بدايةً، ليأذن لي المتنبي بأن أقتبس منه صياغته الفريدة من شطر بيته المبدع: «وكثيرٌ من السؤال اشتياقُ»، فأقول: «وكثيرٌ من الجمال بلاغةٌ»، لأستهلّ بها مقالي هذا، وأؤكد أن الخلاف لا يفسد للود قضية.
فإنه…
تلوح البلاغة وتفوح فنونها في ثنايا الكلام عطرًا وشذًى وجمالًا وكمالًا، فبينما نقرأ نصًّا أدبيًّا، نسرح بخيالنا معه، ونغوص في عمق معانيه وخباياها، ونستجلي إيحاءاته، ونستكشف ما تنمّ عنه ألفاظه التي تتخذ التلميح تارةً والتصريح تارةً أخرى وسيلةً للتعبير عن الفكرة، فإذا بنا نأنس ونسعد؛ نأنس بفهمنا لذلك النص، ونسعد بتلك المعرفة التي تذوّقنا حلاوة معانيها، وخالطت أحاسيسنا وامتزجت بمشاعرنا.
فإن للفهم واكتساب المعرفة الجديدة حلاوةً لا يعرف طعمَها إلا من تذوّقها، ولا يدرك قيمتَها إلا من جرّبها، حتى ينتاب نفوسَنا علوٌّ وثقةٌ عارمةٌ بما علمنا وغنمنا.
وبعد تلك المقدمة، نطرح هذا السؤال: هل يدرك أحدنا أن هذا الجمال الطاغي وذلك الشعور بالسعادة الذي خالط أنفسنا إنما مصدرهما البلاغة التي أخرجت النص بهذا الإبداع المتكامل لفظًا ومضمونًا؟
نعم، أرى أنها البلاغة، وأعزو إليها ذلك الجمال الذي يكتنف النص.
فهي من البلوغ، أي الوصول، ومبلغ الشيء: منتهاه، والمبالغة في الشيء: الانتهاء إلى غايته، وسُمّيت البلاغة بلاغةً لأنها تُنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه.
وبعد هذا، أيجوز أن نُلصق تلك التسمية الفاخرة الأنيقة الرقيقة بمفاهيم تدل على سلوكات سلبية أو معانٍ مذمومة؟
هل نرضى لها بذلك؟ ولو كان بيننا اليوم الجاحظ وعبدالقاهر والقزويني والقرطاجني وغيرهم من ذويها ومختصيها، فهل سيرتضون لها تلك المصطلحات البعيدة كل البعد عن الجمال، أو تلك الاتهامات التي تُرمى بها وتُلصق بها؟ كأن يُقال عنها:
«إنها تجرح النص بسبب المبالغة»، أو نلمح عنوانًا لنص أدبي: «بلاغة القبح» أو «بلاغة الاستهتار»، وغير ذلك مما تقع عليه أعيننا في أثناء تصفحنا لوسائل التواصل والمجلات والصحف وغيرها، حتى وإن كان ذلك من قبيل التشويق ولفت النظر لقراءة ما يندرج تحت ذلك العنوان الذي يخدش ذلك الفن الأنيق الرشيق المبهر بجماله وكماله من فنون لغتنا العربية، ذلك الفن الذي يتربع على قمة الهرم في فنون اللغة العربية.
وليُلتمس لي العذر بأنها وِقفةُ مُحبٍّ انتهض ليردّ غيبة محبوبه، فما هو إلا شعور بالغيرة انتابني على بلاغةٍ أحبها وأندب نفسي لها، دفعني لأن أكتب تلك الكلمات عنها أملًا في حفظ حقها وصون كرامتها وردّ غيبتها، فكلٌّ منا لا يرضى لمن يحبه أن يُقلّل من شأنه أو يُنبز بلقب لا يليق به.
** **
ردينة إدريس - ماجستير في الأدب والبلاغة من جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن