«إنَّ المشي قد مُجِّدَ لأسباب، منها ما يتصل بقيمته الإنسانية في الحضارة الإسلامية، ما يحيل إلى توهُّج تلك القيمة في بعض أركان الإسلام وواجباته، إلا أنه حظي بحضوره بوصفه مدخلَ تأمُّلٍ فكريٍّ ووجوديٍّ في الحضارة الغربية. ومع ذلك، فلا يزال النقد يسلّط الضوء على تعقيداته وحدوده، عبر عدسات الامتياز الطبقي والجندر والبيئة، وهو ما جعل الفكرة القائلة بأنه مدخل حرية ونشاط محل مراجعة».
فكرة الكتاب
الأستاذ الدكتور معجب العدواني أكاديمي مثابر، وناقد مضيء بما يتناوله من زوايا بحثية. وتتميّز كتاباته بالجدية والتحديث، وتتخذ من الموروث القديم والإنتاج الحديث حقولًا للدراسة، فيضفي على مؤلفاته رونق الأسلوب المُحدَث، الذي لا يخلو في بيانه من أصالة السمت العربي القديم، ويقتبس من الأسلوب الغربي صلابته ومنهجيته. فيقرأ الموروث بزخم ثقافي ثري، وينقّب في القديم بمنظار المبدع الخبير، ويطرق الموضوعات الحديثة بإضاءات الكاتب البديع، وهذا يجعلنا نقرأ الظواهر الثقافية كما لو أننا نلامسها لأول وهلة.
ومن المؤلفات الجديدة التي قدّمها كتاب «المشي، مسارات ثقافية»، الصادر عن دار مدارك للنشر عام 2026م، وهو كتاب نادر من حيث سعة النطاقين الزمني والمكاني اللذين اعتمدهما المؤلف، ومن حيث تعدّد مصادر الشواهد والأمثلة التي اتكأت عليها المباحث، ومن حيث شمولية التغطية لجوانب الظواهر المدروسة لغويًّا وفكريًّا وثقافيًّا وفلسفيًّا، وكل ذلك استنادًا إلى المصادر العربية والغربية، قديمًا وحديثًا.
ويذكّرنا المؤلف قائلًا: «وأظنُّ مرة أخرى أنَّ تجربتي مع المشي وثقافته ممزوجة بين الفطري والمصنوع؛ إذ إن الفطري منه كان نتاج بيئة جنوبية عشتها مبكرًا، استُهلَّت بسنوات المرحلة الابتدائية في منطقة الباحة، فقد كان قوام الحياة بتواتره لإنجاز كل شيء، فالجميع في حركة مستمرة، ولا يقبع في بيته إلا مريض أو كبير في سنه غير قادر على النهوض. كان الإنسان في القرية وغيرها نحلة دؤوبًا، لكنها بلا أجنحة، ونملة صعبة المراس، غير أنها تسير على ساقين».
ولعل المتعة التي نلتذُّ بها بعد قراءة الخطوة الأولى، «المقدمة»، هي متعة الاستدراج إلى ما بعدها؛ فما بعد المتعة هنا، حتمًا، ليس بطلاوة الحديث السابق وحلاوته. تلك الإلماحة السيرية أوقفتنا على البعد الروحاني الذاتي لإنتاج الكتاب، وهي جزء من كل، وأساس البدء في التفكير في موضوعه، وإشارة خاطفة إلى المرحلة الزمنية التي استغرقها، وتجيب عن تساؤل حول سبب التعلّق بالمشي جسديًّا. والمؤلف سيجيب صراحة عن التساؤل المركزي في الخطوة الثانية من الكتاب، وهي خطوة «التمهيد»، عندما تساءل قائلًا: لماذا نكتبُ المشي ثقافيًّا؟
فكتب مجيبًا: «وتكون الإجابة شبه الآلية: لأنَّه قيمة إنسانية نمارسها بوعي أو بلا وعي، ولهذا ندّعي أنه يمثل نظامًا ثقافيًّا في نفسه، ويتصل بأنظمة ثقافية مؤثرة وموازية له. وإن نظرنا إليه نظامًا، فمن اللازم أن نتأمل كيفية عمله وآلياته، ورمزيته ومكوناته. ثم تضيف الإجابة: إنَّ مزاولة المشي الفعلية لها جذورها وامتداداتها المتشابكة تاريخيًّا وأنثروبولوجيًّا وأسطوريًّا، وتصل أهميته الثقافية الكبرى إلى كونه أبَ الحلول وأمَّها، صحيًّا ونفسيًّا واتصاليًّا… ولعلنا نتجاهل تأثيره في ثقافات رسّخت تهميشه، وربما سعتْ إلى تغييبه».
