية أو يُبث صوته. كانت امرأة تحاول التواصل مع جدها الميت، ورجل يحاول استعادة معشوقته أوفيل التي اختفت من حياته فجأة بلا أثر.
والفن الشمي منفتح على تعدد الثيمات؛ ففي عام 2008م قام البلجيكي بيتر دي كوبير بعمل فني تركيبي شمي بعنوان «فيروس كرات شجرة الفلفل المكررة»، حيث أقام خيمة بداخلها كرة ضخمة من النعناع الفلفلي، وجعل فوق هذه الكرة شجرة قديمة تنمو على أغصانها طفيليات - عبارة عن كرات مصغرة من النعناع الفلفلي ـ تشبه طفيليات الدبق التي تنمو على النباتات. وما إن يدخل المتلقي الخيمة حتى يبكي من شدة كثافة رائحة النعناع الممزوجة بالفلفل الأسود! ويندرج هذا العمل ضمن ثيمة الرعب.
ثم قدّم ستيوارت ماثيو، عام 2009م، إحدى ذروات الأعمال الفنية الشمية بعنوان «الآريا الخضراء: أوبرا شمية» في متحف غوغنهايم في نيويورك. وما فعله ستيوارت هو أنه قدّم في البداية، على شاشة المسرح، أسماء لشخصيات مصحوبة بنوتات شمية معينة ونوتات موسيقية ما؛ شخصيات «الهواء المنعش» و«الفوضى» و«الصناعة» و«الصهارة/الحمم» و«المعدن الخام»، وعددًا من الشخصيات التي تحوم حول اللون الأخضر.
بعد هذا، أُطفئت الأضواء في تغييب متعمد للوسائط البصرية، ثم عُرضت النوتات الشمية والموسيقية في تعاقب يشي بتعاقب معانٍ: إفساد التقنية والصناعة للطبيعة حتى تسود الفوضى، إلى أن تقوم إحدى شخصيات اللون الأخضر، في النهاية، بالملاءمة بين الطبيعة والتقنية بوصفها «حل العقدة» السردية. ثم عُرضت كل رائحة منفردة، لتتلقى الشخصي ات الشمية تحية الجمهور، في محاكاة لإسدال الستار المسرحي. قد تبدو الحكاية في ذاتها مألوفة، لكن وسيطها الفني ليس كذلك البتة؛ فكان العرض ناجحًا على المستويين التقني والفني، بشهادة المتلقين الذين وجد كثير منهم أن الروائح والموسيقى حسنة التناسق ومثيرة للاهتمام، في استبيان تلي العرض.
كتب ستيوارت بداية القصة، ثم استعان بكريستوف لادومييل لصناعة الروائح، وبعد الانتهاء من هاتين المرحلتين أُضيفت الموسيقى. بذل كريستوف جهده حتى انتهى إلى ابتكار أنابيب لبث الروائح، شبيهة في هيئتها بالميكروفونات، لكنها تبث الرائحة بدلًا من استقبال الصوت. فقد حَسَبَ المدة الزمنية المستغرقة لدورة التنفس من شهيق وزفير، وهي ست ثوانٍ، فوازن الأمر كالتالي: تنبعث الرائحة المطلوبة في ست ثوانٍ، ثم يُبث هواء خالٍ من الروائح لمدة ثانيتين لإزاحة بقايا الرائحة السابقة، ثم تنبعث الرائحة التالية في ست ثوانٍ، وهكذا. وتمكّن من إيصال عشرات الروائح في وقت لا يتجاوز نصف ساعة.
والبلجيكي بيتر دي كيوبير، الذي ذكرناه آنفًا في عمله الذي أدمع فيه أعين المتلقين، اخترع آلة «الأولفاكتيانو» (Olfactiano)، وهي شبيهة بالبيانو، لكنها تبث الروائح بدلًا من الأصوات. وقد صمّم هذا المشروع ليكون قادرًا على بث ست وعشرين رائحة، ليماثل عدد حروف الأبجدية اللاتينية الأساسية؛ رائحة لكل حرف، تتألف منها مقطوعات شمية تتراوح مدتها بين 7 و15 دقيقة لكل مقطوعة.
