الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
تتوزع تجربة الأستاذ خلف سرحان القرشي على مسارات متعددة في التأليف والترجمة والنقد والتحرير والتدريب. ومن خلال اشتغاله بالكتابة الإبداعية، جمع بين إنتاج النص والإسهام في تطويره وصقل أدوات كتّابه، كما أسس نادي «الكتابة الإبداعية شغفنا»، مؤمنًا بأهمية التدريب والحوار في تنمية المواهب الأدبية.
وفي حواره مع «الجزيرة الثقافية»، يتناول علاقته بالقصة والسرد، ورؤيته إلى عمل الناقد والمحرر الأدبي، ويتحدث عن أثر الترجمة والمدارسات الأدبية والمشروعات الثقافية في تجربته ومسيرته، كما يناقش حضور الموسيقى واللوحة والسينما والذكاء الاصطناعي، وما تضيفه إلى تجربة الكاتب وأدواته.
البدايات
- ارتبط اسمك منذ بداياتك بالقصة القصيرة، كاتبًا ومترجمًا وناقدًا ومدرّبًا؛ بعد هذه الرحلة الطويلة معها، كيف تنظر اليوم إلى تجربتك في هذا الفن؟ وما الذي تغيّر في رؤيتك للقصة القصيرة كتابةً وتلقّيًا؟
بقي الشغف، وهذا أهم ما بقي. ما زلت أجد في القصة القصيرة ذلك الفن المدهش الذي يستطيع، في صفحات قليلة، أن يترك فيك ما قد لا تتركه رواية من مئات الصفحات. الذي تغيّر أنني صرت أنظر إليها من جهة القارئ أيضًا: ماذا ترك النص بعد أن انتهى؟ ما الذي لم يقله؟ ولماذا بقي مشهد صغير في الذاكرة، بينما نسينا صفحات كاملة؟ صرت أميل أكثر إلى القصة التي تثق بقارئها ولا تشرح له كل شيء. القصة الجميلة عندي لا تنتهي عند نقطتها الأخيرة؛ فهناك، في أحيان كثيرة، تبدأ قصة أخرى يكتبها القارئ في داخله.
السرد وفهم الإنسان والحياة
- يتجاوز اهتمامك بالقصة إلى فضاء «السرد» الأرحب؛ فإلى أي مدى يمثّل السرد وسيلة لفهم الإنسان والحياة؟ ومتى تتحول الحكاية التي نعيشها إلى أدب؟
نعم، وأظن أنني كلما تقدمت في القراءة والكتابة، ازددت اقتناعًا بأننا نعيش بالسرد أكثر مما ننتبه إليه. الإنسان بطبيعته حكّاء؛ يحكي طفولته وحبه وفقده ونجاحه وخيبته. لكن ليس كل ما يحدث لنا أدبًا. قد تعيش تجربة عاصفة، ثم تكتبها، فلا يتأثر بها أحد؛ فصدق التجربة وحده لا يكفي. الأدب يبدأ عندما تمنح التجربة شكلًا فنيًا يتجاوزك، بحيث يجد القارئ نفسه فيها. ولهذا أقول للمتدربين: لا يكفي أن تكون لديك حكاية تستحق أن تُروى؛ عليك أن تتعلم كيف ترويها. المسافة بين «حدث لي هذا» و«كتبت قصة عن هذا» هي، في ظني، المسافة التي يسكن فيها الفن.
المحرر الأدبي
- ما الفرق بين دور الناقد ودور المحرر الأدبي؟ وكيف يستطيع المحرر الارتقاء بالنص مع الحفاظ على صوت كاتبه وخصوصيته؟ ومن خلال تجربتك في تحرير نصوص كتّاب متنوعين، ما أبرز المشكلات التي تلاحظها في الكتابة السردية الجديدة؟
الناقد يقف أمام النص ويسائله، أما المحرر فيدخل إليه ويشتغل معه. قد يشير الناقد إلى الترهل أو ضعف بناء الشخصية، بينما يسأل المحرر: كيف نعالج ذلك من غير أن نكسر النص أو نطمس صوت صاحبه؟ وهنا تكمن صعوبة التحرير وخطورته؛ فمن السهل أن تأخذ نص كاتب مبتدئ وتعيد كتابته بطريقتك، ثم تقول إنك حررته، بينما تكون في الحقيقة قد استبدلت صوته بصوتك.
