الثقافية - علي القحطاني - كمال الداية:
في قرار أثار تفاعلاً واسعاً، أعلنت جامعة الملك سعود حزمة قرارات شملت إلغاء عدد من التخصصات الإنسانية، أعادت معها طرح سؤال العلاقة بين التعليم وسوق العمل وحدود المواءمة بينهما، وسط غضب عارم على منصات التواصل الاجتماعي.
«الثقافية» ترصد في هذا الاستطلاع آراء أكاديميين ومختصين لقراءة خلفيات القرار وتداعياته، بين من يراه تصحيحاً للمسار، وآخرين يعدّونه مساساً بجوهر الهوية المعرفية.
بيان الجامعة يفتقد للوضوح
وقد أبدى الإعلامي داود الشريان استغرابه من إلغاء أو إيقاف برامج في كلية الآداب مثل اللغة العربية، التاريخ، الجغرافيا، وعلم الاجتماع، حيث أكد أن هذه التخصصات، وخاصة التاريخ، لا ينبغي النظر إليها من منظور «سوق العمل» والوظائف فقط، بل هي ركائز أساسية لـ تنمية المجتمع وصناعة الإنسان.
وقد وصف بيان الجامعة التوضيحي بأنه «غامض»، وصرح بلهجته الصريحة المعتادة: «ما فهمت منه شيء»، ويرى أن البيان استخدم لغة عامة ومصطلحات فضفاضة (مثل التخصصات البينية ومنظومة الابتكار) دون أن يقدم تفسيراً مباشراً أو مقنعاً لأسباب إلغاء تلك الأقسام العريقة.
وأكد الشريان أن القرار يفتقر للوضوح، وأن التخصصات الإنسانية هي «روح» الجامعة والمجتمع، ولا يجوز إخضاعها لمعايير الربح والخسارة الوظيفية وحدها.
الجامعة تخاطر بالانزلاق إلى تعريفٍ ضيّق لدورها
من جهة أخرى بين الأكاديمي السابق في جامعة الملك سعود والناقد د.صالح زياد، استغرابه من قرار الجامعة حيث قال: إذا كانت الوجهة السوقية هي الدافع في قرار (جامعة الملك سعود) إيقاف القبول في أقسام (العلوم الإنسانية) التي لا يجد خريجوها فرصًا في سوق العمل، فإن الجامعة تخاطر بالانزلاق إلى تعريفٍ ضيّق لدورها، يختزل وظيفتها في تلبية الطلب الوظيفي، ويُغْفِل دورها من حيث هي مصدر إشعاعٍ معرفي وتنويري لا يُقاس بعوائد مادية مباشرة.
وإذا كان اعتراض بعض أساتذة الأقسام الموقوفة وطلابها صادراً عن حسابات نفعية أو مصلحية، وإن تزيّى بلباس الصالح العام، فإنهم يقعون في المأزق ذاته، ويعيدون إنتاج المنطق نفسه الذي قام عليه قرار الجامعة، وإن اختلف الموقف منه.
لا أرى إشكالاً، من حيثُ المبدأ، في إيقاف القبول في أقسام لا يجد خريجوها فرصًا في سوق العمل، فالاحتجاج بأهمية العلوم الإنسانية للمجتمع صحيحٌ في ذاته، لكنه لا يبرِّر استمرار تخريج أعداد كبيرة من دون كفايات نوعية أو أفق مهني واضح، خاصة في ظل ما شهدته بعض هذه البرامج من توسُّع كمي على حساب الجودة، في وقت درجت فيه الجامعة على قبول أدنى مستويات التحصيل.
الإشكال الحقيقي يتمثل في أن القرار جاء أقرب إلى الإيقاف منه إلى إعادة التشكيل؛ فلم يُصاحبه استثمار جاد في الطاقات العلمية المؤهّلة، أي في العلماء المتميزين في هذه الحقول، القادرين على تحويلها إلى بيوت خبرة، ومراكز تفكير، وحواضن بحث وتأليف وترجمة، تحفظ لها قيمتها المعرفية وتعيد وصلها بالمجتمع.
وفي المحصلة، فإن المسألة -على مستوى إستراتيجية التعليم والثقافة الوطنية - أوسع من جامعة بعينها، لكن جامعة الملك سعود، بما لها من رمزية تاريخية ووطنية، تجعل من قراراتها لحظةً دالّة، لا تُثير الجدل فحسب، بل تستدعي مراجعةً أعمق لموقع المعرفة الإنسانية في مشروعنا التعليمي والثقافي.