وحسب ترتيب المؤلف للكتاب، فقد قسمه إلى خطوات، فكانت الخطوة الثانية تتحدث عن مرجعيات المشي في المصادر المعجمية، وفي الثقافة العربية الموروثة، وفي المصادر الدينية، وفي الحضارة الإسلامية، وغيرها من الحضارات، مع إلمامة تسلّط الضوء على الجديد الطارئ، مثل فلسفة المشي النسائية.
فالحضور اللساني لملفوظ المشي موجود ومشار إليه حسب معطيات الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المنقولة إلينا. وكذلك كانت هناك رؤية خاصة للمفكرين المسلمين، من خلال إشارات الفارابي وابن سينا، ولكن المدلول اللفظي لمفردة المشي ظل، في الغالب، قابعًا في التوصيف الجسداني فحسب، وفي الحيز الجغرافي تحديدًا، بمعنى: مشى؛ أي انتقل على قدميه من مكان إلى آخر بإرادته، دون التفات إلى ملامسة جوانب فكرية أو ثقافية أو اجتماعية في ظاهرة المشي، إلا ما كان من بعض المتصوفة الذين استشعروا لطيفة روحانية للمشي، وذلك بالحديث عن رحلة السير وعلاقتها بعلم السلوك العرفاني.
وهذا نجده في أشعار جلال الدين الرومي، الذي طوَّع المشي وسيَّره إلى مدلولات عرفانية أرحب؛ فالغاية من السير هي الوصول إلى المعرفة والولوج في أعماق النفس البشرية، حينما كان يرى أنَّ الكون بأسره في الداخل. ولنا أن نقرأ قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ). وقد أشار المؤلف إلى تسمية هذا النوع «المشي الروحي»، وصولًا إلى الحقائق الإنسانية الداخلية من خلال تجربة السير والسعي في الأرض.
وفي المقابل، كان المشي في الفلسفة الغربية يشكّل بُعدًا آخر من التجربة الحسية؛ فهو نشاط بدني مهم، ولكن الغاية منه التفكير في إنتاج المعرفة وإنشاء المعاني الجديدة. وهذا ما جعل فيلسوفًا عملاقًا مثل نيتشه يصرّح قائلًا: «إنَّ كلَّ الأفكار العظيمة كانت تُستوحى أثناء ممارسة المشي». وقريبًا من مقولة نيتشه، كان الفرنسي روسو يطبّق ذلك عمليًّا في كتابه «الاعترافات»، فقد ظهرت بجلاء أنها أحلام يقظة لجوّال منفرد.
في هذه الخطوة الثانية، بذل الباحث، مشكورًا، جهدًا إضافيًّا في مراجعة الكتب المؤلَّفة في الغرب التي تتناول موضوعات المشي. وقد لمستُ إعجاب المؤلف بأكثر من كتاب من تلك الكتب التي راجعها، لعل أبرزها الكتاب الشهير «المشي فلسفة»، للفرنسي فريدريك غرو، والكتاب الآخر «حبُّ التجوّل: تاريخ المشي»، للكاتبة الأمريكية ريبيكا سولنيت.
ويرى المؤلف أنَّ هذه الكتب استندت إلى قراءات أنثروبولوجية وفلسفية في أغلبها؛ ولذلك سينفرد كتاب «المشي، مسارات ثقافية» بإثراء الدراسات بالمداخلات الأدبية، شعرًا ونثرًا وأمثالًا وسردًا، دون تقليل من النظرة الفلسفية والثقافية والاجتماعية. وهذا من حسنات الكتاب؛ فالمؤلف هنا، بأمانته العلمية المعهودة، يعزو إعجابه بهذه الكتب إلى أنها ستغطي بعض المداخل في الثقافة العربية، في ظل ندرة التأليف العربي فيها. وكل ذلك يُسجَّل للكتاب، مع الموضوعية وعدم اعتناق فكرة محددة أو ترسيخ فرضية معينة، ومع توصية المؤلف الكريم بضرورة دراستها وإخضاعها لمزيد من المراجعات التي تستحقها.
