«دم أسود» هي الرواية الأولى للكاتب عثمان بن سعيد الغامدي، وقد سبقتها مجموعتان قصصيتان: «شدا يحني قامته لها» و«الحراج». وقد انتهى من كتابتها قبل عشرين عامًا، وصدرت عام 2026 عن دار النخبة المثقفة في 142 صفحة.
استهلال يقرأ مرتين
ذكاء الرواية يبدأ من استهلالها. يمر عليه القارئ أول مرة بوصفه زخرفًا شاعريًا، ثم يعود إليه بعد الصفحة الأخيرة ليكتشف أنه لم يكن زخرفًا، بل مفتاحًا مشفرًا للعمل كله: «الدم لا يُغسل بالدم، بل بالكلمة». هذا المفتاح يجعل القراءة الثانية للرواية مختلفة تمامًا عن الأولى.
البطل ودوائر الشخصيات
يظهر البطل لأول مرة في الصفحة الحادية عشرة بضمير المتكلم «أنا»، وبعد صفحتين يناديه والده: «تعال يا سعيد». وبهذا الضمير ينسج الكاتب شخصية البطل «سعيد» بكثافة وحميمية.
تتبع الرواية سعيدًا منذ طفولته حتى يصبح رجلًا ذا قرار، يحمل على كتفيه تركة أجيال سابقة لم يكن سببًا فيها. والسؤال المركزي الذي تطرحه الرواية هو: لماذا نختار شخصًا بعينه لنحيل إليه مشكلاتنا؟ هل لأنه الأجدر، أم كي نتخلص من تأنيب الضمير؟
تدور حول البطل أكثر من اثنتين وعشرين شخصية، موزعة على ثلاث دوائر. وفي الدائرة الأولى خمس شخصيات شكلت وعيه، وهي:
* الأم (منيرة): الأكثر حضورًا. نادرًا ما يذكر اسمها؛ فـ«أمي» تغني عن كل الأسماء. تحمل هاجس الثأر لأبيها، وتعد ابنها لمهمة كبرى، ثم تتغير خطتها تحت وطأة المرض.
* الأب: يظهر أول مرة مرتديًا الجنبية، وهو أول من ينطق اسم سعيد. يحلم بأن يصبح ابنه شاعرًا ينتصر بالكلمات، لا بالسيف.
* حسنة: الجارة المسنة التي تقرأ المشاهد قبل وقوعها، وترشد الأسرة إلى دروب السلامة.
* الجد من جهة الأم: لم يلتقه البطل؛ فقد مات قبل ولادته، لكنه حاضر بقوة في عبارة ابنته: «ظل ينزف سبعة أيام، دمه لن يذهب هدرًا».
* شريفة: الأخت الكبرى التي سقطت من الدور الثالث وماتت طفلة، فتركت جرحًا أعاد تشكيل قرارات الأسرة كلها.
وتضم الدائرة الثانية الشخصيات الثانوية، مثل الشيخ عطية، والأخت عزة، والفقيه، والحكيم. أما الدائرة الثالثة فتضم الشخصيات العابرة، مثل صالح وأبي إبراهيم، التي تخدم الأحداث دون أن تثقل السرد، ويترك بعض هذه الشخصيات أثرًا أعمق مما يتوقع القارئ.
الصراعات
الصراع هنا ليس عائليًا، بل وجودي؛ فهو صراع بين مشروعين: أم تريد مقاتلًا يأخذ بثأر أبيها، وأب يريد شاعرًا صاحب كلمات قاتلة. وبين المشروعين ينضج سعيد عبر مؤثرات داخلية وخارجية.
ثم يأتي المرض بهتافه القاسي: «اقطعيه يا أمي اقطعيه»، الذي يجبر الأم على مراجعة هاجس الثأر، ثم الحريق الذي يكشف معدن أهل القرية من خلال قيم الفزعة والنخوة، ثم الصراع مع الفقد بموت شريفة. وأخيرًا يأتي صراع الانتماء مع النضج: التأرجح بين الأسرة والعائلة الممتدة والمجتمع، وبين ضيق القرية التي «تقزم الأحلام» واتساع المدينة.
المنعطفات
جاءت الرواية في ستة أجزاء، لكل جزء منها منعطف حاسم. ففي الجزء الأول يقول البطل عن أمه: «قامت على الفور وأحضرت الجنبية… ولفتها حول جسدي النحيل حتى كدت أختفي». وكأن الأم هنا تهيئ صغيرها للثأر».
وجاء المنعطف الثاني على لسان البطل عندما قال: «آه من تلك العمليات التي جعلت أمي تكف عن المطالبة بدم أبيها!». فالمرض هنا فرض مراجعة جذرية.
وفي الجزء الثالث يقول: «لقد عزم والدي على ترك بيت الأحزان كما أسماه»، في إشارة إلى الرحيل بعد الحريق وموت الأخت.
وفي الجزء الرابع يتبين وعيه وإدراكه وموقفه من حكايات الجن السائدة في ذلك الزمن، التي يتناقلها العامة ويصدقها الناس: «يصدقون أخي ويرفضون قولي».
وفي الجزء الخامس جاءت عبارة البطل: «لقد خرجت من عباءة أبي وخمار أمي»، لتشير إلى منعطف الاستقلال عن العالم الأول.
وجاءت عبارة «القرية تقزم الأحلام» في الجزء الأخير بوصفها منعطفًا مؤثرًا فتح أمام البطل آفاقًا لم يتنبه إليها من قبل.
اللغة والتشكيل الفني
أنسن الكاتب الجمادات: الأشجار تبكي الجد، والأرض تحتضن المحبوب، والصخرة تحني رأسها أمام السيل، وشجرة اللوز تضرب عن الشرب ثم تثمر بعد عتاب. وأطر روايته باقتباسات فلسفية من شكسبير ورولان، فيما تنبض عباراته الخاصة بقوة التداول: «الدم لا يُغسل بالدم بل بالكلمة»، و«جدي لأبي اخترقت قلبه كلمة أقوى من كل الرصاص».
تقوم الرواية على ثنائيات واضحة: الدم الأبيض والأسود، والبراءة والثأر، والكلمة والسيف، والجبل والسهل، والأم والأب. ويقف أسلوبها على الحد الفاصل بين الرواية والقصيدة النثرية: جمل قصيرة إيقاعية، وتكرار يشبه الإنشاد.
في الختام، ليست اللغة عند عثمان الغامدي أداة للحكاية، بل هي الحكاية نفسها. فمن يقرأ «دم أسود» يشعر أن كاتبها لم يروِ قصة بقدر ما نحت أثرًا من كلمات. وتبقى الأسئلة مفتوحة: هل الرواية سيرة مقنعة؟ وما الذي يبقى منها لدى القارئ بعد إغلاق الصفحة الأخيرة؟
** **
- حسين بن صُبح