ثم كشف الفنان النمساوي ولفغانغ جورجسدورف عن جهازه «عضو الرائحة – الشام 2» في النمسا، بوصفه نسخةً محدثةً من نموذج سابق. ومن خلاله استطاع تقديم سرد شمي خالص بعنوان «الإكمال المؤتمت: سينوسمي». و«سينوسمي» بديل لغوي أكثر مناسبة من ناحية الجذور اليونانية مقارنة بمصطلح «السيمفونية» المسكوك للأصوات ابتداءً. قدّم ولفغانغ مقطوعة متواصلة مكوّنة حصرًا من الروائح المتعاقبة والمتناغمة، تجاوزت خمسين دقيقة، على أن الهواء يُستبدل كليًّا مرتين كل دقيقة لضبط التحكم في الروائح، فلا تتراكم الرائحة ولا يبقى ذيلها إلا في الذهن.
بعد هذا، لا يعود السؤال الأبرز: هل تصلح الرائحة لأن تكون فنًّا؟ فقد أجابت التجارب السابقة عن هذا السؤال، حين ثبت أن الروائح قابلة للانتقاء والتركيب والتعاقب والتضاد، وأنها تستطيع أن تحمل شخصية، وتؤسس مكانًا، وتستدعي زمنًا، بل تنشئ سردًا له استهلاله وعقدته وخاتمته. إنما السؤال الأجدر بالتأمل هو: لماذا تأخرنا في الاعتراف بفنّية الرائحة؟
ولعل مردّ ذلك أن تاريخ الفن كُتب في معظمه بعين ترى وبيد تصنع أثرًا باقيًا؛ لوحةً تُعلّق، أو تمثالًا يستقر، أو نصًّا يُستعاد. أما الرائحة فلا تمنحنا شيئًا نقبض عليه؛ إنها لا تستقر في إطار، ولا تحتمل الوقوف أمامها طويلًا، بل تدخل الجسد ثم تنسحب منه، ولا يبقى منها إلا أثرها في النفس. وكأن هشاشتها المادية حجبت عنا قدرتها التعبيرية.
لكن التلاشي لا ينفي عن الفن فنيته، بل قد يكون بعض جوهره؛ فالموسيقى كذلك تنقضي نغماتها لحظة صدورها، والمسرح يموت بانتهاء عرضه، ومع ذلك يبقى كلاهما في الذاكرة بما أحدثه، لا بما أبقاه من مادة. ولعل الفن الشمي يدفع هذه الحقيقة إلى مداها الأقصى؛ فلا يكتفي بأن يعبر في الزمن، بل يعبر في الهواء والجسد معًا، فتغدو عملية التنفس نفسها جزءًا من التلقي، ويصبح المتلقي حاملًا للعمل الفني في داخله، ولو للحظات. والرائحة، بخلاف الصورة والصوت، لا تقف على مسافة من الإنسان، وإنما تتسلل إليه وتخالط أنفاسه.
هنا تكمن قوة الفن الشمي ومجازه الكبير: إنه فنّ لا يترك أثره في المكان بقدر ما يتركه في الإنسان. وحين تُؤلَّف الروائح على نحو يمنحها معنى، لا يعود الهواء فراغًا يفصل بين العمل ومتلقّيه، بل يصبح هو الوسط الفني نفسه؛ يحمل الشخصيات والأمكنة والذكريات، ويتعاقب فيه المعنى كما تتعاقب الجمل والنغمات. عندئذ لا نشمّ العمل الفني فحسب، بل نصغي إلى بلاغةٍ لا صوت لها؛ وحين يغدو الهواء ساردًا، تكون الأنفاس هي القراءة.
** **
- د. سلام محمد رضا نصرالله