بين المعرفة والفهم، مساحة واسعة من الوعي، تتسع كلما حاول الإنسان أن يرى ما وراء المعلومة، وأن يمنح ما يقرأه فرصة لأن يتحول من معرفة عابرة إلى فكرة تستقر في العقل، ثم تعيد تشكيل طريقة النظر إلى الأشياء.
فليست كل قراءة معرفة، كما أن المعرفة وحدها لا تكفي لصناعة الوعي؛ إذ يبقى الفهم هو المساحة التي نختبر فيها ما قرأناه، ونحاول من خلالها أن نصل إلى معنى أبعد من الكلمات، وربما لهذا السبب تصبح بعض الكتب أكثر من مجرد صفحات نقرأها، حين تمنحنا شيئًا من ذلك الامتلاء الذي يحتاجه العقل كي يواصل أسئلته.
ومن بين هذه المساحات التي تستوقف القارئ، يأتي اجتهاد الأستاذ عبدالعزيز بن علي النصافي والأستاذة رحمة القرشي في كتابهما «أصداء تلقي الكتّاب والمبدعين لفكر الدكتور عبدالله الغذامي»، بوصفه محاولة لجمع أصداء القراءات والتجارب والأفكار المرتبطة بفكر الدكتور عبدالله الغذامي، وما تركه حضوره المعرفي في قراءات الكتّاب والمبدعين.
وقيمة هذا العمل لا تقف عند فكرة الجمع، بقدر ما تكمن في أن الفكرة حين تجد قارئًا واعيًا، لا تبقى في مكانها الأول؛ بل تنتقل من عقل إلى آخر، وتتخذ في كل قراءة شكلًا جديدًا، وتفتح سؤالًا لم يكن حاضرًا من قبل.
فالدكتور عبدالله الغذامي، بما قدمه خلال تجربته الفكرية والثقافية والنقدية، لم يكن حضوره قائمًا على تقديم المعرفة فقط، وإنما على تحريك الأسئلة حولها. ولهذا تبدو قراءاته وكتاباته بالنسبة إلى كثير من القراء محاولة أخرى لفهم الفكر والثقافة والنقد، وربما محاولة لفهم الإنسان نفسه وهو يقرأ ويتأمل ويعيد النظر فيما حوله.
وحين يصبح فكر الكاتب قادرًا على أن يستدعي قراءات أخرى، وأن يدفع كتّابًا ومبدعين إلى الكتابة عنه، فنحن أمام معرفة لم تعد ساكنة في صفحاتها، بل أصبحت جزءًا من حراك معرفي يتجدد مع كل قراءة.
وهنا تكمن إحدى أجمل وظائف الكتاب؛ أن يجعلنا نعيد النظر في علاقتنا بما نقرأ. فالقارئ لا يبحث دائمًا عن معلومة جديدة، بقدر ما يبحث أحيانًا عن فكرة توقظ فيه معنى، أو سؤال يجعله يتوقف قليلًا، أو قراءة تمنحه زاوية مختلفة يرى منها ما اعتاد أن يراه بالطريقة ذاتها.
ومن هذا المعنى، تبدو القراءات المرتبطة بالدكتور الغذامي محاولةً للامتلاء، لا بمعنى كثرة المعلومات، وإنما بمعنى أن يمتلئ العقل بما يكفي من الأسئلة والتأملات التي تجعله أكثر قدرة على الفهم والتطوير.
الوعي لا يأتي دفعة واحدة، ولا تمنحه قراءة واحدة مهما كانت عميقة؛ إنما يتشكل من تراكم القراءات، ومن اختلاف وجهات النظر، ومن قدرتنا على أن نقرأ الفكرة، ثم نعود إليها بعقل أكثر نضجًا.
وما يميز المعرفة الحقيقية أنها لا تجعلنا نكتفي بما عرفناه، بل تدفعنا إلى معرفة ما لم نفهمه بعد. وكلما اتسعت القراءة، اتسعت معها مساحة السؤال، وكلما اتسعت مساحة السؤال، أصبح العقل أكثر انتباهًا لما حوله.
إن ما يُكتب عن الدكتور عبدالله الغذامي، وما يُقرأ له أو عنه، يمكن النظر إليه بوصفه امتدادًا لذلك الأثر الذي تتركه التجربة الفكرية حين تتجاوز صاحبها إلى قرائها. فالكتابة في النهاية لا تعيش فقط في الكتب، وإنما في العقول التي تستقبلها، وفي الأسئلة التي تتركها، وفي الأفكار التي تنمو بعدها.
وربما لهذا يصبح اجتهاد عبدالعزيز النصافي ورحمة القرشي في هذا الكتاب أكثر من توثيق لأصداء فكرية؛ إنه يلتقط جانبًا من رحلة الفكرة بعد أن تغادر صاحبها، وكيف يمكن لوعي واحد أن يحفز وعيًا آخر، ولقراءة أن تقود إلى قراءة، ولتجربة معرفية أن تصبح مساحة يتشارك فيها الآخرون محاولاتهم للفهم.
قد تتكاثر المعلومات، وتبقى حاجتنا الحقيقية إلى الفهم أولًا؛ لأن المعرفة قد تخبرنا بما يحدث، أما الوعي فيمنحنا القدرة على أن نتساءل: لماذا يحدث؟ وكيف نفهمه؟ وماذا يمكن أن نتعلم منه؟
بين المعرفة والفهم إذن، مساحة لا يملؤها إلا وعي الإنسان، وكل قراءة عميقة قد تكون خطوة أخرى في هذه المساحة؛ خطوة تجعل العقل أكثر امتلاءً، لا بالمعلومات وحدها، وإنما بالقدرة على التفكير، وإعادة النظر، واكتشاف المعنى.
** **
- نورة محمد بابعير