حاورته - سارة العَمري:
قبل أكثر من عقد، اختار الدكتور عبدالرحمن الحسني الشدوي الحوثيين موضوعًا لرسالته للدكتوراه، متتبعًا أصول الجماعة ونشأتها وبنيتها العقدية والتحولات التي مرت بها، في دراسة صدرت لاحقًا في كتاب حمل عنوان «الحوثيون: أصولهم ونشأتهم وعقائدهم»، لتسبق الدراسة مرحلة التحولات الكبرى التي شهدها اليمن بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، وانتقال الجماعة من نطاقها المحلي إلى سلطة أمر واقع تمتلك مؤسسات وسلاحًا ونفوذًا يتجاوز الداخل اليمني.
واليوم، بعد سنوات من ذلك التحول، يعود السؤال إلى الأفكار التي درسها الشدوي في أطروحته قبل أن تتسع سلطة الجماعة، ماذا بقي منها بعد الوصول إلى الحكم؟ وهل كشفت السلطة ما كان كامنًا في بنية الحوثيين منذ نشأتهم أم أعادت تشكيل عقيدتهم؟ وأين يقفون اليوم من الزيدية التي ارتبط اسمهم بها؟ وكيف حضرت مفاهيم الولاية والنسب والاصطفاء والمظلومية في تصورهم للدولة والمجتمع؟ وفي هذا الحوار مع «الجزيرة الثقافية» يعود الشدوي إلى جذور الحركة التي جعلها موضوعًا لبحثه الأكاديمي، ويقرأ ما طرأ عليها بعد انتقالها من حركة محدودة في صعدة إلى سلطة أمر واقع، وصولًا إلى السؤال الأبعد حول ما يمكن أن يبقى من مشروعها الفكري إذا انتهت المواجهة العسكرية بتسوية سياسية.
عقيدة الحوثيين الفاسدة
بعد سنوات من تحول الحوثيين من جماعة محدودة إلى سلطة أمر واقع، هل غيّرت السلطة عقيدتهم أم كشفت ما كان كامنًا فيها منذ البداية؟
هناك مسارين للجواب على هذا التساؤل ولكلٍ أدلته، والأرجح عندي أن ما حدث هو مزيج من الاثنين؛ حيث انطلقت هذه الحركة في أوائل التسعينيات تقريبًا 1982 على يد صلاح فليتة كحركة إحياء زيدي ثقافي تحت اسم «الشباب المؤمن» في صعدة -وكانت سرًا- كرد فعل على تراجع الهوية الزيدية بعد قيام الجمهورية 1962م، ثم أصبحت حزبًا «حزب الحق» عند السماح بالتعددية عام الوحدة 1990م، وعند فشلهم في حيازة مقاعد في مجلس الشعب وأحسّوا باليأس من تحقيق مرادهم حصل خلاف بينهم فانشق بدر الدين الحوثي وأولاده عن رئيس الحزب مجد الدين المؤيدي وطلابه مكونين اتجاهًا مغاليًامدعومًا من إيران، وساعد في ذلك لعبة التوازنات التي كان يلعبها علي صالح، فكانت بدايتها الدعوة إلى عدّة أفكار من خلال مناهج مراكزهم الصيفية وملازم حسين الحوثي؛ إحياء المذهب الزيدي «الجارودي»، التظاهر برفض التبعية للغرب وإسرائيل وأمريكا، وهو ما تجسد في شعار «الصرخة» عام 2002، التمترس وراء إظهار الاعتراض على تحالف نظام علي عبدالله صالح مع أمريكا، المطالبة بحق البطنين «آل البيت» في الولاية.
في تلك المرحلة كان خطابها دفاعيًا، محليًا، ومحدودًا جغرافيًا بصعدة، لذا يرى البعض أن عقيدة الحركة لم تتغير، لكن إمكانيات الدولة سمحت لها بتطبيقها؛ ففكرة «الاصطفاء» وحصر الولاية في البطنين كانت موجودة في ملازم حسين الحوثي منذ 2001-2004، قبل أي سلطة، لكنها لم تظهر كمشروع سياسي إلا بعد 2014 في وثائق مثل «الوثيقة الفكرية» والمناهج الدراسية الجديدة.