أورد المؤلف مفهومين في الخطوة الثالثة من الكتاب، تحت عنوان «تمثيلات التوازن: المشي والسقوط في نماذج من الأسطورة»، ومثَّل لهذين المفهومين بأسطورتين شهيرتين في الحضارة الغربية، هما أسطورة سيزيف، رمزًا للعذاب السرمدي، وأسطورة أوديب، بوصفها سيرة حياة وتمثيلًا بنيويًّا لشقاء الفرد. واختار المؤلف، بالتوازي، من الثقافة العربية أسطورة «أبناء نزار الأربعة»، التي تمثل فراسة المشي الأسطورية، كما جاءت في الكتب العربية، مع متابعة ما جاء في السرد الحديث مما يشابهها، مثل وصف تاجر الماشية «ابن بركي» للأجساد، وتحديد الوجوه والأقدام في رواية «ثالثة الأثافي» لسعود الصاعدي.
وخلاصة القول فيها، كما ينظر إليها المؤلف: «إنَّ المشي أضحى فيها رمزًا في ظاهره وباطنه؛ ظاهره رحلة جسدية رياضية، وباطنه رحلة روحية وفكرية، وكلتا الحالتين تشكلان معًا معنى الوجود الإنساني وعمق تفاصيله، وذلك موازٍ لثنائية آلية عملية المشي والسقوط…».
ولأهمية هذين المفهومين، «المشي والسقوط»، ولزيادة الإفادة والمتعة، ذهب المؤلف إلى إفراد الخطوة الرابعة بدراستهما وتطبيقهما في نماذج من الشعر الشعبي، باعتبار المشي استعادةً للتوازن في الحياة، في كل خطوة نتخذها، سواء كانت خطوة فعلية متجسدة في الفضاء، أم خطوة رمزية في مسارات حياتنا.
وقد مثّل الكتاب بنماذج شعرية أجنبية، وكذلك استشهد بأنموذجين من شعرنا المحلي، هما المقطوعة الغنائية القصيرة للأمير بدر بن عبدالمحسن، بعنوان «تعب الطريق»، ونص «لا وعد»، من شعر الأمير محمد العبدالله الفيصل.
«وقد يبدو تعريف المشي بأنه فعل يومي بسيط في ظاهره، من خلال تقبيل سطح الأرض بباطن القدمين، كما يحرّض على ذلك الشاعر الفيتنامي ثيش نهات هانه، ولكنه يتضمن في باطنه جماليات عميقة، وتجربة معقدة، تظل مراوحة بين السعي إلى التوازن والخوف من السقوط…».
فالمشي، كما يراه المؤلف، تجربة تعتمد على توازن دقيق بين الحركة والاستقرار. وفي كل خطوة، يعتمد الجسد على إحساسه الداخلي بالتوازن للحفاظ على استقامته والتقدم إلى الأمام. وفي هذه الموازنة تنشأ المشابهة بين السير والتفكير الجاد؛ إذ يحتاج المرء إلى إحساس قائد يضبط توجيه الحركة إلى الأمام، ويجنّبه السقوط في لحظات الشك وعدم اليقين. ولحظة السقوط غير مرغوبة، وتُشعِر بالخلل، وتجسّد وضعية الضعف البشري، ولكن فيها إيجابية النهوض وقدرة الجسد على معاودة السير، وسيكون بعد السقوط أكثر خبرة وأشدَّ مراسًا.
في الخطوة الخامسة، اقترح الكتاب عنوانًا أقرب إلى الموروثات القديمة، وأسماه «المشي والماء». فالمشي على الماء له طابع خاص، وله صلاته بالأديان والأساطير والحكايات الخرافية. ولعل أبرزها بالنسبة إلينا قصة النبي موسى، عليه السلام، حينما ضرب البحر بعصاه واجتازه فرارًا من فرعون.
ويلعب المشي على الماء دورًا رمزيًّا في المدونات المسيحية القديمة، وفيما ورد في السرد العربي القديم من حكايات البحارة العرب الذين جابوا البحار والمحيطات، وقدّموا لنا مدونات سردية عن المخلوقات البحرية التي تتمكن من المشي على سطح الماء، كالجن وبعض المخلوقات الغريبة.
