منذ أن بدأتُ الاطلاع على «الأعمال الكامنة» للراحل محمد علي علوان، وجدتني أقرأ مجموعة من القصص التي استُعيدت من ذاكرة النشر، وبعضها لم يسبق له النشر، فأدخل معها إلى عالم كاتب ما زالت كلماته تحتفظ بحرارتها، وما زالت شخصياته تمشي في الطرقات القديمة، وتجلس في البيوت، وتصغي إلى أحاديث الناس، وتلتقط من التفاصيل الصغيرة ما يكفي لصناعة حكاية كبيرة.
نقرأ من خلالها محمد علوان القاص، ونستعيد محمد علوان الإنسان، وندرك أن الكاتب حين يترك أثرًا صادقًا في اللغة والذاكرة يظل حاضرًا، وإن تغيّر شكل حضوره.
وأحسب أن الوفاء الحقيقي للكاتب الراحل يكون بالعودة إلى ما كتبه، والإنصات إلى صوته كما أراد له أن يصل إلينا. فالنص هو السيرة الأخرى للأديب؛ السيرة التي تؤرخ للروح، وتحفظ الأسئلة التي شغلت صاحبها.
ومن يقرأ قصص محمد علوان يلحظ انشغاله بالإنسان في ضعفه وقوته، وفي أحلامه وارتباكه أمام الحياة وتحولاتها. فالإنسان العادي عنده يحمل من الأسرار والحكايات ما يكفي لبناء عالم كامل.
لهذا يمكن لعبارة قصيرة أن تفتح سؤالًا وجوديًا واسعًا، كما في قصة «سؤال»:
«إذًا، حتى هذه اللحظة لستُ حرًّا؟».
سؤال يظل قادرًا على ملاحقة القارئ: متى يصبح الإنسان حرًّا؟ وهل الحرية ظرف خارجي أم حالة داخلية؟ وكم من الأعمار تمضي قبل أن يكتشف أصحابها أنهم عاشوا وفق ما أراده الآخرون أكثر مما عاشوا وفق ما أرادوه لأنفسهم؟
ويقول في موضع آخر:
«هذه الحياة الغريبة التي تنقلك من موقف إلى نقيضه دون أن تشعر، تُغيّرك دون أن تلمح ذلك».
وفي هذه العبارة شيء من فلسفة عالمه القصصي؛ فالإنسان عنده تصنعه التحولات البطيئة، وتتراكم عليه الأيام والمواقف والخيبات، حتى يلتفت ذات يوم، فلا يكاد يعرف المسافة التي قطعها عن صورته الأولى.
ويحضر الزمن والذاكرة بقوة في قصصه، ومن أجمل ما وقفت عليه قوله في «ثلاث نساء»:
«كبرنا، لكنها تزورني في الذاكرة التي لم تغلق أبوابها حتى هذه اللحظة».
يا لها من صورة بسيطة وعميقة: الذاكرة التي لم تغلق أبوابها. كأن الماضي بيت قديم نبتعد عنه، ويبقى بابه مفتوحًا لنا كلما استدعانا اسم أو رائحة أو وجه أو حكاية.
ولهذا تبدو قراءة محمد علوان اليوم قراءةً في ذاكرة مرحلة اجتماعية وثقافية كاملة؛ فالقصة لديه متصلة بالمكان والناس وتحولات المجتمع. ويكتب في قصة «حلم»:
«المدينة تحتفل كل مساء بالقصص التي تُروى على موائد الطعام».
وهي عبارة تكاد تختصر وظيفة القاص كما أفهمها؛ فالمدن حكايات أهلها، وما يُروى في البيوت والمجالس وبين الأصدقاء هو التاريخ الموازي الذي تحفظه القصة حين تغفل عنه الوثائق.
ويواصل المعنى ذاته:
«لكل بيت حكاية خاصة به، ولكل فتاة قصتها المستورة التي لا تنضج إلا بغتة».
هنا تظهر عين القاص التي ترى خلف الجدران حياةً لا يراها المارّة. كل بيت عالم، وكل إنسان يحمل قصة قد لا يعرفها أحد. ومن هنا تأتي القيمة الاجتماعية لأدب علوان؛ فهو يرى المجتمع مجموعةً من مصائر فردية متجاورة، لكل منها مخاوفها وأحلامها وأسرارها.
وتبدو المرأة حاضرة في عالمه بوصفها جزءًا من الأسئلة الاجتماعية والوجدانية، كما يقول في «ثلاث نساء»:
«علاقتي بالمرأة لم تكن صدفة بريئة، بل مقصودة، أعرف مدى التناقض الصارخ، لكن أحبذه».