بتر العلوم الإنسانية من البرامج الأكاديمية
في خضم تحولات التعليم العالي، يثير توجه بعض الجامعات لإلغاء أقسام العلوم الإنسانية جدلاً حول فهمها لطبيعة المعرفة المعاصرة المتداخلة، ويؤكد د. عبدالله الأسمري في مقالته لـ»الثقافية» أن هذا القرار يختزل دور هذه العلوم، متجاهلاً أثرها في البحث والتصنيف الأكاديمي، وحاجة المجتمع إليها مع ضرورة تطويرها لا إقصائها، ويقول: «أعتقد أن إقدام بعض الجامعات على بتر أقسام العلوم الإنسانية من برامجها الأكاديمية قرار خاطئ من عدة أوجه؛ الوجه الأول أن العلوم والمعارف اليوم أصبحت مترابطة ومتداخلة، يعضد بعضها بعضاً، ويكمل بعضها بعضاً.
خذ على سبيل المثال اللسانيات التي تداخلت مع الحاسوب فأصبح لدينا علم قائم بذاته هو (اللسانيات الحاسوبية Computational Linguistics)، وخذ أيضاً اللغة ومشاكل النطق والكلام والتي انبثق عنها تخصص دقيق هو (أمراض النطق واللغة Speech-Language Pathology)، وهو تخصص يجمع بين دراسة اللسانيات Linguistics والطب العلاجي السريري لاضطرابات النطق والتواصل. مثال آخر عن بينية العلوم يتمثل في علاقة النشاط الاقتصادي بالسلوك البشري والذي يُدرس تحت مظلة (علم الاقتصاد السلوكي Behavioral Economics). وجه آخر من أوجه تهافت الرأي بتقليص أو إلغاء العلوم الإنسانية من البرامج الأكاديمية يتمثل في الطبيعة المتغيرة لسوق العمل الذي يُربط بالتخصصات الجامعية وصعوبة التنبؤ بتلك المهن التي ستبقى، وتلك التي ستزول. مثلاً؛ الدور المتعاظم للذكاء الاصطناعي الذي يهدد عمل الطبيب في عيادته، والمهندس في مكتبه، والباحث في معمله، والمبرمج في صومعته، وهي كلها مهن علمية بحتة، وعلى ذلك فلا نستطيع قصر هذا التهديد على عمل المترجم أو المحامي أو اللساني أو عالم الاجتماع فحسب. الوجه الأخير الذي أشير إليه هنا أن توجه بعض الجامعات إلى إلغاء الأقسام الأكاديمية الإنسانية قد يقوض حظوظها في تبوُّؤ مكانة رفيعة بين تصنيفات الجامعات الكبرى، وذلك لأن تلك التصنيفات تأخذ بعين الاعتبار جودة التدريس والناتج البحثي (كماً وكيفاً) والأثر الذي تحدثه تلك البحوث المنشورة، والسمعة الدولية التي حازتها المؤسسة الأكاديمية. لا أعتقد أن أقسام العلوم الإنسانية يمكن أن تكون عائقاً أمام طموح المؤسسة التعليمية في بلوغ درجة متقدمة في التصنيف، فليس هناك دليل على أن النشاط البحثي لهذه الأقسام -أو لعلنا نقول بعضها- متأخر عن نظيره في العلوم البحتة.
وفي الختام؛ فإنني أعتقد أن الجامعات ترتكب خطأ إذا ما مضت قدماً في إلغاء هذه التخصصات عطفاً على أهميتها الثقافية والاجتماعية وحاجة المجتمع لها. هذا لا يعني أن هذه التخصصات لا تحتاج إلى تحديث وتطوير، بل إن ذلك شرط من شروط بقائها واستمرارها ونجاحها في تحقيق الأهداف المرجوة منها».
