«الثقافية» - كمال الداية:
في إصدار يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية والسيرة الذاتية السعودية، صدر مؤخراً كتاب «العالم الجليل راشد المبارك: بين تعدد المواهب وموسوعية الثقافة وشموخ الانتماء»، للأستاذ: منصور بن عمر الزغيبي. يقدم الكتاب قراءة بانورامية شاملة لحياة الراحل الدكتور راشد المبارك (1935-2015م)، الذي لم يكن مجرد أكاديمي مرموق، بل كان رمزاً فكرياً استثنائياً نجح في هدم الجدران العازلة بين العلوم الطبيعية والآداب الإنسانية.
من أزقة الأحساء إلى مراكز العلم العالمية
يستهل المؤلف كتابه برصد البدايات العصامية للمبارك في مدينة الهفوف بواحة الأحساء. ففي بيئة يغلفها الصبر، ولد راشد عام 1354هـ، وواجه اليتم في السابعة من عمره بوفاة والده، ليتلقفه طموح لا يحد وذكاء لافت. يوثق الكتاب رحلته العلمية التي بدأت من الكتاتيب والمدارس المحلية، وصولاً إلى حصوله على الدكتوراه في الفيزياء الكيميائية من جامعة جنوب ويلز ببريطانيا. هذه الرحلة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت تحولاً فكرياً عميقاً صقل شخصيته لتجمع بين التراث العربي الأصيل والمنهج العلمي الحديث.
الموسوعية: العقل الفيزيائي بروح الشاعر
يفرد الزغيبي مساحات واسعة في كتابه لمناقشة «ظاهرة الموسوعية» عند المبارك. فبينما كان يغوص في تعقيدات «فيزياء الكم» و»الذرة»، كان قلبه ينبض بقصائد الشعر التي تعكس رقة وجدانه. الكتاب يستعرض كيف استطاع المبارك أن يكون فيلسوفاً يبحث في «فلسفة الكراهية» ويدعو للمحبة، وشاعراً يصدح بحب الوطن، ومفكراً يحلل قضايا الأمة الكبرى. هذا المزيج الفريد جعل من «ندوة المبارك» (الأحدية) منارة ثقافية في الرياض لأكثر من ثلاثة عقود، جمعت تحت سقفها العلماء والأدباء والدبلوماسيين من مختلف المشارب.
فلسفة التعليم والإنسان
يبرز الكتاب الجانب الإنساني المتواضع في شخصية المبارك، خاصة في تعامله مع طلابه ومريديه. فقد كان يؤمن بمنهج «التعليم التبادلي»، معتبراً أن الأستاذ الحقيقي هو من يتعلم من أسئلة طلابه. كما يتوقف المؤلف عند إسهامات المبارك في تعزيز قيم التسامح والتعايش، مؤكداً أن علمه لم يكن حبيس المعامل والمختبرات، بل كان «علماً نافعاً» يسعى لإصلاح المجتمع وتنوير العقول. ويرى الزغيبي أن المبارك كان يمثل نموذج «المثقف العضوي» الذي يتفاعل مع قضايا عصره برؤية علمية رصينة وأدوات أدبية رفيعة.
الأحساء.. المبتدأ والخبر
لم تكن الأحساء في سيرة المبارك مجرد مسقط رأس، بل كانت مكوناً جوهرياً في هويته. يحلل الكتاب كيف استلهم المبارك من نخيل الأحساء شموخه ومن مائها عذوبة شعره. وقد نجح المؤلف في نقل القارئ إلى تلك الأجواء، مبيناً كيف ظلت «الهوية الأحسائية» حاضرة في فكر المبارك حتى وهو يناقش أعقد النظريات العلمية في المحافل الدولية.
إرث يتجاوز الغياب
يختتم منصور الزغيبي كتابه بالتأكيد على أن رحيل راشد المبارك لم يكن غياباً بقدر ما هو انتقال لمرتبة الخلود المعرفي. إن هذا الكتاب يمثل مرجعاً ملهماً للأجيال الجديدة، يثبت أن التخصص العلمي الدقيق لا يمنع من التحلي بثقافة موسوعية، وأن العالم الحقيقي هو من يحمل هموم الإنسان بين جوانحه. إن سيرة المبارك، كما وثقها الزغيبي، تظل شمعة تضيء دروب الباحثين عن التوازن بين رقي العقل وسمو الروح، في زمن نحتاج فيه بشدة إلى مثل هذه النماذج المضيئة.