وهذا، بالتحديد، كان له صدى في الرواية العربية الحديثة، وكل ذلك كان من باب توظيف الحكاية الخرافية وجعلها رمزًا للقوة الروحانية، الأمر الذي توسّله كثير من المتصوفة وادّعوه، وجعلوه من علامات قربهم من العرفان وامتلاكهم قدرات روحانية غريبة. ولذلك اتخذ المؤلف من إحدى الحكايات القديمة عنوانًا جانبيًّا، أسماه «لو لم أفعلْ هذا لمِتُ»، وهي من الحكايات العربية التي تستحق القراءة والتأويل.
ومن العناوين الجانبية التي ناقشها المؤلف «المشي والماء في الشعائر». وقرأ المؤلف، تحت هذا العنوان، أفعال المشي المتواترة في الشعائر، وخاصة حين يتداخل أداء الشعيرة مع الماء، كأهمية الوضوء والمشي إلى العبادات. وأورد المؤلف القصة الشهيرة عن سيدتنا هاجر وابنها إسماعيل، عليه السلام، وحركية السعي بحثًا عن الماء أو عمّن يملك الماء.
ولعل أميز عنوان هنا هو ذلك المبحث الخاص، «المشي والماء شعرًا». وهنا يكشف المؤلف عن العلاقة بين المشي والماء في نصوص شعرية متميزة، سواء من الشعر القديم أم من الشعر الحديث. وقد وظّف النصان الماء علامةً على حسن مشية المرأة، لتبدو علاقة الماء بالمشي على النحو الدال عليه في قول الأعشى: «تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحلُ»، والصورة الأخرى في قوله: «مرُّ السحابة، لا ريثٌ ولا عجلُ». فالصورتان هنا، «الوجي الوحل» و«مر السحابة»، ترسّخان جمالية المشي واتزانه وهدوءه.
أما الشاعر السعودي جاسم الصحيّح، فيقول في نص له بعنوان «تجيئين نهرية المشي»:
«تجيئين مثل عروس الأساطير
غارقة الخطو في لجة من نغم
تجيئين آمنة كالسكينة
تمتد ما بين كعبيك
مملكة من حمام الحرم».
فالصورة الحديثة لحورية النهر هنا ترفض مقارنتها بالصورة الخاصة بالأعشى، ولم تكن الصورة الحديثة لتأتي إلا بعد قراءة الصورة القديمة واستيعابها والتجديد فيها. ولم يكتفِ المؤلف بالنموذجين السابقين، وإنما مثّل بشواهد حديثة أخرى للشاعرة روضة الحاج، وللشاعر أحمد الشهاوي.
وفي الخطوة السادسة، التي أسماها المؤلف «المشي الجمعي والأهواء»، يهدف إلى تحليل المشي ثقافيًّا، عندما يُنظر إليه بصفة جمالية انفعالية جمعية، تغدو فيها الجموع أكثر استغراقًا في أفكارها، وأشدَّ إيمانًا بما لديها من معتقدات.
ومن الأمثلة والحالات التي درسها الكتاب «المشي في الأفراح»، وهو صورة من صور الانفتاح على الحياة: «وبهذا تُقرأ الخطوات في الأفراح، بوصفها تمثيلًا انفعاليًّا ثقافيًّا، يُعاد فيها تنظيم الجسد ضمن فضاء عام، فيتبادل حمل الأهواء الجمعية، بصفته عضوًا في جماعة تحتفل، فيجتاز الفرد الاحتفال بنفسه، ليصل إلى الجماعة، وليحتفل أيضًا بالعلاقة التي تجمعه مع الآخرين، ويصله بذلك التحول الاجتماعي الذي ترمز إليه المناسبة، وربما ترسخه».
ومن أنواع المشي الجمعي المقدَّمة للدراسة: «المشي في الأسواق»، و«مشي الجنائز»، و«مسيرات النصر». وهي كلها تمثل لغة غير منطوقة تعبّر عن الحالات الداخلية للجماعة من خلال الحركة في الفضاء، وكل خطوة علامة تدلُّ على حالة داخلية.
ويقدّم الكتاب في الخطوة السابعة دراسة من أميز الدراسات تلامسًا مع المسارات الثقافية للمشي، عبر ما أسماه المؤلف «المشي… الجسد والمكان». ويقصد الكتاب بالمكان الحيز الجغرافي، الواقعي والمتخيّل، والمادي والرمزي.