قرار الجامعة في إطار مراجعة مخرجاتها
ويضع الأستاذ المترجم محمد بن علي الحريري قرار جامعة الملك سعود بإلغاء وحجب بعض التخصصات، ومنها الترجمة، في إطار مراجعة لمخرجاتها، لا انتقاصاً من أهميتها في ظل الحراك اللغوي المتسارع، وذلك في استطلاع لـ«الثقافية»: «أزعم أن المعضلة في حجب بعض التخصصات ليس بسبب عدم أهميتها، لا بل بفعل تراكم سوء المخرجات عبر السنين، وعدم القدرة على مواكبة الوتيرة السريعة للتقدم واللحاق بركب الدول المتقدمة في المجالات الإنسانية وعلى رأسها الترجمة.
وآمل أن يكون حجب القبول في الترجمة مؤقتاً حتى تُصحح المناهج والخطط بما يواكب متطلبات العصر، كما آمل أن يكون هناك (مدرسة ترجمة ملكية عليا) تضخ ما تحتاجه الدولة السعودية -أدام الله رخاءها وعزها- من مترجمين يخدمون وطنهم في شتى ميادين الترجمة، واعتبار هذه المدرسة نسخة مطورة من مدرسة الملك فهد العليا للمترجمين التي عملت لعقود على ضخ عشرات المترجمين في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأوروبية».
إعادة ابتكار التعليم العالي: من نقل المعرفة إلى صناعة القيمة
يطرح د. عبدالله الموسى في كلمته لـ«الثقافية» رؤية لإعادة ابتكار التعليم العالي بوصفه انتقالاً من نقل المعرفة إلى صناعة القيمة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، ويستند إلى نماذج عالمية أعادت هيكلة برامجها وبنت مسارات بينية تطبيقية، بما يعزز مواءمة المخرجات مع سوق العمل ويرفع كفاءة التنافسية، ويقول: «في قلب العواصف الرقمية التي تجتاح العالم، لم يعد التعليم العالي مجرد قاعات صامتة تكرر سرديات الماضي، بل أصبح كياناً حياً يحتاج أحياناً إلى (تعديل المسار) ليظل منارةً للمعرفة والعمل.
هذا التحول ليس فعلاً معزولاً، بل هو صدى لموجة عالمية متسارعة؛ فحين علّقت جامعة شيكاغو وجامعة يورك في كندا القبول في عدد من برامج اللغات والعلوم الإنسانية، لم يكن ذلك تراجعاً، بل (وقفة تفكّر) استراتيجية لضمان أن ما يُزرع اليوم يُثمر وظائف الغد في سوقٍ لا يعترف إلا بالتميز النوعي».
العلوم الإنسانية في أزمتنا الراهنة
ويناقش د. مسفر بن علي القحطاني موقع العلوم الإنسانية في لحظة التحولات الراهنة، في ظل تصاعد الدعوات لإقصائها لصالح متطلبات السوق.
وفي حديثه لـ«الثقافية»، يقدّم قراءة تربط بين تراجع مخرجاتها واختلال أدوات تدريسها، مع إبراز أثرها في ترسيخ الهوية وبناء وعي مجتمعي قادر على مواجهة التحديات، ويقول:»أحاول في هذه الخاطرة أن أناقش جدوى العلوم الإنسانية (الدين واللغة وعلم الاجتماع والتاريخ..) في أزمتنا الراهنة وخطورة إلغاء برامجها على حاضرنا ومستقبلنا، من خلال ما يلي:
1. العلوم الإنسانية من أهم العلوم في تعزيز هوية الفرد والمجتمع والدولة، وهي أهم جدار لصد اختراقات الأعداء وحماية البلاد من أخطار التطرف والانحلال، وإذا كانت مخرجات العلوم الإنسانية ضعيفة، فهذا بسبب مناهج التدريس وطرقه ونوعية التعلم والتقوقع على القديم دون مواكبة الجديد، وهو ما ينبغي الاشتغال عليه وليس حذفه من برامج الجامعات.
2. هناك دعوى قوية أن سوق العمل لا يحتاج لخريجي التخصصات الإنسانية، أو لا يحتاج إلى مواد إلزامية في الثقافة الإسلامية والعربية والأولى استبدالها بمواد يحتاجها سوق العمل، وهذه الدعوى خطيرة؛ فالخريج لا يستهلك منه سوق العمل سوى 8 ساعات، وماذا بعد ذلك؟ أليس هذا الخريج مواطناً وله علاقاته الاجتماعية؟! أليس صاحب أسرة ويحتاج إلى معارف ومهارات يحفظ فيها أسرته؟! لماذا نفترض أن الخريج لا بد أن يكون مسماراً في آلة مصنع أو جهازاً في شركة؟!
