في الفترة التي تلت نزول رواية «الأديب الضليل»، كُتب عنها العديد من المقالات الصحفية، ومن أجل فهد فرج أُقيمت عدة أمسيات ثقافية. وفي إحدى المرات، كان مؤلف الرواية الأستاذ أحمد السماري يرد على أحد الأسئلة، ومن ضمن ما قال: «لا تسأل كيف مات فهد فرج، بل كيف عاش». لفت الرد انتباهي، واتجهت ذاكرتي صوب باريس، إلى جان باتيست غرينوي، بطل رواية «العطر»، الذي عاش حياة بؤس وشقاء وعذاب، والذي لا يختلف كثيرًا عن فهد فرج.
في الروايتين نجد نموذجين روائيين قاربا أعماق النفس البشرية في ارتباكها وضياعها وحيرتها عندما تُصاب بالاضطراب النفسي والفراغ الوجودي الحاد، وهما جان باتيست غرينوي، بطل رواية «العطر» لباتريك زوسكيند، وفهد فرج، بطل رواية «الأديب الضليل» لأحمد السماري. يمثل هذان البطلان ظاهرة في سيكولوجية الإنسان المنبوذ والمتشظي؛ إذ يتقاطعان في كونهما نموذجين للعبقري الفذّ المشوّه من الداخل، وللأديب والفنان الذي تحوّله موهبته الاستثنائية إلى تائه أو مدمّر، ولا يجد طريقه إلى مشروع متكامل أو طمأنينة إنسانية، بينما يختلفان جذريًا في طبيعة تلك الموهبة، وأسلوب الضياع والتيه، والأبعاد الأخلاقية.
ترتكز الشخصيتان على أرضية مشتركة أساسها امتلاك موهبة استثنائية، تحولت مع الوقت إلى عبء ثقيل يجعل صاحبه يسلك طريقًا بعيدًا عن مجريات الحياة العادية وطمأنينتها؛ فغرينوي يمتلك حاسة شم خارقة تمنحه عبقرية فريدة في عالم الروائح، بينما يمتلك فهد فرج ذاكرة حديدية قوية ومعرفة موسوعية هائلة، جعلت منه مكتبة حية قادرة على الإبهار بالكلمة والشعر في أوساط الصحافة والثقافة واللقاءات المجتمعية. غير أن هذه الموهبة الاستثنائية لا تمنح أيًّا منهما سلامًا داخليًا، بل تزيد من حدة العزلة وصعوبة التواصل الإنساني الحقيقي، مما يجعلهما غريبين عن الآخرين، عاجزين عن إقامة علاقات متبادلة متوازنة، ويعيشان في عوالم خاصة تقودهما في نهاية المطاف نحو طريق السقوط والضياع.
يتعمق التقاطع الوجودي بين البطلين في مسألة الفراغ الداخلي وتفتّت الذات الداخلية؛ فمأساة غرينوي الوجودية تنبع من كونه وُلد بلا رائحة جسدية خاصة به، وهو ما يمثل رمزًا لغياب الروح. وعندما تغيب الروح تختفي الهوية، مما يجعله يعيش معزولًا منذ لحظة ولادته في سوق السمك بباريس، ويكاد يكون غير مرئي عاطفيًا، ومحرومًا من الإنسانية والأخلاق. وفي الجهة الأخرى، يعاني فهد فرج من انشطار داخلي وفصام حقيقي ظل يُخفيه طوال حياته، وسبّب له فجوة حادة بين صورته الخارجية القوية والمؤثرة، بوصفه صحفيًا لامعًا ومثقفًا مؤثرًا، وبين عالمه الداخلي المضطرب المليء بالهشاشة والعزلة. هذا الانشطار يجعل كليهما في رحلة بحث مضنية عمّا يملأ ذلك الفراغ الروحي؛ إذ يسعى غرينوي إلى ملء ذلك الفراغ بالبحث والسعي نحو العطر المثالي، بينما يتجسد ذلك عند فهد فرج في البحث عن المعنى والطمأنينة المفقودة وسط عوالم الصحافة والثقافة والحب والصداقة، وقد عجزت موهبة كلٍّ منهما عن مداواة روحه السقيمة.
