الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
يعيد الدكتور علي زعلة قراءة تمثلات الآخر في الرواية السعودية، مستندًا إلى مشروع بحثي شمل نحو مئة رواية، حيث تتبلور ملامح خطاب سردي ينتقل من النزعة الإقصائية المتخيَّلة إلى مقاربة حوارية تعترف بالاختلاف وتؤسّس للتعايش، فيما يتقدّم “الآخر الداخلي” بوصفه بؤرة التوتر والسجال داخل المتن الروائي.
وفي لقائه مع «الجزيرة الثقافية»، تتسع هذه الرؤية لتشمل مراجعة الذاكرة الأدبية عبر مفهوم «أدب التأسيس»، بوصفه مدخلًا لإعادة تقييم النتاج الأدبي في مرحلتي الدولة السعودية الأولى والثانية، مع تفكيك أحكام نقدية اتسمت بالتعميم، والدعوة إلى قراءته ضمن سياقه التاريخي والثقافي باعتباره ركيزة في تشكّل الهوية السعودية.
كما يلامس الحوار تحولات السرد البصري، حيث يحضر الحراك السينمائي السعودي بوصفه تجربة في طور التشكّل، تتصاعد فيها محاولات بناء خطاب جمالي محلي، في مقابل تحديات التراكم الصناعي والنقدي، واتساع الفجوة بين الذائقة الجماهيرية والمقاربات الأكاديمية، بما يضع السينما أمام مسار مفتوح لصياغة ملامحها الفنية.
الآخر في الرواية السعودية
بوصفك متخصصا في الأدب والنقد والدراسات الثقافية، درست عبر أطروحتك الأخيرة الآخر في الرواية السعودية التي ترجمت إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية، ماذا يمكن أن تقول عن هذه الأطروحة، وتحديدا عن موقف الخطاب الروائي السعودي من الآخر؟
لا يخفى عليك أخي علي أن (الآخر) مسألة تتوزع على عدد من الحقول المعرفية، وهو مفهوم جوهري في مجالات بحث متعددة؛ وتجده ماثلا في عديد الخطابات؛ الديني والثقافي والسياسي ومن بينها الخطاب الأدبي ولا سيما خطاب الرواية، وحين لم تتوافر دراسة علمية موسعة على دراسة الآخر في الخطاب الروائي السعودي، اتجهت للبحث في هذا الموضوع في أطروحة الدكتوراه، والحقيقة أنني دخلت غمار ذلك البحث وفي ذهني تصورات مسبقة عن موقفنا الأدبي من الآخر، ولكن ما توصل إليه البحث كان مفاجئا بالنسبة لي أنا بالدرجة الأولى!
كنت أظن موقف الرواية السعودية سلبيا اقصائيا تجاه الآخر، وقد كان هذا هو الطرح السائد في النقد المحلي عبر الصحافة وغيرها، ولكنني عندما درست ما يقرب من 100 رواية سعودية واستعرضت مثلها بمنهجية تراعي النواحي التاريخية والفنية وجدت أن الموقف الغالب هو الموقف المحايد الوسطي المتسامح، الذي يقوم على الاعتراف بوجود الآخر وحقه في الاختلاف، ويتعايش معه في علاقة حوارية إنسانية اعتيادية. وكذلك اتضح أن الآخر الداخلي (أي المختلف المحليّ) هو النموذج الأكثر حضورا وسجالية في المتن الروائي من الآخر الخارجي!
الرواية السعودية اليوم على بعد بضع سنوات من عامها المئة، وخلال قرن من نشأتها أنجزت متنًا هائلًا وعميقًا ومتشعبًا جدًا، ما زال بحاجة إلى مزيد من القراءة والاستكشاف برغم كثرة الدراسات حوله. بعيدا عن حالة التشبع من فرط الدراسات التي تتوسل بالمنهجيات الحداثية وما بعد الحداثية؛ تلك التي تُوظَف في دراسة السرد والأدب بعامة، دون أن يقدم بعضها شيئا يضيف للفن ذاته ولا للذوق والمعرفة الأدبية والحياة الثقافية بعامة، بسبب انغلاق المنهج ذاته أو قصور الباحث في توظيفه.