3. أظهرت أزمتنا الراهنة أن الأخطار التي حولنا ليست مجرد عداوة مؤقتة أو خلافا عابرا؛ بل نحن أمام مشاريع توسعية وأجندة متعددة تستهدف السيطرة على مواردنا وبلادنا.. فالعدو يستحضر تاريخ ثلاثة آلاف عام وأكثر، ويشتغل في تغذية مشاريعه باللغة والتاريخ والدين، وضعف هذه المعارف لدينا يُسهّل اختراقنا ويصنع جيلاً هشاً زادت المواقع الرقمية من سيولته وضعفه».
حجب برامج علوم الأغذية والزراعة
ويتوقف الأستاذ محمد الهدلق عند قرار حجب برامج علوم الأغذية والزراعة بجامعة الملك سعود، وذلك في حديثه لـ»الثقافية» بوصفه مفارقة في سياق توسع قطاع الغذاء وتعاظم رهانات الأمن الغذائي في المملكة، ويطرح قراءة تربط بين احتياجات السوق المتنامية لآلاف المصانع الغذائية ودور هذه التخصصات في تأهيل الكفاءات الوطنية، محذراً من اتساع فجوة الاعتماد على العمالة غير المتخصصة محلياً، ويقول: «فاجأت جامعة الملك سعود المجتمع بمكوناته العلمية وغيرها بقرار حجب برامج كلية علوم الأغذية والزراعة! وهو قرار مستغرب في ظل التنمية الشاملة والكبيرة التي تعيشها المملكة، والتطور الكبير في صناعة الغذاء، ووضع التشريعات الخاصة به، ومراقبة سلامته، وضمان تطابق مواصفات المنتجات الغذائية مع التشريعات المعتمدة. كما أن سوق العمل يتطلب وجود كفاءات سعودية للعمل فيه لتغطية احتياج ما يزيد على (1900) مصنع غذائي في مختلف مناطق المملكة، لا زالت الأيدي العاملة المتخصصة غير السعودية تمثل الأغلبية فيه، وتتولى وظائف مهمة في قطاعات الإنتاج والجودة وسلامة الأغذية، وتطوير المنتجات.
إن تخصص علوم الأغذية له دور كبير في دفع عجلة التنمية في قطاع الغذاء، التي تمثلها الجهات الرقابية والتشريعية والتنفيذية لضمان غذاء آمن على امتداد سلاسل الإمداد. وعلى سبيل المثال لتلك الجهات لا للحصر؛ الهيئة العامة للغذاء والدواء، الجهة المسؤولة عن المصانع الغذائية والأغذية المستوردة، والتي تتولى وضع التشريعات والسياسات الواضحة للغذاء، والتخطيط لتحقيق أهداف هذه السياسة، وكذلك مراقبة سلامة الغذاء والدواء للإنسان والحيوان ومأمونيته وفاعليته، ومراقبة التنظيمات والإجراءات الخاصة بالتراخيص للمصانع الغذائية. وهذه المهام تحتاج إلى كفاءات وكوادر بشرية وطنية مؤهلة تأهيلاً علمياً صحيحاً، تضمن تحقق تلك الأهداف، وتساهم في رفع مستوى سلامة وجودة الغذاء والمحافظة على صحة المستهلك، كذلك البلديات لها دور محوري في مراقبة سلامة الغذاء من خلال منافذ البيع كالأسواق والملاحم والمطاعم، مما يتطلب وجود كوادر وكفاءات بشرية وطنية مؤهلة متسلحة بأحدث العلوم والتطبيقات في علوم صناعة ورقابة الأغذية. إن تلك الجهات التشريعية والرقابية والتنفيذية لقطاع الغذاء بما فيها المصانع ستواجه مستقبلاً شحاً في الكفاءات الوطنية المتخصصة في برامج الأغذية، وستلجأ للأيدي العاملة غير الوطنية لتلبية احتياجاتها، التي تشكل اليوم -وقبل إيقاف برامج الأغذية والزراعة في جامعة الملك سعود- أغلبية واضحة في المصانع الخاصة بإنتاج الأغذية!».