أيضاً العداء للجمهورية كنظام؛ الحركة لم تعترف يومًا بشرعية 26 سبتمبر، وتعتبر أن الحكم الجمهوري اغتصب حق الإمامة، وإنما هم تحت النظام من باب نظرية الاحتساب التي استخرجها بدر الدين الحوثي كما ذكر في أحد مقابلاته، ومن المفارقات أن الأب الروحي للحركة لم يرض عن الإمام قبل الجمهورية وادعى الإمامة وقتها. شعار «الموت لأمريكا» كان رمزيًا عندما كانت مليشيا محاصرة، وتحول إلى سياسة خارجية وتحالف إقليمي وتنازلات ومفاهمات عندما أصبحت المليشيا سلطة تملك صواريخ وميناء، فأصبح لهم تفاهمات وعلاقات ومفاوضات مع أمريكا والكيان. ممارسات مثل فرض «الخُمس» وتغيير المناهج وفرض مشرفين من سلالة معينة، يراها البعض تطبيقًا حرفيًا لفقه الإمامة التقليدي الذي كان يتحدث عنه حسين الحوثي في مجالسه، وعلى هذا الرأي السلطة لم تصنع العقيدة، فقط أعطت مليشيا الحوثي أدوات الدولة.
ووجهة النظر الثانية أن السلطة غيّرت العقيدة، وهناك من يرى أن ممارسة الحكم غيّرت الحركة جذريًا، من حركة زيدية «جارودية» يمنية محلية إلى حركة عابرة للحدود مرتبطة بمحور إقليمي، بخطاب عقائدي قريب من ولاية الفقيه، وهذا لم يكن حاضرًا في بداياتها، و من حركة مدّعية التمرد على الظلم إلى سلطة أمر واقع تمارس استعباد اليمنيين والزج بهم في حروب أهلية وإقليمية وتفرض عليهم التجنيد الإجباري، والضرائب، وإدارة اقتصاد حرب، مما خلق مصالح اقتصادية وعسكرية جديدة غيرت أولوياتها.
ثم التطرف العملي، حروب صعدة الست «2004-2010» ثم حرب 2014 وما بعدها، جعلت الخطاب أكثر عنفًا وتكفيرًا للخصوم حتى مع الزيدية أنفسهم، والبراغماتية السياسية، عندما كانت حركة احتجاجية كانت تتحالف مع أحزاب يسارية وقومية، وعندما أصبحت سلطة تحالفت مع حزب المؤتمر الذي قاتلته لسنوات، ثم انقلبت عليه.
الخلاصة أن منطق البقاء في السلطة فرض عليها أن تصبح أكثر مركزية، وأكثر تشددًا، وأقل زيدية تقليدية وأكثر ثورية، وأرى كما يرى البعض أن الصورة مركبة من الأمرين، الحركة لم تبدأ كمشروع حكم، لكنها كانت تحمل في أدبياتها نواة مشروع حكم ديني وراثي، فالسلطة فعلت شيئين في نفس الوقت؛ كشفت الجوهر العقائدي المتعلق بالولاية والاصطفاء لأنه أصبح قابلًا للتطبيق، غيّرت الوسائل والخطاب من حركة كهفية محاصرة إلى دولة تريد شرعية دولية، وتدير ملايين الناس، وتخوض حربًا إقليمية، بمعنى آخرالعقيدة المتطرفة هي العظم، والسلطة هي اللحم الذي يغطيه.
الحوثيون والزيدية!
إلى أي مدى ما زال من الدقيق وصف الحوثيين بأنهم امتداد للزيدية، وأين تقع القطيعة الفكرية بينهما اليوم؟
الصحيح أنهم انشقاق عن الزيدية، وليس امتدادًا لها، الزيدية التاريخية في اليمن، خصوصًا المدرسة الهادوية المتأخرة، كانت مذهبًا فقهيًا عقلانيًا، منفتحًا على المذاهب الأخرى، وفيه مراجعات ويدعو للاجتهاد حتى أن من علمائهم الكبار من ألف كتبًا تُدرّس الآن في الجامعات والمساجد السنية، وهي تشترط في الإمام أن يخرج مجاهدًا عالمًا، ولا تشترط النص الإلهي عليه، ثم أصدرت بيانًا وضحت فيه أن مسألة الإمامة لم تعد إلا مسألة تاريخية لا يمكن تطبيقها، و تعايشت مع الجمهورية بعد 1962، وكثير من علمائها انخرطوا في الدولة والأحزاب، أما القطيعة الفكرية فوقعت في النقاط التالية:
1. من الزيدية إلى الجارودية: الزيدية في اليمن كانت في معظمها مقاربة للشافعية، والحوثية أعادت إحياء التيار الجارودي الأكثر تشددًا، وهو التيار الذي يعتبر أن النبي نصّ على علي، وأن الصحابة خالفوا النص.