والدراسة هنا تستقصي الوجود الجسداني في المكان، ومساهمته في تشكيله، وفي الوقت ذاته تدرس المكان من حيث أثره في تشكيل الجسد، وأثره الحسي والعاطفي، وكأنَّ العملية هنا تفاعلية بين الجسد والمكان.
وتمضي الدراسة إلى قراءة المكان من زوايا ما تسميه «الأماكن الذابلة» وما تسميه «اللامكان»، وهو الفضاء المكاني الذي اقترحه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو، وسمّاه «الهيتروتوبيا».
وتخلص الدراسة هنا إلى أنَّه «ربما كان المكان، بعيدًا عن الصور السابقة، فضاءً للمعايشة الحسية، أو ملهمًا للنشاط، أو باعثًا على الكسل، أو مصدرًا للراحة، أو دافعًا إلى القلق، نتيجة تفاعلنا الإنساني الأولي معه، وما ينتج عن ذلك من مستويات، منها ما يمنحنا بعض الإحساس بالحرية، كما في المساحات المفتوحة، ومنها ما يمكن أن يضيف إلينا شعورًا بالتوتر أو توجسًا يقود إلى الحذر. ومع ذلك، نلحظ أنَّ المشي في تلك الفضاءات قد يوظَّف في صور مجازية للإشارة إلى صعوبة الانسجام وقسوته أحيانًا».
وقد برزت في هذا الحقل ظاهرتان من ظواهر المشي: الأولى «التجوّل»، أي رحلة المشي والتأمل، والأخرى «الابتذال». ففي الظاهرة الأولى، قدّم المؤلف تفسير فالتر بنيامين لها، مع التركيز على شخصية «المتجوّل» الذي يسير في شوارع المدن لمعرفتها على حقيقتها، ملتقطًا تفاصيل الحياة العصرية فيها.
وكما يقول المؤلف: أسهمت كتابات بودلير في ترسيخ فكرة أنَّ المشي في المدينة قد يكون أيضًا عملًا فنيًّا وفعلًا فلسفيًّا، وله بعض الإشارات الجليلة إلى المتجوّل المثالي، تلك الشخصية التي حضرت أولًا في الأدب الفرنسي.
ومثّل الكاتب على ظاهرة الابتذال بمثال من الثقافة العربية، هو المشهد الذي يتحاور فيه عباس الحلو مع حميدة في رواية «زقاق المدق» لنجيب محفوظ. ويذهب المؤلف إلى أنَّ العلاقة بين الجسد والمكان ناتج تجربة مشتركة تتمثل في فهم الصلة بينهما. وتشكّل هذه العلاقة المتبادلة أُسَّ التجربة الإنسانية اليومية التي يُفسَّر من خلالها المكان، ويُعاد خلقه، ويتحوّل بها وعبرها إلى مساحات من التفاعل والتعايش.
وفي الخطوة الثامنة، ما زلنا في المسار الثالث، في قسم قد يكون مترابطًا مع سابقه، أسماه الكتاب «في سردية المشي». فالسرد له علاقة مثمرة مع الحركة الفيزيائية، ويتناول موضوعات واسعة ومتواشجة مع الحركة والتنقّل والعبور، كالهجرة واللجوء والارتحال وغيرها.
وينقل الكتاب عن دافيد لوبروطون قوله: «رحلة المشي على الأقدام، سواء أكانت طويلة المدى أم قصيرة، هي طريق للشفاء، وموئل للمصالحة مع المحيط. وأن يغلق المرء وراءه باب مسكنه، يعني أخذه لعطلة من الهواجس الداخلية، وإعادة امتلاك حياته».
وفي هذا القسم، ركزت الدراسة على مباحث «البطل والمكان والموضوع». والمؤلف ينظر إلى المشي على أنَّه قصة تُحكى، لها بطل ومكان وزمان وموضوع، ومع كل خطوة يخطوها المرء تتشكّل قصة تتضمن تفاصيل المعيش اليومي، ممزوجة بأحلام الفرد وصراعاته وانفعالاته.
فالشخص الذي يمشي ويسير هو البطل، وربما كان فنانًا يجوب المدينة لاكتشاف زواياها الخفية، أو حتى متسوّلًا مهمّشًا يبحث عن لقمة العيش. وهذه الحكايات، مما لا شك فيه، تشتمل على أبعاد الزمان وأجزاء من المكان، ومن هنا تتشكّل فضاءات الحكاية اليومية للمشي.