الرواية السعودية ورؤية 2030
وكيف ترى الرواية السعودية اليوم؟
إذا كانت الرواية السعودية قد تجاوزت مراحل أساسية في مسيرتها، حيث النشأة والتحولات المفصلية في قضاياها وخطابها بعامة، فإنها اليوم أمام مرحلة جديدة ومختلفة تماما بمواضعاتها وسياقها الجديد كليا، مرحلة أوجدتها رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي أسست مفاهيم ومنظورات جديدة، وأعادت صياغة كثير من المفاهيم الثقافية والاجتماعية، وخلقت فضاءات لم تكن متاحة فيما سبق، على مستوى الوعي والرؤية والفعل الثقافي والتقاليد الاجتماعية، وقد أكدت الرواية السعودية عبر مسيرتها أنها الفن الأدبي الأقدر على تمثيل التفاعلات الاجتماعية والثقافية، وإعادة تقديمها عبر الخطاب السردي، ولكنها تواجه اليوم تحديات من نوع مختلف، بعد أن تراجعت جاذبية كثير من الثيمات الثقافية والاجتماعية التي كانت منابع غزيرة للحكي السردي، نهلت منها الرواية وكتّابُها طيلة مسيرتها إلى عصر الرؤية، مما يضع الروائيات والروائيين السعوديين أمام أسئلة وتحديات موضوعاتية وجمالية جديدة.
ويمكن ملاحظة ملامح من ذلك في العودة الواضحة إلى التاريخ وفي معالجة بعض الثيمات القارة ولكن بأساليب أكثر ذاتية وهدوءا بعيدا عن الصراخ السردي الذي كان عنصرا من نجاح عناصر نجاح الرواية وذيوعها في فترة سابقة! وما زلنا بحاجة إلى مزيد من التراكم لتتضح سمات روايتنا المحلية الجديدة وملامحها وكتابها الجدد أيضا.
مصطلح «أدب التأسيس»
يتناول حديثكم مصطلح «أدب التأسيس» بوصفه مدخلًا جديدًا لقراءة الأدب السعودي في مرحلتي الدولة السعودية الأولى والثانية. ما الدوافع العلمية لطرح هذا المصطلح، وكيف تفسرون ترسّخ أحكام نقدية قديمة وصفت أدب تلك المرحلة بالجمود، رغم محدودية التحقيق العلمي لنصوصها؟
تتجاوز علاقتي بالأدب السعودي ثلاثة عقود من الدراسة والتدريس والبحث، ومما يثير الأسف وجود قناعات ترسخت لدى شريحة من الأدباء السعوديين وطلاب الأدب ونسبة كبيرة من مدرسيه والمشتغلين به أن أدبنا ناشئ قصير العمر إذا ما قيس بغيره من الآداب العربية في مصر والشام مثلا، ولأن الدراسات المبكرة التي كُتبت عن الأدب السعودي قدمها باحثون غير سعوديين، فقد ألقوا أحكاما نقدية تقليلية ظلمت حركة أدبية استغرقت مدى زمنيا يتجاوز مئتي عام، ونطاقا جغرافيا يمتد إلى كافة أقاليم الجزيرة العربية! ولا يتوقف الأمر هنا، بل ازداد سوءًا عندما كرر هذه الأحكام أساتذة سعوديون ووصفوا - بتعميم غير مقبول - أدبهم التأسيسي بالجمود، والاقتصار على أدب الدعوة، واستمر الدارسون يعززون هذه النظرة حتى جفلت الأجيال منذ عقود طويلة ونسيتها، ولم يعد أحد يفكر في الوقوف بنفسه على هذا الأدب ومقاربته باعتباره نصًا جماليًا، وفعلًا ثقافيًا وتمثيلًا جماعيًا، له أدواره الثقافية والاجتماعية التي أسهم بها في تشكيل الهوية الوطنية والثقافية، في مرحلة لم تكن الجزيرة العربية كلها تألف فكرة الوطن الواحد أو الدولة الحديثة!
من هذه الزاوية أدعو إلى إعادة النظر في أدبنا السعودي منذ نشأته قبل ثلاثمئة عام، بهذا الاتساع في المقاربة التأريخية، فليس من الإنصاف أن نطلق عليه وصف (الأدب قبل توحيد المملكة) أو (أدب الدعوة الإصلاحية) هذه تسميات عجلى تنطوي على تعميم وتفتقر إلى المنهجية، وأنا عندما أتحدث عن هذا الأدب لا أقصد الشعر فحسب، وإن كان معظم النتاج الأدبي شعريا، لكن هناك فنونا نثرية أخرى وجدت في مناطق ومراحل زمنية متعددة.