2. من الإمامة كاجتهاد إلى الولاية كعقيدة: الزيدية التقليدية ترى الإمامة اجتهادًا سياسيًا ولهم في ذلك بيان عام 1990 وصمه بدر الدين بأنه بيان مطاوعة الطاغوت، والحوثية حولتها إلى أصل من أصول الدين.
3. إدخال مفاهيم غير زيدية: الاحتفال بالغدير، وطرق احتفالات الجعفرية كعاشوراء وغيرها، تقديس الأضرحة بطريقة اثني عشرية، فكرة «السيد القائد» المعصوم عمليًا من الخطأ، كلها غريبة عن الزيدية اليمنية.
لذلك علماء صعدة الزيديون التقليديون مثل مجد الدين المؤيدي ومحمد المنصور كانوا من أوائل من رفضوا حسين الحوثي.
الولاية الباطلة
تحتل الولاية موقعًا مركزيًا في الفكر الحوثي، فكيف تعيد هذه الفكرة تعريف الحق في الحكم والقيادة داخل المجتمع؟
الولاية هي حجر الزاوية في الفكر الحوثي تعني؛ أن الله اصطفى البطنين من آل البيت ليكون الحكم حكرًا عليهم، وأن طاعة «الولي» هي جزء من طاعة الله، ومعصيته خروج عن الدين، أن الانتخابات والديمقراطية والجمهورية باطلة لأنها تعطي الحق لغير المصطفى من الله، وهذا يعيد تعريف الحق في الحكم من «عقد اجتماعي بين المواطنين» إلى «حق إلهي موروث». وبالتالي القائد ليس حاكمًا منتخبًا يحاسب، بل ولي أمر متعين من الله واجب الطاعة، وكلامه إلهي لأنه قرين القرآن فهو القرآن الناطق، فمن يعارضه ليس معارضًا سياسيًا، بل منافقًا ومرتدًا.
العبث بمناهج التعليم
كيف يستخدم الحوثيون التعليم والمناهج في نقل رؤيتهم العقدية إلى الأجيال الجديدة، وما الأثر الأبعد لذلك على المجتمع اليمني؟
هو أخطر استثمار طويل المدى لمليشيا الحوثي، ويتم على مستويين؛ رسمي عن طريق تغيير مناهج وزارة التربية في مناطق سيطرتها، و إدخال ملاَّزم حسين الحوثي كمقررات، تغيير دروس التاريخ لتمجيد الأئمة، إضافة مفاهيم الولاية والصرخة، حذف فكرة الثورة الجمهورية، وموازي من خلال شبكة واسعة من المراكز الصيفية والمخيمات والمدارس المغلقة «دورات ثقافية»، يتم عزل الطفل لأسابيع وتلقينه مفاهيم الولاء والبراء بمنظورهم الجارودي، وتجريم الصحابة، وربط الدين بشخص عبدالملك الحوثي، فيكون الأثر الأبعد أنك لا تخلق مقاتلًا فقط، بل تخلق جيلًا يرى أن هذا الترتيب الطبقي للدولة هو أمر طبيعي وديني، مما يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية صعبة لأن القاعدة الشعبية تمت برمجتها عقائديًا.
الدعم الإهابي الإيراني
إلى أي حد يمثل التأثير الإيراني في الحوثيين تحالفًا سياسيًا، وإلى أي حد أصبح جزءًا من إعادة تشكيلهم فكريًا وعقديًا؟
قامت مليشيا الحوثي مرتكزة على أمرين هما نفس المرتكزات التي قامت عليها الثورة الخمينية وهما؛ مسألة قدسية الإمامة مقابل قدسية ولاية الفقيه، والثاني: رفع المظلومية عن العالم ومقصودهم بالظالمين كل من لا يعتقد الاعتقاد الشيعي بالمنظور الحوثي ولا يؤمن بولاية الفقيه ولا بقائد المسيرة.
