في اليوم الوطني السعودي.. حين يرى من خارج المشهد كثيرًا وأوضح، ولأنني أكتب اليوم من أرض مصر إلى أرض الحرمين الشريفين، فإنني لا أكتب تهنئة عابرة بمناسبة وطنية، ولا أكتفي بترديد عبارات المجاملة التي تفرضها المناسبات؛ وإنما أكتب من موقع عربي يرى المملكة العربية السعودية وهي تحتفل بيومها الوطني، ويرى في هذه المناسبة حكاية وطنٍ لم يتوقف عندما أنجزه، بل جعل من إنجاز الأمس نقطة انطلاق إلى غدٍ أكثر اتساعًا.
وفي الثالث والعشرين من سبتمبر، تستعيد المملكة ذكرى توحيدها وإعلان قيامها باسم المملكة العربية السعودية عام 1932، وهي ذكرى ارتبطت بمسيرة تأسيس طويلة قادها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله.
ومن مصر، أرض الحضارة والتاريخ، إلى المملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين، أتقدم بخالص التهنئة والتقدير إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وإلى أصحاب السمو الأمراء والمعالي الوزراء وكبار رجال الدولة، وإلى الشعب السعودي الشقيق، بمناسبة اليوم الوطني السعودي.
وأقولها بصدق: كل عام والمملكة العربية السعودية وطنًا عزيزًا، وشعبًا شامخًا، ومستقبلًا يتسع لطموحات أبنائه.
الحرمان الشريفان.. المكان الذي لا يشبهه مكان
حين يتحدث الإنسان العربي والمسلم عن المملكة العربية السعودية، لا يستطيع أن يفصل الجغرافيا عن المعنى.
فهنا مكة المكرمة، وهنا المسجد الحرام، وهنا المدينة المنورة والمسجد النبوي الشريف. وهنا مسؤولية استثنائية تتجاوز حدود الدولة بمفهومها السياسي؛ لأن الحرمين الشريفين ليسا شأنًا سعوديًا فحسب، وإنما هما موضع تعلق قلوب المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
ومن حق المسلمين أن يشعروا بالزهو والاعتزاز وهم يرون ما وصلت إليه منظومة خدمة الحرمين الشريفين، وما تشهده مكة المكرمة والمدينة المنورة من عناية وتطوير وتنظيم ورعاية لقاصديهما.
وهذا ليس حديثًا عن مبانٍ ومشروعات فقط؛ بل عن معنى أعمق يتمثل في أن المكان الذي تهفو إليه قلوب المسلمين يجد من يعتني به ويهيئه ويطوره ويخدم من يقصده.
وقد أكدت المملكة رسميًا أن خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من الحجاج والمعتمرين والزوار تمثل جانبًا أصيلًا من هويتها ومسؤوليتها.
الأهرامات لا تحتاج إلى أن تشرح تاريخها
ومن أرض مصر، حيث تقف الأهرامات شاهدة على أن الحضارات العظيمة لا تُقاس بعمر اللحظة، يمكن للإنسان أن يفهم تجربة المملكة بطريقة مختلفة. فالتاريخ لا يُقاس فقط بما مضى، وإنما بما تفعله الشعوب بتراكم تاريخها.
الأهرامات في مصر لم تعد مجرد حجارة من زمن بعيد؛ إنها علامة تقول إن الإنسان يستطيع أن يترك أثرًا يتجاوز عمره. وكذلك فإن تاريخ المملكة العربية السعودية ليس صفحة أُغلقت بعد التأسيس والتوحيد.
الماضي ليس بعيدًا عمّن يقرأ الحاضر بعين مفتوحة، ومن لا يقرؤون التاريخ جيدًا، أو لا يدركون طبيعة التحولات من حولهم، قد ينظرون إلى المملكة من خلال صورة قديمة؛ بينما الواقع يقول إن السعودية اليوم تعيش مرحلة مختلفة، تتحرك فيها الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والإنسان نحو آفاق جديدة. وهنا تحديدًا تكمن أهمية النظر إلى التجربة من خارج المشهد.
من حفظ الأصالة إلى صناعة المستقبل
ما يلفت النظر في التجربة السعودية الراهنة ليس فقط كثرة المشروعات، ولا حجم الاستثمارات، ولا اتساع المدن والمرافق، وإنما محاولة الجمع بين أمرين كان البعض يظن أن الجمع بينهما صعب: أن تحافظ على هويتك.. وأن تتقدم.
أن تعرف من أين أتيت، دون أن تجعل الماضي يمنعك من الذهاب إلى المستقبل. أن تعتز بأصالتك، دون أن تتحول الأصالة إلى عزلة. وأن تبني اقتصادًا ومجتمعًا أكثر تنوعًا، دون أن تفقد ملامح الشخصية الوطنية.
وهذا المعنى يظهر بوضوح في الخطاب الرسمي المرتبط باليوم الوطني هذا العام، حيث يأتي شعار «عزّنا بطبعنا» مستندًا إلى قيم يصفها الخطاب الرسمي بأنها من ملامح الشخصية السعودية، مثل الشجاعة والرؤية والأصالة والهمة والجود والكرم.
