تتجاوز اللغة وظيفتها الإبلاغية لتضطلع بدور إبستيمولوجي في تشكيل أنماط الإدراك وإنتاج البنى التصورية الاجتماعية والاقتصادية. ويكتسب الذكاء اللغوي، في هذا الإطار، أهمية خاصة؛ إذ يتيح توظيف الموارد اللسانية بكفاءة تداولية؛ لتحقيق الإقناع والتأثير. غير أنّ هذه القدرة قد تنحرف، في بعض السياقات، من أداة تواصل مشروعة إلى وسيلة لإنتاج معانٍ مضلِّلة، بما يثير إشكالية الحدود بين الإقناع المشروع والتّلاعب الخطابي ذي الطابع الاحتيالي.
يقوم الاستخدام المشروع للغة على مبدأ التعاون التداولي، الذي يفترض التزامًا ضمنيًا بالصّدق والوضوح وقابلية الفهم بين المتخاطبين. بيد أنّ هذا المبدأ قد يُخرق على نحو غير مباشر عبر توظيف استراتيجيات لغوية دقيقة، مثل: الغموض المقصود، وإعادة التأطير الدلالي، والانتقاء المعلوماتي. وهي آليات لا تنتهك البنية اللغوية صراحة، لكنها تُحدث انزياحًا دلاليًا يوجّه إدراك المتلقي نحو استنتاجات غير مكتملة أو غير دقيقة.
في هذا الإطار، لا يتحول الاستخدام المؤثر للغة إلى احتيال بمجرد كونه كذلك، بل حين يُسخَّر لإخفاء جزء من الحقيقة أو إعادة تشكيلها على نحو يُخلّ بتوازن المعرفة بين الأطراف. ويبرز هذا التحول بوضوح في السياقات الاقتصادية والمالية، حيث يُستثمر الذكاء اللغوي في صياغة خطابات تقنع المتلقي بتبني قرارات أو تصورات لا تستند إلى معلومات مكتملة أو شفافة.
ومن منظور تحليلي، يمكن التّمييز بين التأثير اللغوي المشروع والاحتيال الخطابي، فالتأثير يُعد مكوّنًا أصيلًا في التواصل الإنساني، وتتناوله التّداولية وتحليل الخطاب ونظريات الإقناع. غير أنّه يكتسب طابعًا إشكاليًا حين يتجاوز وظيفته الحجاجية ليغدو أداة لإخفاء المعلومات أو تشويهها، بحيث لا تعود اللغة وسيطًا لنقل المعرفة، بل أداة لإعادة تشكيلها بصورة منحازة.
ويتحقق هذا التحول عبر آليتين مركزيتين: الأولى الحذف الانتقائي للمعلومات، حيث يُقدَّم جزء من الحقيقة دون غيره بما يفضي إلى تضليل ضمني؛ والثانية إعادة التأطير، أي عرض الوقائع ضمن بنية لغوية تُوجّه تفسيرها وتعيد ترتيب أولوياتها الدلالية دون تغيير ظاهر في مضمونها. وتبيّن هاتان الآليتان كيف يمكن للخطاب أن يمارس تأثيرًا عميقًا دون اللجوء إلى الكذب الصريح، من خلال التحكم في ما يُقال وكيف يُقال.
ويرتبط ذلك بمفهوم اختلال توازن المعرفة بين الأطراف (عدم تماثل المعلومات)، حيث يمكن للطرف الأكثر اطلاعًا توظيف اللغة لتعزيز هذا الاختلال بدل تقليصه، عبر تقديم معلومات مجزأة أو مؤطرة بما يحدّ من قدرة الطرف الآخر على التقييم النقدي. وهنا يتحول الخطاب من أداة تواصل إلى أداة هيمنة معرفية تؤثر في بنية القرار.
وتتجلى هذه الديناميات بوضوح في السياقات المالية؛ نظرًا لتعقيد معطياتها وارتفاع المخاطر المرتبطة بها. إذ قد تُصاغ الخطابات كالعروض الاستثمارية أو التقارير المالية بأسلوب يوحي بالاكتمال والموضوعية، بينما ينطوي على انتقائية معلوماتية أو تحيز تأطيري يؤثر في إدراك المخاطر والعوائد.
وعليه، لا تقتصر الإشكالية على البعد اللغوي، بل تمتد إلى أبعاد معرفية وأخلاقية، إذ يؤدي هذا الاستخدام إلى تقويض مبدأ الشفافية وإضعاف أسس اتخاذ القرار الرشيد. ومن ثمّ، لا يكمن معيار تقييم الخطاب في درجة تأثيره، بل في مدى التزامه بتقديم معرفة متوازنة تمكّن المتلقي من اتخاذ موقف مستنير.
في هذا السياق، تسهم اللغويات الجنائية في تحليل هذه الظاهرة عبر تفكيك البنى الخطابية؛ للكشف عن آليات التلاعب المحتملة، من خلال دراسة الظواهر التداولية كالاِستلزام الحواري، وتعدد الدلالة، وإعادة بناء السياق. وبذلك تتيح التمييز بين الإقناع بوصفه ممارسة مشروعة، والتضليل بوصفه انحرافًا وظيفيًا في استخدام اللغة.
كما يضطلع هذا الحقل بدور حاسم في تحديد لحظة التحول من الإقناع إلى الاحتيال، عبر رصد المؤشرات اللغوية والتداولية الدالة على انحراف الخطاب عن مبدأ الشفافية، مثل الحذف الانتقائي، وإعادة التأطير، والغموض الدلالي الذي يحدّ من قابلية المساءلة.
ومن جهة المتلقي، يوفّر التحليل اللغوي الجنائي أداة منهجية لتعزيز الوعي النقدي، إذ يمكّنه من تفكيك الخطاب عبر التمييز بين مستوياته الصريحة والضمنية، وفحص ما يُقال في مقابل ما يُفترض أو يُلمَّح إليه. كما يساعده على إدراك الفجوة بين المعنى الحرفي والتداولي، وتتبع المؤشرات اللغوية التي قد تُستخدم لإنتاج انطباعات مضلِّلة دون كذب مباشر. ولا يقتصر ذلك على الكشف، بل يمتد إلى إعادة بناء السياق التداولي، بما يشمل تحديد الأطراف ومصالحها والعلاقات السلطوية بينها، بما يمكّن من تقييم درجة الشفافية ورصد اختلال توازن المعرفة.
وعليه، فإن التحول من مهارة تواصلية إلى أداة احتيالية لا يُفهم بوصفه خاصية في اللغة ذاتها، بل نتاجًا لسياق الاستخدام، والقصد التداولي، ومدى الالتزام بمبدأ الشفافية. ومن هنا تبرز أهمية التحليل اللغوي في ضبط حدود الذكاء اللغوي وتوجيهه، لا سيما في السياقات الاقتصادية والمالية.
** **
- دلال محمد الشّديدي