وقد بدأ التزاوج الفكري من ذهاب بدر الدين الحوثي وتبعه ولده حسين إلى إيران قبل عام 2000، وبدأ كتحالف سياسي-عسكري-مصلحي بعد 2004، وتحول تدريجيًا إلى تأثير وتأثر عقدي أكثر، فسعت إيران إلى إعادة تشكيل فكري وعقدي واستجاب الحوثي لذلك بحسب ما يحلو له، حيث بدأ استيراد بنية فكرية اثني عشرية كاملة، وهي فكرة الولي الفقيه وتحولت إلى «قائد المسيرة»، وأدخل الاحتفال بيوم الغدير ويوم عاشوراء وغيرها من الأعياد بطقوس لم يعرفها اليمن، ومفهوم «المحور والمقاومة»، حتى اللباس والعمامة السوداء والخطاب، ودعمت إيران تشوّف الحوثي للسلطة بكتاب علي الكوراني الذي جعل فيه راية اليماني أصدق الرايات في عصر الظهور.
فتقدم إيران خبرة عسكرية وصاروخية وتمويلًا وإعلامًا، والحوثيون يقدمون جبهة انشقاق على النظام في اليمن وإحداث الفجوة ومن ثم السيطرة على الدولة ثم الضغط على دول الخليج، الفرق أن الحوثي لا يقلد خامنئي فقهيًا كمرجع، بل يعتبر عبدالملك الحوثي نفسه وليًا يمنيًا مستقلًا، لكنه ضمن نفس المنظومة.
استغلال الحوثي لقضية فلسطين
تستخدم الجماعة القضية الفلسطينية بكثافة في خطابها، فهل تمثل القضية جزءًا أصيلًا من بنيتها الفكرية أم مصدرًا للشرعية يتجاوز الداخل اليمني؟
القضية الفلسطينية تهم كل مسلم بلا شك، لكن يجب ألا تؤخذ ذريعة للإفساد في الأوطان، أو شماعة يعلق عليها كل فشل وتقاعس وخذلان على الشريك، ومن ثم يبدأ في إلصاق كل ذلك فيمن لا يؤمن بعقيدة التشيع -الحوثي والجعفري-، فيقول: «وهم يعرفون -يقصد اليهود- أنَّ أخطر الأمة عليهم آل محمد وشيعتهم، وأنه لن ينتصر عليهم إلا آل محمد وشيعتهم، والواقع يشهد بذلك، إنَّ القرآن الكريم يوحي أنه في ميدان المواجهة مع اليهود مع أهل الكتاب، لا تنتصر الأمة إلا بتولي علي بن أبي طالب، ولن تنتصر الأمة إلا تحت قيادة أبناء محمد وعلي بن أبي طالب صلوات اللّ ه عليهم»، ويقول «اليهود يعرفون أن السنيّة لن يشكلوا أي خطر عليهم»، ثم يخصص التشيع الثوري ويبالغ حتى يلصق ذلك التقاعس والفشل لكل من لا يؤمن بعقيدة «قائد المسيرة»، ويستجرّ ذلك إلى سب الصحابة رضوان الله عليهم «وعلى رأسهم المشائخ الثلاثة» وأنهم سبب ما حل بفلسطين فيقول: «... أبو بكر رجع منهزمًا، وعمر رجع منهزمًا، فليفهم أولياؤهم أنهم سيظلون منهزمين أمام اليهود، لأنه إذا كان قد هُزم الكبار، من يجعلونهم قدوة لهم فسيُهزم الصغار، لأنَّ أي واحد منهم يرى بأنه ليس في مقام أبي بكر وعمر، إذا أبو بكر قد هزم، وعمر قد هزم فبالأولى أن يُهزموا هم وسيهزم، لقد هُزموا هم وهُزم أولياؤهم من بعدهم الآن أمام اليهود وأمام الصليبيين، وأمام المغول، وكم حصلت من هزائم عليهم في تاريخ هذه الأمة».
ويظهر استغلاله لقضية فلسطين والصرخة ضد الأمريكان وإسرائيل ليخلص بذلك إلى تدمير اليمن ويقول إن الوصول إليهم يكون عبر الخروج على النظام القائم في اليمن لأنه عميل لهم، فلا بد أن تكون الانطلاقة من داخل اليمن بالقتل وزعزعة الأمن والتفريق بين الناس.
وذلك كله ظاهر في ملاَّزم حسين الحوثي التي هي مرجع الحركة الحوثية منذ التسعينيات إلى اليوم، ومنها «يوم القدس العالمي» و«خطورة المرحلة» و«الصرخة في وجه المستكبرين».