وعلى الرغم من هذا التشابه في هذه البنية القوية في التيه والبحث عمّا يملأ الفراغ الروحي، تبرز الاختلافات الجوهرية بينهما لتضع كل شخصية في سياق فكري ونفسي مغاير تمامًا، بدءًا من طبيعة الموهبة والمكان الذي يعيشان فيه؛ فموهبة غرينوي حسية مادية ترتبط بالشم، وتتحول لديه إلى مشروع علمي وفني يدفعه إلى ارتكاب الجرائم وقتل الفتيات العذراوات لاستخراج رائحة أجسادهن وتثبيتها في زجاجة بوصفها عطرًا. أما فهد فرج، فموهبته فكرية ثقافية وأدبية ترتبط بالذاكرة والكتابة، ويتجلى ضياعه في تبديد تلك المواهب والوقوع في شرك الضجر، وعدم إكمال مشاريعه، كتأليف الكتب مثلًا، دون أي توجه نحو العنف الخارجي الظاهر.
يمتد هذا التباين الحاد إلى الأزمات النفسية التي عاشا فيها؛ إذ تقدم رواية «العطر» بطلها غرينوي بوصفه وحشًا عبقريًا وقاتلًا متسلسلًا كارهًا للبشرية، يتحرك كشخص معدوم الضمير (سيكوباتي)، معجون بأنانية مفرطة (نرجسي)، دون أي علاقات إنسانية صادقة، ويعمل بهوس مطلق وجاف لا مكان فيه للشعور بالذنب أو الندم، ويمثل الوجه الوحشي والجمالي للهوس الذي يرى القتل فنًا قائمًا بذاته. وفي المقابل، يبدو فهد فرج شخصية إنسانية أكثر تعقيدًا، تفيض بالهشاشة. ورغم الفصام وآثاره الحادة، تبرز الرواية معاناته النفسية التي يخفيها حتى عن أقرب الناس إليه، مع وجود شبكة من العلاقات التفاعلية والصداقة المركزية التي تربطه بالراوي جبران، الذي يتولى جمع القطع المتناثرة من سيرته، إلى جانب علاقته العاطفية بالجازي، مما يجعله يمثل الوجه الإنساني من الناحية النفسية للضياع وعبء الثقافة؛ إذ يكون سقوطه تدريجيًا عبر خيارات صغيرة محكومة بالمرض والنفس البشرية المعذبة، لا عبر الجريمة.
ويتضح التمايز أيضًا في إطار الرمزية الثقافية؛ فرواية «العطر» تمثل نقدًا حداثيًا، وتقع أحداثها في فرنسا، ضمن سياق غربي، حيث تصبح الرائحة مرادفة للروح، وتتحول السيطرة على الناس من خلال الجمال الخادع والعطر إلى أداة سحرية لتوجيه مصائر الحشود التي لا تستطيع الهروب من سطوة الشم. بينما تقف رواية «الأديب الضليل» بوصفها عملًا نفسيًا معاصرًا يتحرك في بيئة سعودية، ويرصد تفاصيل المشهد الثقافي، ليقدم مفهومًا آخر للضياع، ينتقل من البعد الجغرافي والسياسي إلى ضياع ذهني ونفسي وثقافي عميق، تتحول فيه المعرفة من وسيلة خلاص إلى متاهة كاملة، في مواجهة تنعكس فيها سعة ثقافته وموهبة الحفظ الجبارة أمام مرآة تكشف انشطار نفسه واضطراب عقله.