أدبنا السعودي هو الأدب السعودي الرائد تاريخيا وفنيا، وقد سبق الأدباء السعوديون غيرهم من الأدباء العرب في الخروج المبكر من عباءة التقليد والجمود السائد في أدب ما يسمى عصر الانحطاط، وانطلقت معالم النهضة الأدبية الحديثة من السعودية وليس من مصر ولا من غيرها. وهي -إلى ذلك- نهضة عربية خالصة لم تتوسل بعوامل النهضة المادية الحديثة التي كان الاستعمار الأجنبي باعثها الرئيس في الدول الأخرى.
إحياء الذاكرة الأدبية الوطنية
ومع مرور ثلاثة قرون على تأسيس الدولة السعودية، ما الدور الذي يمكن أن يؤديه مشروع «أدب التأسيس» في إحياء الذاكرة الأدبية الوطنية، وربط الأجيال الجديدة من الكتّاب والباحثين بجذور التجربة الأدبية في المملكة؟
أدب التأسيس يمثل المنابع الأولى للهوية الأدبية السعودية، إذا وضعنا الهوية الأدبية في موقعها الصحيح في سياق المكونات الثقافية للهوية، فهي تمثل البنية الرمزية التي تتجلى عبرها رؤية الجماعة لذاتها والعالم عبر الفضاء الأدبي بكافة تمثيلاته من النصوص الأدبية، والاتجاهات والتجارب والقضايا والتحولات الجمالية والأيديولوجية، وتفاعلات اللغة والذاكرة والمخيال والقيم ضمن سياق تاريخي مؤسس.
عبر التاريخ؛ هناك هويات نشأت محكومة بالهيمنة، وهويات أخرى – منها الهوية السعودية – تشكلت بدوافع ذاتية محلية نابعة من داخل التاريخ والموروث.
لدينا هوية أدبية لا تشبه إلا السعودية والسعوديين، إذ إن معظم الهويات الحديثة في الشرق الأوسط بما فيها العربية، نشأت في سياق استعماري، انعكس في آدابها وخطاباتها الاحتجاجية التحررية المقاوِمة للمستعمر، وأفرزت تيارا أدبيا واسعا، أما الهوية الأدبية السعودية فهي حالة مختلفة جدا؛ إذ لم تتشكل ضد قوة خارجية، بل عبر دوافع التأسيس الداخلي، والإصلاح الاجتماعي والثقافي والتطور الحضاري، وهذه الصورة الهوياتية التأسيسية للأدب لا نجد تمثيلاتها الأكثر وضوحا إلا في الأدب الذي أسميته أدب التأسيس، الذي يبدأ منذ قيام الدولة السعودية الأولى عام 1727م ويستمر في النمو إلى توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز رحمه الله.
لذلك ولغيره؛ فالعودة إلى دراسة أدبنا السعودي في القرون الثلاثة ضرورة ملحة، لا تقف عند الأدب من حيث هو فن وممارسة جمالية، بل بوصفه مكوّنًا رئيسًا من مكونات الهوية السعودية من جهة، وأحد أبرز ملامحها وتمثيلاتها من جهة أخرى.
ولكن الواقع الأدبي اليوم قد انصرف بشكل محزن عن أدبنا السعودي، وهناك جهل كبير بالأدب السعودي لدى معظم الفاعلين في المشهد الأدبي اليوم، فلا يعرف معظم الأدباء والأديبات من الناشطين في الفعاليات أو النشر أو الإعلام شيئا ذا بال عن أدبهم السعودي، ذاكرة أدبائنا الجدد تكان تكون فارغة من المعرفة الأدبية السعودية، أعلام مثل أحمد السباعي وعبد العزيز الرفاعي وضياء الدين رجب وإبراهيم الناصر ومحمد السنوسي وابن حسين وسليمان الفليح وعبد العزيز مشري وغيرهم الكثير الكثير من عمالقة الأدب السعودي تمر أسماؤهم دون أن تثير الاهتمام! فضلا عن معرفة نتاجهم وأدوارهم التي أسهمت في بناء تاريخنا الأدبي الوطني.