وبهذا أخذ قضية فلسطين مصدر شرعية عابر للحدود، ليستثمرها سياسيًا، فعندما يقصف الحوثي البحر الأحمر ويقول «من أجل غزة»، فهو يخاطب جمهورًا عربيًا وإسلاميًا أوسع من اليمن، ويغطي على أزمة الشرعية الداخلية وفشله في تقديم الخدمات، وتقتيله للشعب اليمني وتشتيته وتهجيره.
الحوثي مشروع للقتل والإبادة
كيف تستطيع الجماعة أن تمنح العنف غطاءً دينيًا وأخلاقيًا، وما المفاهيم التي تجعل الأتباع يرونه فعلًا مشروعًا؟
جعلت مليشيا الحوثي من العنف فعلًا مشروعًا عبر منظومة مفاهيم مغلوطة تجعل القتل عبادة، فالجهاد في سبيل الله عنده هو قتل اليمنيين الذين لا يؤمنون بقائد المسيرة وجَعْل قتلهم ليس سياسة بل عبادة، الولاء لآل البيت والبراء ممن يحب الصحابة رضوان الله عليهم، توصيف كل معارض يمني لا يؤمن بما يدعو إليه قائد المسيرة بأنه منافق أو عميل، والمنافق في القرآن أشد من الكافر، القتيل منهم لا يموت بل يصبح شهيدًا حيًا في الجنة فورًا، ويسلمونهم بطاقات دخول الجنة، وهذا يزيل الخوف من الموت عند الأتباع الرعاع، أوامر القائد هي أوامر الله، فلا مجال للتردد الأخلاقي، بهذه المنظومة يتحول المقاتل من شخص يمارس عنفًا سياسيًا إلى مجاهد يؤدي فريضة.
هل يسعى المشروع الحوثي إلى السيطرة على الدولة فقط، أم إلى إعادة صياغة الهوية الثقافية والاجتماعية لليمن على المدى الطويل؟
الدولة هي المرحلة الأولى فقط فالمشروع المعلن في ملاَّزم الإرهابي حسين الحوثي وفي خطب الإرهابي عبدالملك هو «إحياء الأمة» بزعمهم، فيسعى للسيطرة على الدولة لتعطيه الجيش والمال، لكن الهدف الأبعد هو إعادة صياغة هوية اليمن، من يمني جمهوري سبأي حميري إلى يمني رسالي هاشمي، ومن إسلام سني-زيدي متعايش إلى إسلام ولائي استعبادي متوحش، ومن انتماء وطني يبني البلد ويعمره وينهض بالشعب إلى انتماء لمحور المقاومة لتحقيق مكاسب سياسية لدول غير اليمن وتوجهات ومؤامرات كاذبة تحت شعارات زائفة، لذلك تركيزه على التعليم والمساجد والأوقاف والمناهج أخطر من تركيزه على الوزارات.
خطر الحوثي مستمر
إذا انتهت المواجهة العسكرية بتسوية سياسية، فما الذي يبقى من الخطر الحوثي إذا ظلت البنية الفكرية والعقدية للجماعة كما هي؟
أنا على ثقة تامة في حكمة القيادة السياسية التي تتولى إدارة هذا الملف وفي هذا السياق أريد أن أعلق محذرًا من جملة من النقاط التي أرى أخذها بعين الاعتبار، فأرى أنه قد يبقى؛ فصيل حوثي متطرف داخل الدولة، مليشيا مسلحة ترى نفسها صاحبة حق إلهي، لن تقبل أن تكون حزبًا سياسيًا عاديًا، أيضًا شبكة مصالح من مشرفين وتجار حرب مرتبطة بالسلالة، ستقاتل للحفاظ على امتيازاتها، وجيل مؤدلج العشرات الآلاف من الأطفال الذين تخرجوا من المراكز الصيفية، سيكونون قنبلة موقوتة لأي استقرار، ونموذج قابل للتصدي ففكرة أن الولاية نجحت في اليمن ستلهم جماعات متطرفة مشابهة.
التاريخ اليمني يعلمنا أن الإمامة هُزمت عسكريًا في 1962، لكنها عادت لأن الفكرة لم تُهزم ثقافيًا، فأرى أن أي تسوية لا تشمل نزع سلاح التطرف الفكري لدى مليشيا الحوثي - عبر تعليم وطني موحد، وعدالة انتقالية، وإلغاء الامتيازات السلالية قانونًا - ستكون هدنة فقط، وليست سلامًا.