مهما توزّعت نظراتهم، فستلتئم في عينيك. لست مذنبًا، فلا تحاول صرف نظراتك عبثًا. مهما كان بياضك ناصعًا، فلن يعجزوا عن العثور على نقطة ضئيلة رمادية في صفحة وجهك، وحينها ستمدّدها ظنونهم المريضة.
لا تبخسهم حقهم؛ ألا ترى أن حربهم عليك لم تتجاوز النظرات؟ صحيح أنها نظرات ناطقة، يصل إليك قولها بوجعه، لكن ربما كنت أنت من يصنع معاني نظراتهم ويبالغ في تأويلها.
تلتفت نحوه؛ أصغرهم ورابعهم، لكنه على قدر كبير من الحساسية. يتشمّم نأمة كلمة، ثم يعيد صياغتها. وتتجلّى حذاقته حين يصبّ سواده في أذن فاغرة. تراه في كل لحظة يمسح فمه بباطن كفّه، ثم يزيح نفسه قليلًا كي يبصر الوجه ويرصد علامات تغيّره. فإن أحسّ نضوجًا في الأمر، انكفأ، وإن لمح تردّدًا، عاد يصبّ في الأذن حالك سواده.
منذ غادر والدك، ومنذ تسلّمت وكالة عامة، كانت حواسك ترصده، وكنت تعلم أنه سيدركك باللغو والباطل، لا بالحقيقة؛ فأنت، كما تصف نفسك، وأنت محقّ في ذلك، نقيّ.
لو قالوا، لو تحدّثوا، لو لمّحوا، لكان دليلك ناصعًا، وقولك صادقًا. لكنهم لا يقولون شيئًا، وأنت تخشى أن يكون تفسيرك لنظراتهم تفسيرًا مريضًا.
ربما كان رابعهم، الذي يتنقّل بين الآذان المشرعة، بوجهه الكالح وعينيه الزائغتين المتردّدتين، هو من أمرض ظنونك.
لا تنسَ أنك، منذ وقت غير بعيد، سلبتك ظنونك ثقتك بنفسك التي طالما تفاخرت بها، حتى هجست: لماذا لا أكون فعلًا كما يظنون؟ ولماذا أبرّئ نفسي، مدّعيًا نقاءً قد يكون غائبًا؟
عدت إلى أيامك المنصرمة، تقلّب صفحاتها باحثًا عن زلّة، أو رغبة، أو نزوة، وربما ما هو أكبر من ذلك. لكنك، حين قلّبت صفحات أيامك السالفة، لم تجد إلا بياضًا ناصعًا يكاد يصرخ في وجهك.
يا لك من ظالم! ألا ترى رابعهم يتشمّم ويتنقّل بين الوجوه والآذان والعيون؟ هل أبصرت أحدًا منهم يلتفت نحوه؟ هل استطاع انتزاع كلمة واحدة منهم، يفوز بها ثم يقذفها في أذنك، وهو يفرك يديه ابتهاجًا؟ أليس هذا كافيًا لتطرد هواجسك الراقدة على مخدّتك؟
أقنعك هذا الاستنتاج اللذيذ زمنًا طويلًا؛ زمنًا خُدّرت فيه وغرقت في نوم لم تألفه من قبل. وفي الصباح، لم توقظك ظنونك، بل رسالة نصية على جوالك.
فركت عينيك جيدًا لتزيل عنهما آثار النوم، ثم قرأت:
«صاحب الهوية رقم …».
** **
- عبدالكريم بن محمد النملة
@rhrh5576