استطلاع - شيماء محمد:
أثار مقهى «أرجوحة شرقية» الأدبي سؤالًا حول تحوّل المقاهي من أمكنة تحفظ ذاكرة روّادها وحكاياتهم إلى فضاءات حديثة عابرة. وفي هذا الاستطلاع، تتباين آراء الأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي بين التحذير من فقدان الجذور، والدعوة إلى تقبّل التحولات وبناء صلة متجددة بالمكان.
تحول بشروط ثقافية
يرى الأديب خالد أحمد اليوسف أن للمكان قيمة حسية ومعنوية وجمالية، وأن التحول ينبغي أن يأتي طبيعيًا، مع تهيئة شروط تضمن نجاحه. ويستشهد بمقهى خصص قاعة للأماسي الثقافية، مؤكدًا أن الضجيج والفوضى لا يساعدان على استمرار التجربة.
السرعة تصنع قراء بلا ذاكرة
ويحذر الأديب ماجد سليمان من تحولات عصرية تنتج أعمالًا استهلاكية، يقدمها كتّاب ينشغلون بصناعة الضجيج بدلًا من بناء الثقافة. ويرى أن التأني أساس العطاء الثقافي، فيما تقاوم قلة من المبدعين إغراء السرعة وتحافظ على إخلاصها للإبداع.
من التراكم إلى الاستبدال
ويصف الأديب عبدالرحمن الدرعان التحول بأنه انتقال من ذاكرة متراكمة إلى تجربة قابلة للاستبدال. فالجدار القديم، في رأيه، أرشيف للأجيال، بينما يحرر الفضاء المحايد الحاضر من الماضي، لكنه يحرمه عمقه الرمزي، ويضعف الإحساس بالهوية والمسؤولية تجاه التاريخ.
تجديد الجذور لا محوها
ويؤكد أستاذ اللسانيات بجامعة الملك خالد، أ.د. عبدالرحمن البارقي، أن التحولات سنة كونية، لكن الفارق بين تحول يجدد حياة الجذور وآخر يتبرأ منها. فالأول يصل الماضي بالحاضر، بينما يمر الثاني عابرًا، بلا ملامح أو انتماء.
ذاكرة اللحظة
ويرى الكاتب خالد العبيد أن اختفاء صور الراحلين وأسماء الشعراء ينقل الإنسان من «ذاكرة المكان» إلى «ذاكرة اللحظة». وقد يكسب المجتمع خفة الحاضر، لكنه يخسر شيئًا من جذوره، وتضعف صلته بمن سبقوه.
المكان شاهد على الزمن
ويقول الإعلامي والناشط الثقافي عيسى المرشدي إن محو الصور يمحو طبقة من الذاكرة الإنسانية، ويحوّل المكان من شاهد على الزمن إلى عابر فيه. وحين تفقد الأمكنة حكاياتها، نخسر جزءًا من قدرتنا على معرفة أنفسنا.
الجدران ذاكرة ثانية
ويعدّ الروائي أحمد السماري جدران المكان ذاكرته الثانية، محذرًا من تحوّل المقهى إلى محطة للاستهلاك والعبور. ويشير إلى أن الأمكنة المحتفظة بآثار أهلها تمنحنا الامتداد، بينما تقل قدرة الفضاءات المحايدة على رواية حكاياتنا.
شواهد الانتماء
ويؤكد المؤرخ ومؤسس نادي سمو الحرف، سامي العريفي، أن الجدران تحفظ أثر الكلمة والفكرة والقصيدة والحوار. وإزالة هذه الشواهد تفرغ المكان من معناه، وتسلب الذكريات جمالها ودفئها، وتضعف الانتماء والوفاء والاستمرار.
الذاكرة مسؤوليتنا
في المقابل، يرى رئيس نادي الهايكو السعودي، د. أحمد يحيى القيسي، أننا نحمّل المكان عبئًا يفوق مهمته؛ فذاكرتنا هي التي تحفظ تفاصيله، وقد تنقلها إلى الورق. ويعدّ التحولات طبيعية، مستشهدًا بالمنتديات الرقمية التي بقيت صورها ومواقفها في ذهنه، رغم افتقادها حميمية المكان.
جسر بين القديم والحديث
وتدعو الأديبة صباح فارسي إلى نقل الموروث للأجيال بوصفه حكاية حية، عبر إشراك الشباب في الفعاليات والمنصات. وترى أن الجمع بين جذور الماضي وأدوات الحاضر يصنع حكايات جديدة، تحفظ الذاكرة وتمنحها حياة متجددة.
وتكشف هذه المداخلات أن النقاش يتجاوز تغيير الأثاث والديكور إلى وظيفة المقهى الثقافية وعلاقته برواده؛ فبين الاحتفاظ بالشواهد وتجديد التجربة، يظل السؤال متعلقًا بكيفية استمرار الحكايات وحضور أصحابها في ذاكرة الأجيال. وتتقاطع الآراء عند أهمية الذاكرة، لكنها تختلف في تحديد حاملها: أهو المكان بجدرانه وصوره، أم الإنسان بما يختزنه ويكتبه؟ كما تبرز دعوة إلى تجديد الفضاء بصورة تصل الماضي بالحاضر وتتيح للأجيال الجديدة المشاركة في صناعة حكاياته.