جامعة الملك سعود ليس لها علاقة بالعرض والطلب في سوق العمل
فيما أكد الأكاديمي والكاتب المعروف د.محمد القنيبط أن جامعة الملك سعود في واقعها «جامعة وطنية «، وقال: هي الجامعة التي تنشئها الدولة لتوفير التعليم الجامعي والعالي في غالبية التخصصات العلمية والتطبيقية والأدبية والإنسانية، وتكون مرجعيَّه علميّه للدولة وكذلك مركز أبحاث يخدم الدولة بقطاعيها العَامِّ والخاص.وبالتالي، ليس لها علاقة بالعرض والطلب في سوق العمل.وإليكم الجدول التالي لأشهَر أربعا جامعات في العالم، وهي أمريكية، ثلاثة منها خاصة (هارفارد، ستانفورد، MIT)، لتقرأ التخصصات التي تطرحها هذه الجامعات المرموقة عالمياً.
قراءة في اقتصاديات المدن وتخصص الجامعات
ويتناول د. عادل باهميم في حديثه لـ«الثقافية» قرار تعليق القبول في بعض التخصصات بوصفه انعكاساً لتحولات اقتصاد المدن، حيث لم يعد التعليم منفصلاً عن الجغرافيا الاقتصادية بل مرتبطاً بمزايا كل منطقة، ويطرح مقاربة تقوم على إعادة توزيع التخصصات وفق قوة القطاعات المحلية، بما يعزز مواءمة المخرجات مع سوق العمل ويدعم تنمية متوازنة بين مدن المملكة، ويقول: «قرار تعليق القبول في بعض الأقسام الجامعية لا يُفهم بمعزل عن التحولات الاقتصادية التي تعيشها مدن المملكة؛ فالتعليم لم يعد منفصلاً عن الجغرافيا الاقتصادية، بل أصبح انعكاساً مباشراً لها. تعليق القبول هنا لا يعني إلغاء التخصص، بل إعادة توزيعه جغرافياً بما يتناسب مع قوة كل منطقة.
هذه الخطوة تسهم في خلق كفاءات محلية مرتبطة بسوقها، وتدعم تنمية متوازنة بين المدن، بدلاً من تكدس تخصصات لا تجد فرصاً كافية. لكن يبقى التحدي في إدارة هذا التحول بذكاء، من خلال إرشاد الطلاب وتوفير بدائل واضحة، لضمان أن تكون القرارات الاقتصادية عادلة إنسانياً أيضاً.
في النهاية، مستقبل التعليم في المملكة لن يُبنى على التخصصات فقط، بل على فهم عميق لاقتصاد كل مدينة، واستثمار نقاط قوتها لصناعة فرص مستدامة».
ضرورة التقنين وموافقتها لسوق العمل
ويضع الأستاذ نبيل فهد المعجل في كلمته لـ»الثقافية» الجدل حول حجب التخصصات بين العاطفة واشتراطات السوق، ويرى أن التخصص ينبغي أن يرتبط باحتياجات العمل، بينما يظل التعلم متاحاً خارج حدوده، ويقول: «إنّ الجدل الدائر حول قرار جامعة الملك سعود بحجب برامج البكالوريوس في كليات علوم الأغذية والزراعة، واللغات، والتربية، واللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم النفس، يمثل صراعاً بين العاطفة والموضوعية؛ فبينما يتمسك العاطفيون باستمرار هذه البرامج، يميل الموضوعيون إلى ضرورة تقنينها لتتوافق مع متطلبات سوق العمل، وهو التوجه الذي أؤيده. سوق العمل هو الذي يشترط هذه التخصصات المحددة، وما يحدث قبل وأثناء وبعد هذا له علاقة بمهارات أخرى منها وأهمها الذكاء الاجتماعي. التعلم واجب وضرورة في كل وقت وبإمكانك الحصول عليه سواء في الجامعة أو عبر القنوات المفتوحة، ولكن لا تطلب من سوق العمل أن يوفر لك وظيفة وشهادتك جغرافيا وتاريخ أو مطالعة».