ذات مرة تحدثت عبر السوشال ميديا عن روايات سعودية وذكرت منها روايات لعبده خال وليلى الجهني ورجاء عالم، وكلها صادرة بعد عام 2000، فجاءتني تعليقات كثيرة بأن معلوماتي قديمة! وفي الوقت ذاته يتباهون في وسائل التواصل باقتناء الجريمة والعقاب والاقتباس منها وهي المنشورة قبل مئة وخمسين عاما. هذه النظرة معاقة قطعا، ولا أحمّلهم المسؤولية كاملة، فهناك عوامل كثيرة أوصلتنا إلى هذه الحالة.
السينما السعودية
تشهد السينما السعودية حراكًا متصاعدًا في الإنتاج والعرض، إلا أن هذا الحراك ما يزال – كما يصفه بعض النقاد – في مرحلة التشكّل والبحث عن هويته السردية. كيف تقرأون ملامح هذا التحول؟ وهل بدأت السينما السعودية بالفعل في صياغة خطابها السينمائي الخاص؟
منذ قرار عودة نشاط دور السينما بالسعودية، وإنشاء وزارة الثقافة لهيئة الأفلام وما يمكن أن نسميه المنظومة السينمائية المحلية، دخلت السينما السعودية مرحلة مختلفة كليا عن مرحلة المبادرات والجهود المتفرقة التي أسهمت – دون شك- في تأسيس أرضية مهمة وضرورية للصناعة والصناع.
وبعد أكثر من سبع سنوات من الإنتاج السينمائي السعودي المتزايد سنويا، يمكنني القول إن هناك أعمالا سينمائية قوية قادرة على جذب الجمهور، والمنافسة في المهرجانات، ورسم ملامح سينما وطنية سعودية، تسعى إلى إيجاد خطابها الجمالي ومنظوراتها المتميزة، والمرحلة الماضية بحاجة إلى تتبع نقدي يشمل كافة الجوانب الفنية وشباك التذاكر وخلافه.
لكن الوقت ما يزال مبكرا على مطالبة السينما السعودية بإيجاد لغة أو خطاب واضح المعالم، فالتحديات أمام فن السينما في العالم كبيرة جدا، وبما أنه فن متشعب ومعقد، فتحتاج السينما السعودية – كما احتاجت غيرها من الموجات السينمائية في العالم – إلى عقدين من الزمان أو أكثر لتحقيق التراكم، وصياغة المشتركات الجمالية والدلالية، ورسوخ التقاليد الفنية والأعراف السينمائية التي تميزها من غيرها، لتحقق شرط الاعتراف لدى الجمهور المحلي أولا ثم الخارجي تاليا، والجهود في هذا الاتجاه حثيثة من وزارة الثقافة بقطاعاتها المختلفة.
النقد السينمائي الأكاديمي
يلاحظ كذلك وجود فجوة بين النقد السينمائي الأكاديمي وبين النقد الانطباعي لدى الجمهور. كيف يمكن ردم هذه الفجوة بحيث يتحول النقد إلى أداة تثقيفية ترفع مستوى التلقي، دون أن يفقد بساطته وقربه من المشاهد العام؟
لم يعد النقد الفني والسينمائي على وجه التحديد قيّمًا على الذائقة الجمالية أو موجها لها، وإن حاول لعب هذه الدور فإن راهن الحالة الثقافية والإعلامية لن يستجيب أو يمكنه من ذلك؛ فالمتلقي السعودي له ذائقته الخاصة، وتصوراته المسبقة وخبراته الخاصة، وهو لا يحفل كثيرا بالنقد مثله مثل معظم صناع الأفلام الذين لا يتعاطون مع النقد ويرونه فلسفة فارغة وفائضة عن حاجة الصناعة، وهذا ناتج عن تراكمات معروفة عبر تاريخ السينما، نمت معها مفاهيم وقناعات مغلوطة أو غير دقيقة، من بينها مفهوم شائع تم ترويجه عبر مقولة أفلام الجمهور أو الشباك وأفلام المهرجانات، حتى صارت الفيصل في الحكم على الأفلام وتقييمها!
حوارية الناقد والصانع متوترة غالبا في حقل السينما، يتشارك فيها صنّاع مُكتفون بذواتهم راضون عما يقدمون، ونقاد يكثر فيهم المدّعون، ومشاهير ومؤثرون يسيطرون على المشهد حتى أصبح المنتجون يستعينون بهم في التمثيل والتسويق لجذب الجماهير وزيادة المبيعات! ويظل الزمن العامل المنوط به تفكيك ذلك كله.
** **
@ali_s_alq