السعودية التي تتحدث بالمشروعات
هناك من يتحدث عن المستقبل بالكلمات. وهناك من يحاول أن يحوله إلى مشروعات. والسعودية اليوم تقدم أمام العالم نموذجًا يقوم بدرجة كبيرة على تحويل الطموح إلى برامج ومشروعات ومؤسسات ومبادرات، في إطار رؤية السعودية 2030 التي تستهدف بناء اقتصاد ومجتمع أكثر تنوعًا واستدامة، مع الحفاظ على الهوية والقيم.
ولست هنا في مقام تقييم تجربة سياسية أو اقتصادية، فهذا شأن له أدواته وأهله؛ لكنني أتحدث عن شيء يمكن لأي زائر أو متابع أن يراه:
حجم الحركة
مشروعات، بنية تحتية، سياحة، ثقافة، تقنية، صناعة، استثمار، جودة حياة، تمكين للإنسان، وإعادة تعريف واسعة لعلاقة المواطن والمكان والمستقبل. وهذه كلها مؤشرات على أن الدولة لا تنظر إلى المستقبل باعتباره موعدًا بعيدًا، وإنما باعتباره مشروعًا يبدأ من اليوم.
توطين الهوية.. علامة على الوعي بالغد
وأكثر ما يستحق التأمل في رأيي هو أن التحديث لا يسير منفصلًا عن الهوية. فالمملكة لا تقول للعالم: «نريد أن نصبح نسخة من غيرنا». بل تقدم صورتها الخاصة، وتعيد اكتشاف تراثها وثقافتها وعناصر شخصيتها الوطنية، وتضعها في سياق معاصر. وهذا هو الفارق بين التحديث والتقليد.
التقليد أن تبحث عن نموذج جاهز فتكرره. أما التحديث الحقيقي فهو أن تعرف نفسك جيدًا، ثم تطور أدواتك، وتستثمر قدراتك، وتبني مستقبلك بما يتناسب مع خصوصيتك.
ومن هنا يصبح توطين الهوية السعودية أكثر من مجرد احتفاء بالتراث؛ إنه جزء من بناء صورة وطنية معاصرة تستطيع أن تقف بثقة في عالم شديد التنافس.
من مصر.. كلمة تقدير
وأنا أكتب من مصر، لا أرى في المملكة العربية السعودية دولة شقيقة فحسب، بل أرى تجربة عربية تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن الأحكام السريعة والصور القديمة.
مصر والسعودية تجمعهما روابط أعمق من الجغرافيا؛ روابط عربية وإسلامية وتاريخية وإنسانية، تجعل ما يحدث في إحدى الدولتين محل اهتمام ومتابعة لدى الأخرى.
ولذلك فإن فرح المملكة بيومها الوطني ليس فرحًا سعوديًا فقط في وجدان كثير من العرب والمسلمين؛ لأن السعودية تحتل مكانة خاصة في الوعي العربي والإسلامي، ولأن الحرمين الشريفين يجعلان لهذه الأرض مكانة لا يمكن اختزالها في حدود السياسة والاقتصاد.
ومن هنا تأتي تهنئتي اليوم مختلفة قليلًا. إنها تهنئة من عربي إلى عربي. ومن مصر إلى السعودية. ومن أرض النيل إلى أرض الحرمين.
إن الدول لا تُقرأ فقط من خلال ما يقال عنها، وإنما أيضًا من خلال ما تبنيه، وما تطوره، وما تستثمر فيه، وما تضعه من أهداف، وما تحاول أن تصنعه لأجيالها القادمة.
والأمم التي تعرف كيف تنظر إلى المستقبل، لا تنتظر المستقبل حتى يأتي إليها. هي التي تذهب إليه.
«عزّنا بطبعنا»
ولعل أجمل ما في شعار هذا العام أنه لا يتحدث فقط عن الإنجاز، وإنما يعيده إلى الإنسان. فالإنجاز الحقيقي في النهاية ليس مبنى ولا طريقًا ولا مشروعًا اقتصاديًا فقط.
الإنجاز الحقيقي هو الإنسان الذي يصنع ذلك كله ويحمله إلى المستقبل.
ومن هنا فإن الاحتفال باليوم الوطني لا ينبغي أن يكون احتفالًا بما تحقق فقط، بل مناسبة للسؤال عما نريد أن نحققه بعد ذلك. فالأوطان التي تتوقف عند أمجادها تتحول أمجادها إلى تاريخ.
أما الأوطان التي تجعل من تاريخها قوةً للمستقبل، فإنها تظل قادرة على صناعة صفحات جديدة. وهذه، في تقديري، هي الصورة التي يمكن أن يلتقطها من ينظر من خارج المشهد:
السعودية لا تحتفل اليوم بما كان فقط.. بل بما تريد أن يكون.
ومن مصر، التي تعرف قيمة التاريخ، وتعرف أن الحضارة لا تُبنى في يوم، أتوجه إلى المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا بأصدق التهاني بمناسبة يومها الوطني.
إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وإلى أصحاب السمو الأمراء، وأعضاء مجلس الوزراء، وكافة رجال الدولة، وإلى الشعب السعودي الكريم.
كل عام والمملكة العربية السعودية في عزٍّ وأمنٍ واستقرار، وكل عام والحرمان الشريفان في رعاية وعناية، وكل عام والإنسان السعودي يواصل كتابة فصول جديدة من قصة وطنه.
ومن أرض مصر إلى أرض الحرمين الشريفين.. كل عام والسعودية بخير. وكل عام وعزّها بطبعها..
** **
- عبدالرحمن علي