أحاول أولًا اكتشاف صوت الكاتب؛ لغته وإيقاعه وطريقته في رؤية الأشياء، ثم أشتغل على النص من داخله. والمحرر الجيد لا ينبغي أن يخرج القارئ من النص قائلًا: ما أجمل كتابة المحرر! بل: ما أجمل هذا الكاتب! ولعل أجمل نجاح يحققه المحرر أن يختفي من النص بعد أن يؤدي مهمته.
ومن أبرز ما ألاحظه في الكتابة السردية الجديدة استعجال النص؛ فبعض الكتّاب يريد الوصول إلى القصة قبل أن تنضج في داخله، فيفرط في الشرح، ويصرّح بمشاعر شخصياته بدلًا من أن يترك للقارئ فرصة اكتشافها. وقد تكون اللغة جميلة، لكنك تتساءل بعد الفراغ من القراءة: أين الحكاية؟ ومن المشكلات أيضًا ضعف الثقة بالقارئ؛ فالكاتب الذي لا يثق بقارئه يميل إلى تفسير كل شيء له.
وقد جعلتني ممارسة التحرير أقل استعجالًا في الحكم على الكاتب، وأكثر قدرة على التمييز بين ضعف النص وضعف صاحبه؛ فقد يكون وراء النص المتعثر صوت حقيقي لم يتعلم صاحبه بعد كيف يوظفه. وتعلمت كذلك أن النص لا يحتاج دائمًا إلى إضافة كلمة، بقدر ما يحتاج أحيانًا إلى شجاعة حذف عشر كلمات؛ فالحذف من أصعب المهارات التي يتعلمها الكاتب.
الترجمة الأدبية
- تصف الترجمة الأدبية بأنها «نص إبداعي باقتدار»؛ فماذا أضاف ت تجربتك في الترجمة إلى رؤيتك كاتبًا وناقدًا؟ وهل ترى المترجم ناقلًا للنص أم كاتبًا ثانيًا له؟
ما زلت عند رأيي: الترجمة الأدبية نص إبداعي. المترجم لا يحمل الكلمات من ضفة إلى أخرى؛ لو كانت المسألة كذلك لكفتنا المعاجم، واليوم تكفينا الآلة. هو يحاول أن ينقل شيئًا أصعب: روح النص. والترجمة علمتني احترام الكلمة؛ فقد تصلح مفردات عدة، لكن واحدة فقط تنتمي إلى الشخصية والموقف والإيقاع.
وأتحفظ على وصف المترجم بأنه «كاتب ثانٍ» إذا كان المقصود منحه حرية الكاتب الأول. هو مبدع، نعم، لكن إبداعه محكوم بأمانة تجاه النص وصاحبه؛ حاضر بما يكفي ليمنحه حياة في لغته الجديدة، وغائب بما يكفي كي لا يحوله إلى نصه هو. كما علمتني الترجمة القراءة البطيئة؛ فالمترجم، من سوء حظه أو حسن حظه، لا يستطيع المرور على الجملة مرور الكرام.
ورش الكتابة الإبداعية
- بعد سنوات من تقديم ورش الكتابة الإبداعية، إلى أي مدى تسهم الموهبة والتدريب في تطوير أدوات الكاتب والارتقاء بمهاراته الكتابية؟
ما زلت أؤمن بأن في الكتابة شيئًا لا يمكن للمدرب أن يضعه في الإنسان إذا لم يكن موجودًا أصلًا؛ الحساسية تجاه اللغة والحياة والتفاصيل، والرغبة في الحكي والدهشة. هذه بذرة الموهبة. لكنني تعلمت ألا نبالغ في أسطرتها. رأيت متدربين لديهم بذرة حقيقية، لكنهم كانوا يفسدون نصوصهم بالاستعجال أو كثرة الشرح أو ضعفٍ لديهم في أدوات السرد، ثم تغيرت كتابتهم عندما قرأوا بطريقة مختلفة، وكتبوا وأعادوا الكتابة. المدرب لا يصنع كاتبًا من العدم؛ دوره أن يساعد الكاتب على اكتشاف أدواته، ويختصر عليه بعض الطرق، ويدله على مواطن الخلل. وأجمل لحظة عندما يقرأ المتدرب نصّه بعد تعديله ويكتشف بنفسه الفرق.