الأهمية القصوى للعلوم الإنسانية
وتطرح د. منال باكثير إشكالية خريج العلوم الإنسانية بين ضغط التقنية وحاجته المتجددة في فهم الإنسان، وذلك في تصريحها لـ»الثقافية»، وترى أن الخلل في أدوات التعليم لا في جوهر التخصص، مع الدعوة لربطها بالتقنية لصناعة حلول تتجاوز المعرفة النظرية، وتقول: «قضيتُ أكثر من عشر سنوات من عمري في دراسة طب الأسنان، تنقلت فيها بين البكالوريوس والماجستير والبورد البريطاني. ولكن، بعد كل تلك الرحلة الطويلة والممارسة الإكلينيكية، اكتشفتُ حقيقة مذهلة: دراسة الطب لم تمنحني الأدوات الكافية لفهم تعقيدات النفس البشرية أو ملكة تحليل المواقف الاجتماعية؛ فوجدتُ نفسي غنية أكاديمياً، لكنني متعطشة لوعي اجتماعي أعمق. أراد الله أن أعكف في السنوات الست الماضية على كتب الأدب والتاريخ وعلم الاجتماع، فزالت عن عيني غشاوة عظيمة؛ أصبحتُ قادرة على فهم ما يدور حولي، من أصغر موقف يومي إلى أكبر حدث سياسي؛ فالتاريخ يعيد نفسه، والطباع البشرية ثابتة وإن تلوّنت بلون العصر. من هنا، لاحظتُ فجوة مخيفة في مجتمعنا: انعدام (الذكاء العاطفي) لدى فئة كبيرة، والتعامل بلغة الأرقام الجافة بدلاً من لغة العطف والاهتمام. هذه الفجوة تتفاقم مع توغلنا في عصر التكنولوجيا، وهنا تبرز الأهمية القصوى للعلوم الإنسانية؛ فهي التي تُهذب النفس وتعلّم الإنسان ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبداله.
لقد أثبتت التجربة أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على تخصصات تقنية عديدة؛ فقد أنشأتُ منصة إلكترونية كاملة بمفردي دون مبرمج، وهو عمل كان سيكلفني مبالغ طائلة قبل عام واحد فقط. لكن ما لا تستطيعه الآلة هو (التفكير النقدي)، و(فهم السياقات الثقافية) اللازمة لبناء المجتمعات.
إنّ العلة لا تكمن في العلوم الإنسانية كمعرفة، بل في جمود المناهج والأدوات التي لم تبرح مكانها لعقود. إننا اليوم بحاجة ماسة لثورة في طريقة تدريس هذه العلوم؛ بحيث لا تكتفي بتقديم النظريات المعلّبة، بل تدمج التقنية وتحليل البيانات الضخمة في صلب مناهج علم الاجتماع وعلم النفس. لذا، حين يتردد صدى قرارات تعليق القبول في الأقسام الإنسانية بجامعاتنا العريقة، فإن الأمر يتجاوز كونه خبراً عابراً؛ إنه جرس إنذار يستوجب إعادة النظر في استراتيجياتنا التعليمية.
إن الاستمرار في تكريس الصورة الذهنية (الدونية) لهذه التخصصات يتناقض تماماً مع الحراك العالمي؛ فبينما نتراجع نحن، يتجه العالم لتمكين خريج العلوم الإنسانية في قيادة أخلاقيات التقنية. فوفقاً لتقارير حديثة (مثل Deloitte 2026)، زاد الطلب على خريجي العلوم الإنسانية بنسبة 15% في شركات التقنية الكبرى للعمل في (أخلاقيات الذكاء الاصطناعي) و(تجربة المستخدم). كما تشير بيانات عام 2026 إلى تحول جذري في استثمارات الجامعات الكبرى مثل جامعة ستانفورد وMIT اللتين خصصتا ميزانيات تتجاوز 250 مليون دولار لبرامج (أخلاقيات التكنولوجيا) و(الدراسات الإنسانية الرقمية)، لإيمانهم بأن المهندس بلا خلفية إنسانية يمثل خطراً على الصناعة. قد يتساءل البعض: ما جدوى هذه التخصصات في سوق العمل وسياق الرؤية؟ لنأخذ علم الاجتماع مثالاً؛ فهو العمود الفقري لمشاريع جودة الحياة، وتحليل البيانات السلوكية في الوزارات. إننا اليوم نقف أمام مفترق طرق؛ هل نريد أن نكون في مصاف الدول التي تولي التخصصات الإنسانية جلّ اهتمامها في أعرق جامعاتها لإيمانها بأنها (بوصلة) المجتمع، أم نلغي تخصصات هي في صلب حضارتنا وأساس تنميتنا البشرية؟».