فتاةٌ قرويةٌ مفعمةٌ بالحياة، غير أن الحياة سلكت بها طرقًا لم تخترها، وحمَّلتها المسؤولية مبكِّرًا، فلم تُمهلها لتعيش طفولتها، ولا لتستمتع بمطاردة أحلامها.
في بواكير نشأتها، كان الفن عالمها الأجمل؛ تعشق الرسم، وتأنس بالروايات والقصص، وتُقلِّب صفحات المجلات بشغف، باحثةً بين حروفها وصورها عن عوالم أبعد من حدود قريتها.
لوحة تعبيرية بريشة الكاتبة
كان خيالها الواسع يأخذها إلى مدنٍ سمعت بها أو قرأت عنها، فتعيش على هامش الواقع حياةً مختلفةً رسمتها في مخيلتها، دون أن تفكر في الطريق الذي ستسلكه إلى تلك الحياة المتخيلة.
ولم تجد الوقت للتفكير في تحقيق تلك الحياة، فقد رسمت عادات القرى طريقًا آخر؛ فتزوَّجت مبكِّرًا، وتحمَّلت أعباء الأمومة قبل أوانها، فيما لم تستسلم روحها التوَّاقة إلى حياةٍ مدنيةٍ رحبةٍ، وإلى فرصةٍ أكبر للتعليم، واكتشاف الذات، وممارسة الرسم، والتحليق خلف الأحلام.
تراكمت الحواجز أمامها، ومضت السنوات وهي تؤجل رغباتها الصغيرة، حتى أدركت أنها لم تصعد السلم نحو أحلامها من درجته الأولى، وأن الطفلة الحالمة في داخلها كبرت قبل أن تأخذ نصيبها من دهشة الطفولة وأفراحها.
ومع ذلك، فقد بقي الفن يسكن أناملها، والألوان ترفرف كفراشةٍ في صدرها، والقصص تحتلُّ ذاكرتها، والخيال يفتح لها نافذةً رحبةً كلما أغلقت الحياة عليها الأبواب.
وأخيرًا، ألهمها التأمل ألَّا تأسى على ما فاتها، وآمنت بأن لكل إنسان توقيته الخاص، وأن الأحلام لا تنتهي صلاحيتها بمرور الوقت، وأدركت أن الحياة تطاوعها حين تملك شجاعة اتخاذ القرار بأن تخطو نحو أحلامها من موقعها الآن، مطمئنةً إلى أن تلك الأحلام ما زالت تنتظرها في نهاية الطريق.
وها هي تقف الآن على أول درجات سلمها، لا بوصفها فتاةً فاتتها الحياة، بل بوصفها امرأةً تحمل في قلبها أحلام الطفلة، وفي روحها قوة السنين، وفي عينيها أفقٌ لم يعد يخيفها بُعدُه.
ربما لم تبدأ حين أرادت، لكنها بدأت حين استطاعت؛ وما دام في القلب حلمٌ، وفي العمر بقيةٌ، فليس الوقت متأخرًا.
** **
ماجدة الألمعي - كاتبة وفنانة تشكيلية