المدارسات الأدبية
- ما المقصود بـ«المدارسات الأدبية»، وبماذا تختلف عن المحاضرات النقدية وأندية القراءة؟ وكيف تدير تعدد القراءات والتأويلات من غير أن تفرض قراءتك على المشاركين؟ وهل سبق أن غيّر أحدهم قراءتك لنص ما؟
المدارسة، في تصوري، ليست محاضرة أقدّم فيها شرحًا للعمل للآخرين، وليست جلسة عابرة نكتفي خلالها بالقول: أعجبتني الرواية أو لم تعجبني، ثم نمضي. إنها قراءة جماعية معمّقة للنص، ندخل إليه من زوايا متعددة، ونطرح من الأسئلة أكثر مما نقدّم من الإجابات.
يقرأ المشاركون العمل قبل اللقاء، ثم نتناول بناءه وشخصياته ولغته ورموزه، وما أفصح عنه وما سكت عنه. وقد أشرت قبل سنوات إلى أن قراءة عمل واحد قراءة تحليلية قد تكون أنفع للكاتب من قراءة عشرة أعمال قراءة عابرة، وربما جاءت المدارسات تطبيقًا عمليًا لهذه الفكرة؛ فالقراءة الجيدة تدريب على الكتابة أيضًا.
ولو دخلتُ المدارسة مقتنعًا بأن لديّ القراءة الصحيحة التي ينبغي أن يصل إليها الجميع، لأفسدتُ الفكرة من أساسها؛ فالنص الجيد لا يعيش بقراءة واحدة. دوري أن أدير الحوار، وأن أعيد المشاركين إلى النص كلما ابتعدنا عنه. أرحب بالتأويل المختلف، لكن لا بد أن يكون له ما يسنده من النص؛ فالفرق كبير بين حرية التأويل والفوضى فيه.
ولا أريد للمشارك أن يغادر اللقاء حافظًا قراءتي للنص، بل أن يخرج وقد تغيّرت طريقته في القراءة. وقد حدث أكثر من مرة أن نبّهني أحد المشاركين إلى تفصيلة أو دلالة لم أتوقف عندها، وهذا يسعدني ولا يحرجني. أنا أدخل المدارسة وفي جعبتي قراءة، لا «القراءة»؛ فعندما تتعدد العيون التي تنظر إلى النص، يتسع أمامنا جميعًا.
الكتابة الإبداعية
- أسست وترأست نادي «الكتابة الإبداعية شغفنا» على منصة «هاوي»، وحقق المركز الثالث في مجال الثقافة من بين أكثر من 1500 نادٍ، كما أصدر كتاب «أقلام تنبض شغفًا» بمشاركة أكثر من 110 كتّاب وكاتبات؛ فما الفكرة التي انطلق منها النادي، وماذا كشفت لك تجربة الكتاب؟
بدأت «الكتابة الإبداعية شغفنا» من فكرة بسيطة، هي أن يجد من يحب الكتابة مكانًا يأخذ شغفه بجدية؛ فلا يُشترط سوى امتلاك رغبة حقيقية في الكتابة والتعلم. ومنذ البداية، لم أرد للنادي أن يكون منصة للإعلان عن محاضرة هنا أو ورشة هناك، بل مساحة للعمل؛ نكتب فيها، ونقرأ، ونتدرب، ونتناقش، وننقد النصوص، ونفتح الأبواب أمام من يخطون خطواتهم الأولى في الكتابة.
ومع مرور الوقت، كبرت الفكرة، وتُوّج عمل النادي هذا العام بحصوله على المركز الثالث على مستوى أندية المملكة في مجال الثقافة على منصة «هاوي»، من بين أكثر من 1500 نادٍ. أسعدنا هذا التقدير، لكنه ليس خط النهاية؛ فالأندية الثقافية لا تُقاس بعدد فعالياتها، بل بالأثر الذي يبقى في أعضائها بعد انتهائها.
ويُعد كتاب «أقلام تنبض شغفًا» من المشروعات القريبة إلى نفسي؛ إذ لم نُرِد إصدار كتاب جماعي فحسب، بل تقديم تجربة متكاملة يمر بها الكاتب من كتابة النص إلى صدور الكتاب. شارك فيه أكثر من 110 كتّاب وكاتبات، وقدّمناه بوصفه تجربة غير مسبوقة في جمع أجناس متعددة من الكتابة الإبداعية في كتاب واحد.
شكّلنا فريق عمل ولجانًا لاستقبال النصوص وفرزها وتقييمها، والتواصل مع بعض الكتّاب لمراجعتها وإعادة تحريرها، ثم تدقيقها إملائيًا ولغويًا، وتنسيقها وتصميمها. ولجميع أعضاء الفريق شكري وامتناني، وفي مقدمتهم قائدة الفريق الدكتورة سونيا مالكي، نائبة رئيس النادي وإحدى أعضائه المؤسسين.
وقد علمتني التجربة الصبر أولًا؛ فالعمل مع أكثر من مئة كاتب يعني التعامل مع أكثر من مئة صوت، ودرجات متفاوتة من الحساسية تجاه النص. وقد تطلب من كاتب حذف سطر، فتشعر كأنك تطلب منه التنازل عن قطعة أرض! لكن الأجمل أن ترى اسم كاتب على غلاف كتاب مطبوع، وربما يكون ذلك ظهوره الأول.
الأغنية واللوحة والسينما
- اشتغلت على الأغنية واللوحة والسينما إلى جانب الأدب. ما الذي يبحث عنه السارد في هذه الفنون؟ وماذا يمكن أن تعلّم الكاتب عن الحكاية؟
بالتأكيد، وربما لهذا لا أضع حدودًا صارمة بين الفنون. الحكاية أوسع من الكتاب؛ قد تختبئ في أغنية، أو لوحة صامتة، أو لقطة سينمائية. حين أقرأ أغنية أبحث عن الإنسان خلفها: ماذا قال، وماذا أخفى؟ واللوحة لحظة مجمدة، والسارد بطبيعته فضولي، يريد أن يعرف ماذا حدث قبلها وماذا سيحدث بعدها. أما السينما فعلمتني كثيرًا عن المشهد؛ فالكاميرا لا تقول عادة: هذا الرجل حزين، بل تريك كيف يجلس وإلى أين ينظر. وهذا درس يحتاجه بعض كتّاب السرد: أرني ولا تخبرني فقط. الكاتب يستطيع أن يتعلم من السينما بناء المشهد، ومن اللوحة التفاصيل، ومن الأغنية التكثيف والإيقاع.
الذكاء الاصطناعي والكتابة
- بعد تجربتك العملية مع الذكاء الاصطناعي، كيف تنظر إلى ما يقدّمه للأديب والمترجم؟ وأين تنتهي مساعدته وتبدأ مسؤولية الكاتب عن نصه وصوته الخاص؟
تغيّرت نظرتي إلى الذكاء الاصطناعي بعد تجربته عمليًا؛ فلم أعد أراه تهديدًا مباشرًا للمترجم أو الأديب، بل أداة مساندة في البحث والعصف الذهني ومناقشة النصوص والمراجعة والتحرير والتخطيط. وتزداد فائدته كلما امتلك الكاتب القدرة على محاورته ونقد مقترحاته ورفض ما لا يناسبه.
والمعيار الأساس هو بقاء القرار الأخير بيد الكاتب؛ فهو الذي يختار ويعدّل ويحذف، ويتحمل مسؤولية كل كلمة يضع اسمه عليها. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد الكاتب، لكنه لا ينبغي أن يكتب بدلًا منه؛ لأن صوت الكاتب ليس سلامة اللغة فحسب، بل ذاكرته ورؤيته وطريقته الخاصة في التقاط التفاصيل.
الصفحة البيضاء
- بعد مسيرة حافلة بتجارب تنوّعت بين القصة والترجمة والنقد والتحرير والتدريب والمدارسات والمشروعات الثقافية، ما الذي لا تزال تبحث عنه كلما جلست أمام صفحة بيضاء؟
أبحث عن الدهشة، فيما أظن. عن تلك اللحظة التي أشعر فيها أن لدي شيئًا يستحق أن يقال، وأنني ربما أستطيع قوله بطريقة لم أقله بها من قبل. وما زالت الصفحة البيضاء تربكني، وهذا يسعدني. سأقلق إذا جلست أمامها وأنا واثق تمامًا مما سأكتب وكيف سأكتبه. كثيرًا ما أبدأ وأنا أعرف الطريق، ثم تأخذني الكتابة إلى مكان آخر.
وأبحث عن القارئ أيضًا؛ فما زلت أؤمن بأن نقطة النهاية التي يضعها الكاتب قد تكون بدايةً لنص آخر يكتبه القارئ في داخله. ربما لهذا ما زلت أكتب: ليس لأن لدي إجابات كثيرة، بل لأن لدي أسئلة لم أنتهِ منها بعد. وأرجو ألا أنتهي.
** **
@ali_s_alq