وربما كان الموضوع من الأهمية بحيث يمثل بحثًا عن الذات والمعنى، فيكون المشي كشفًا لما يحيط بنا، ومحاولة لتفسير المعاني الخفية أو فكّ رموز وجودنا. وقد يكون الهدف من المشي معرفة العوالم الخارجية وإعادة اكتشاف وجود الذات في محيطها، وربما يسعى الموضوع إلى إقامة روابط تفاعلية مع البيئة والمحيط والطبيعة.
وركزت الدراسة هنا على مبحث آخر، هو «تفاعل العناصر: القصة الموجزة للمشي». أما السرد، ففي العادة يستطيع جميع الناس تقريبًا الحكي وسرد ما حدث عندما يعودون إلى منازلهم، ولكن ما يميّز ساردًا من آخر هو تفاعل العناصر بعضها مع بعض؛ فاجتماع البطل والمكان والزمان والموضوع يشكّل نصًّا سرديًّا.
ومن أبرز المفكرين الذين أسهموا في فهم هذه السردية بول ريكور، كما يذكره الكتاب في مبحث «تفاعل العناصر: القصة الموجزة للمشي». فريكور يؤكد كيف يشكّل القص جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. وقد يكون السرد بسيطًا وغير معقد، مثل رحلتنا اليومية، وأحيانًا يصعد سلّم التعقيد، فيكون من المحاولات التي تعمد إلى سبر الذات ومقاومة الأنظمة الاجتماعية. وهذا النوع من السرد يجمع بين الحركة الجسدية الطبيعية والسرد بالمفهوم الفني.
وما زلنا في المسار الثالث، في الخطوة التاسعة، وهي بعنوان «المشي في الفضائين العام والمجتمعي». ومحور الدراسة هو تحوّل المشي في هذين الفضائين من مجرد حركة جسدية وعبور مكاني وقطع مسافة جغرافية إلى رحلة فكرية وتجربة فلسفية، سعيًا إلى معرفة أكبر بذواتنا، ووصولًا إلى فهم أعمق لنفسياتنا في الفضاءات العامة المفتوحة، مثل المقاهي والشوارع والساحات.
ويكون المشي هنا اكتشافًا لتلك الفضاءات المفتوحة أيضًا؛ فكل خطوة على الرصيف تعلوها آثار الحكايات والتجارب، كغبار لا ينفك يضع بصمته على الأقدام، كما يقول المؤلف. وفي المقابل، هناك التنقّل بوسيلة آلية، كركوب السيارة مثلًا. ويعقد الكتاب مقارنات شائقة بين الوسيلتين، من حيث تأثيرهما في الذات الفاعلة والمتأثرة بالمكان والذاكرة، وعلاقة كل ذلك بصناعة الإبداع فنيًّا، وبجدلية الفكر فلسفيًّا.
قد يبدو الكتاب قليل الصفحات، ولكنه عميق في حفرياته الثقافية، وشاسع في مديات تناوله. وهو يدهشنا بدُربة كاتبه في اختيار الخطوات تقسيمًا وتفريعًا لأجزاء الكتاب؛ إذ يحتوي على عشر خطوات جاءت على قدر من الأسبقية في المعالجة، وعلى مستوى عالٍ من الإضافات الموضوعية، وعلى رتبة عليا من سبر الظواهر المدروسة تحليلًا وتنقيبًا.
والدراسات جميعها تخضع لمنهجية مؤلف مقتدر على التركيز والتكثيف، مع مراعاة تقليب جوانب المباحث وإدراك مراميها فنيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا. وكما يقال: إذا كانت رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، فإنَّ كتاب «المشي، مسارات ثقافية» خطا مسيرته مبتدئًا بعشر خطوات بارزة للعيان، للاهتداء بها.
فالكاتب سعى بخبرة في الرصد، وبحنكة في تأمل مواده التأليفية، والكتاب لا يعوزه التوغّل في الثقافة العصرية، مع متابعة للأساطير والمصادر الدينية لتجويد القراءات. ولأجل كل ذلك، أزعم أنَّ الكتاب فتح أبوابًا بخطواته العشر، وسدَّ احتياجًا في مكتبتنا بمساراته الأربعة، وأرجو أن يكون الإصدار مدخلًا مؤاتيًا للدراسات المستقبلية في بابه.
** **
- بكر منصور بريك