إنه اعتراف يكشف إدراكًا للتناقض الإنساني، والكتابة الجيدة في جوهرها تكشف هذا التناقض، وتضع الإنسان أمام مرآته.
أما الألم، فيمتلك لدى علوان لغته وصوره الخاصة. يقول في «الرماد»:
«الصبر موازين مختلفة، جبلية قاسية كالحجارة، معقدة كجباه الرجال ساعة الألم والغضب».
الصبر هنا شيء له تضاريس وملمس وملامح، وتقترب اللغة من تخوم الشعر حين يكتب:
«كدمٍ أبيض من جراح الآلام والتعب».
وفي عالمه أيضًا تلك المفارقة بين الحزن والأمل:
«هذا الحزن القادم، هو الذي سوف يمنحها البهجة المسروقة».
ويلفتني كذلك حضور الاختلاف في رؤيته للإنسان، حين يقول:
«الاختلاف له مظهر واحد.. الشجر والأرض والماء تعرف بعضها بعضًا.. لذا ليس هناك فوارق».
كأن الطبيعة تقدم للإنسان درسًا هادئًا في التعايش؛ فكل شيء يجد مكانه في دورة الوجود، فيما يصنع الإنسان أحيانًا من الفوارق جدرانًا أعلى مما تستحق.
ولا يخلو عالم علوان من السؤال عن جدوى العمل ومعنى الحياة:
«هل هذه حياة؟ وهل استمر في عمل لا يثمر؟».
ثم يأتي الحلم بوصفه أفقًا آخر:
«تبحث عن حلم لم يتحقق، وحياة أخرى لم تكشف لها أسرارها المحجوبة».
كم من البشر يعيشون حياتين: حياة تمضي بهم كل يوم، وأخرى مؤجلة تسكن الخيال. وبين الاثنتين تتشكل مسافة الرغبة والانتظار.
وأنا أتصفح «الأعمال الكامنة»، شعرت أن عنوانها يحمل دلالة تتجاوز معناه المباشر. فهذه الأعمال كانت كامنة تنتظر من يعيدها إلى الضوء، والأدب نفسه يظل كامنًا بعد رحيل صاحبه، ينتظر قارئًا جديدًا كي يوقظه.
محمد علي علوان رحل، أما قصصه فلم ترحل. بقيت شخصياته، ومدنه، وبيوته، وأسئلته، وبقيت عين القاص التي كانت تعرف أن وراء الأشياء الظاهرة أشياء أخرى تستحق أن تُرى.
ولهذا أجد في نشر «الأعمال الكامنة» استعادةً لجزء مهم من ذاكرة القصة السعودية، وعودةً إلى تجربة كاتب أسهم، مع أبناء جيله، في ترسيخ هذا الفن في مشهدنا الأدبي والثقافي.
ومن هنا يأتي اختيار ملتقى نالا للسرد، في دورته الأولى المخصصة للقصة القصيرة، للراحل محمد علي علوان شخصيةً مكرّمة، اختيارًا جميلًا يحمل معنى الوفاء لتجربة أدبية ولمرحلة من تاريخ القصة السعودية.
ويزداد هذا الوفاء دلالةً مع تخصيص الجلسة الأولى من الملتقى لتجربته الأدبية، بمشاركة نخبة من النقاد والأكاديميين والمهتمين بمنجزه؛ لتُقرأ أعماله من زوايا متعددة، ويُعاد تقديمها إلى جيل جديد من القراء.
ولعل في افتتاح الملتقى بهذه الجلسة رمزيةً جميلة؛ فكأن الدورة الأولى تبدأ من أحد الذين سبقوا إلى الطريق، وتجعل من ذاكرة القصة جسرًا إلى حاضرها ومستقبلها.
فالأديب حين يرحل لا تنتهي حكايته ما دام هناك قارئ يعيد فتح كتبه، وناقد يعيد مساءلة نصوصه، وملتقى ثقافي يستحضر تجربته.
وما أجمل أن يبدأ ملتقى نالا للسرد دورته الأولى بهذا المعنى: أن يفتح أبواب الذاكرة لمحمد علي علوان، ويعيد صوته إلى فضاء الحكاية التي أحبها وكتبها طويلًا.
رحم الله محمد علي علوان؛ غاب القاص، وبقيت الحكاية مفتوحة على قرّاء جدد.
** **
- أحمد السماري