وتستند النهاية في كلتا الروايتين إلى ذروة درامية تُترجم فلسفة الكاتب ورؤيته لثمن العبقرية والتيه؛ إذ صاغ كلٌّ من باتريك زوسكيند وأحمد السماري مشهدًا ختاميًا يتسق تمامًا مع البنية النفسية والأخلاقية لبطل قصته، ويعكس طبيعة سيرة حياة كل بطل في الرواية. فبعد أن وصل البطل غرينوي إلى قمة مجده، واستطاع عبر قطرات عطره الأسمى أن يستعبد قلوب الجماهير ويسلب عقولهم، لدرجة جعلتهم يبرئونه من جرائمه ويخرّون أمامه ساجدين، اكتشف حقيقة مرعبة مفادها أن القوة المطلقة لا تمنح الطمأنينة، واصطدم أيضًا بوعي حاد بأن الجماهير لم تحبه هو لذاته، بل أحبت الوهم الذي صنعه، فتحوّل انتصاره إلى اشمئزاز وغضب مطلق تجاه البشرية. ولأنه شخصية سيكوباتية ومادية، ارتبطت بالمادة، وهي العطر وحاسة الشم، جاءت نهايته مادية وعنيفة بامتياز؛ فعندما يعود إلى حيث وُلد في سوق السمك بباريس، ليربط نقطة النهاية بنقطة البداية، يسكب زجاجة العطر كاملة فوق جسده وسط حشد من المشردين والمجرمين، مستدعيًا غريزة الحب والشهوة الجارفة المزيفة لديهم، فيندفعون نحوه في حالة جنونية، ويمزقون جسده ويأكلونه حتى الاختفاء التام، في فعل تدمير ذاتي مرعب، لينتهي مأكولًا من قِبل مجتمع جائع للوهم، ويتحول الجسد إلى قربان لعطر زائل، وتبقى اللوحة الختامية شاهدة على أن القتل بوصفه فنًا ينتهي بالتدمير الذاتي.
وعلى النقيض تمامًا، صاغت رواية «الأديب الضليل» نهاية فهد فرج بروح تفيض بالهشاشة الإنسانية، متسقة مع طابع الرواية النفسي وسياقها الذي يُشخّص حالة المرض منذ البداية دون الإشارة إليه صراحة، ثم يُفصح عنه قبل النهاية. ففهد لا يموت بفعل عنف خارجي أو طقس افتراس مرعب، بل كان في أعماقه متشظيًا فكريًا وضائعًا ذهنيًا ونفسيًا، ولذلك تأتي نهايته عبر آلية التلاشي التدريجي والانطفاء؛ فبعد أن تنحسر عنه أضواء الصحافة والشهرة والتصفيق في الوسط الثقافي، يواجه الفراغ الحقيقي والشرخ الحاد في هويته دون مساحيق أو أقنعة، وينسحب إلى عزلته واضطرابه النفسي، وتبدأ شخصيته القوية المؤثرة في التفتّت والذوبان أمام واقعه المرير. والموت هنا لا يأتي كصدمة مدوية، بل كأثر جانبي لقرارات سابقة متراكمة ومرض ينهش الروح ببطء. وقد بنى الكاتب هذه النهاية لتطرح تساؤلات وجودية عميقة حول مآلات المثقف؛ فالراوي جبران، وهو يجمع شظايا سيرة صديقه فهد، لا يبحث عن مشهد موت درامي بقدر ما يبحث عن ملء الفجوة بين البريق والانطفاء، وعمّا يتبقى من المبدع حين تتوارى عنه الأضواء. إنها نهاية هادئة وحزينة تشبه انطفاء آخر شمعة في ظلام ليل دامس، ليموت فهد غريبًا ومتلاشيًا، تاركًا خلفه ثقافة موسوعية لم تشفع لروحه، ومجسدًا الوجه الإنساني المأساوي الناتج عن عبء الوعي وثقل المعرفة، ومتيحًا للمتلقي التساؤل عن كيفية عيشه، وعمّا يتبقى من المبدع والإنسان بعد زوال البريق، لتطرح كل رواية، عبر سياقها الخاص، سؤالًا مختلفًا عن الثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان مقابل التميز وفائض الموهبة.
** **
- عبدالهادي القرني