ينظر عباس محمود العقاد إلى جميع الفنون الأدبية نظرةً فكريةً أكثر منها أدبية؛ وذلك يعود إلى خلفيته الثقافية والفكرية والفلسفية، الأمر الذي انعكس على مقاييسه في تفضيل الشعر على سائر الفنون الأخرى، ومنها القصة الفنية.
إنَّ العقاد يرى جميع الفنون والآداب تقوم على مقياسين يغنيان عن أيِّ مقاييس أخرى؛ هما الأداة بالقياس إلى المحصول، ثم الطبقة التي يشيع بينها كل فن من الفنون.
ومن هذا المنطلق، تتَّضح رؤيته إلى الفنون الأدبية؛ إذ كلما قلَّت الأداة، وزاد المحصول، ارتفعت طبقة الفن والأدب، وكلما زادت الأداة، وقلَّ المحصول، مال إلى النزول والإسفاف.
يتجلَّى موقف العقاد من القصة والرواية، حينما قال: “وما أكثر الأداة، وأقل المحصول في القصص والروايات، إنَّ خمسين صفحة من القصة لا تعطيك المحصول الذي يعطيك بيت كهذا البيت:
وَتَلَفَّتَتْ عَينِي فَمُذْ خَفِيَتْ
عَنهَا الطُلُولُ تَلَفَّتَ القَلبُ
أمَّا لماذا؟ فلأنَّ الأداة هنا موجزة سريعة، والمحصول مسهب باقٍ؛ ولكنَّك لا تصل في القصة إلى مثل هذا المحصول إلَّا بعد رحلة طويلة في التمهيد والتشعيب.
في حين يقوم مقياس الطبقة حسب شيوع كل فن من الفنون بينها، فهو أقرب من هذا المقياس إلى إحكام الترتيب والتمييز. ولا خلاف في منزلة الطبقة التي تروج بينها القصة دون غيرها من فنون الأدب، سواء نظرنا إلى منزلة الفكر، أو منزلة الذوق، أو منزلة السن، أو منزلة الأخلاق.
ومن المُلاحظ أنَّ العقاد ينطلق من رؤيته قبلًا إلى ما سمَّاه بالشيوع والذوق، والسهولة والصعوبة؛ إذ ليس أكثر شيوعًا من ذوق القصة، ولا أندر من ذوق الشعر والطرائف البليغة، وليس أسهل من تحصيل ذوق القصة، ولا أصعب من تحصيل الذوق الشعري الرفيع حتى بين النخبة من المثقفين.
ولتجلية ذلك؛ نلاحظ أنَّ العقاد كان واضحًا حيال مقياس المفاضلة ما بين الشعر والقصة، حينما قال: “لا أقرأ القصة حيث يسعني أنْ أقرأ كتابًا أو ديوان شعر، ولستُ أحسبها من خيرة ثمار العقول، قد تكون الرواية أخصب قريحة وأنفذ بديهة من الشاعر أو الناثر البليغ، ولكن الرواية تظل بعد هذا في مرتبة دون مرتبة الشعر ودون مرتبة النقد أو البيان المنثور”.
ومن خلال المقتبس السابق، نرى أنَّ العقاد محكوم بمعيار استثنائي، هو أنَّ البلاغة هي الإيجاز، وصولجان الشاعر هنا أعلى من مصباح الناقد، فهو بهذا يدافع عن الشعر باعتباره ديوان العرب؛ ولكنْ من العدل عدم التعميم في الحُكم، فهناك روايات تفوق أعمال كبار الشعراء، ولكلِّ عصر نجومه؛ الأمر الذي يحيلنا إلى الخلفية الذهنية، والنبع الثقافي، والفكري، والفلسفي؛ فضلًا عن السياقات التأريخية لبواكير القصة في الأدب العربي.
وتأكيدًا على ما ذهب إليه، نلحظ أنَّ العقاد يرى أنَّ الشعر أنفس من القصة، وأنَّ محصول خمسين صفحة من الشعر الرفيع أوفر من محصول هذه الصفحات من القصة الرفيعة؛ لأنَّ الشعر أوفر وأغنى، وأنَّ معدن الشعر أنفس وأغلى من معدن الرواية.
وفي سبيل إثبات ذلك، يطالب بأخذ ألف صفحة من رواية أو عدَّة روايات، وأخذ ألف صفحة من الشعر الرفيع، ثم الرجوع إلى حُكم القرَّاء فيما شعروا به بعد قراءة القصائد، وقراءة الحكايات، أو قدر ما يشعرون به على سبيل الظن والتخمين. وهذا المطلب الذي يحتكم إليه العقاد، ينطلق من مبدأ عقلي بحت؛ لأنَّ العقل يحتله الأسبق إليه، وبهذا فالشعر سابق، وهذا السبق هو الذي شكَّل تلك الذائقة؛ لأنَّ مزاحمة هذا المحتل وإزاحته ليست بالأمر الهيِّن أو السهل.
فالعقاد يستزيد من دواوين الشعر، ولا يستزيد من القصص، وأنَّ القصة ليست بالعمل الذي يحسب للأديب، وأنَّها ليست بأفضل الثمرات التي تثمرها القريحة الفنية، وإنْ اتَّخذها معرضًا للتحليل النفسي، أو للإصلاح الاجتماعي لا يفرضها ضربة لازب على كل كاتب؛ لأنَّ الشعر من شأنه -حسب رأيه - أنْ يجمع المعنى الكثير في اللفظ القليل، فتلك هي المفاضلة بين طبيعة الشعر وطبيعة القصة، وإنْ بلغت في بابها غاية الإتقان.
** **
- أ.د.ساري بن محمد الزهراني