لم يعد السؤال اليوم: هل قصيدة النثر شعر أم لا؟ فهذا سؤال استُهلك حتى فقد كثيرًا من جدواه وصار في أحيان كثيرة ستارًا يختبئ خلفه العاجز عن النظر في لبّ المسألة، كما أن السؤال لا ينبغي أن يكون من قبيل: أيجوز الخروج على الوزن؟ فقد خرجت القصيدة العربية عبر تاريخها على صورها الموروثة غير مرة، ولم يكن التحول في ذاته جريمة جمالية، لكنني أجد أن السؤال الأحق بالطرح والأشد إلحاحًا هو: كيف تحوّل الخروج على شكل قديم إلى خروج على فكرة المعيار؟ وكيف غدا بعض الخطاب المحيط بقصيدة النثر يتعامل مع كل ضابط كأنه عدو فاشي للحرية ومع كل معيار كأنه مؤامرة ماسونية على الإبداع؟
هنا يكتسب حديث أدونيس الأخير عن قصيدة النثر دلالته الحقيقية؛ فالرجل الذي أمضى عمرًا طويلًا في تفكيك الثوابت والاحتفاء بالمتحول والدعوة إلى تحرير القصيدة من سطوة النموذج الجاهز وصاحب الكتاب الثائر: «الثابت والمتحول» عاد اليوم ليشير -تصريحًا أو تلميحًا- إلى أن هذا الباب الذي فُتح باسم الحرية تدافعت منه فوضى واسعة، ويزداد هذا الحديث أهمية لأنه صادر عن أحد أبرز الذين منحوا هذا التحول شرعيته النظرية والرمزية؛ فحين يتحدث صاحب المشروع نفسه عن «انفلات» أو يلوّح بالحاجة إلى ضابط فإن المسألة تصبح مساءلة داخلية للمشروع من قِبله.
وأجد أن الخطأ سيكون كبيرًا إذا قرأنا هذا التحذير كتراجع متأخر إلى أحضان الشكل القديم أو حنينًا إلى العروض كمنقذ خارق،القضية أعمق من ذلك؛ فأدونيس في جوهر مشروعه كان مشغولًا بالدفاع عن الإبداع ضد الجمود، لكن مشكلة الخطاب الحداثي العربي – في أحد تجلياته – لم ينجح دائمًا في التفريق بين تحرير القصيدة من القالب الجاهز وبين فتح الباب لكتابات استباحت اسم الشعر دون امتلاك شرطه الفني؛ فاستحال تحرير الإبداع من تأسيس لبديل أو حتى موازٍ جمالي إلى ممر تتسلل عبره نصوص رخوة وادعاءات شعرية لا يسندها بناء ولا ضرورة، وهذا اضطراب لم يسلم منه أدونيس نفسه؛ سواء إذا نظرنا إلى خطابه النظري ومشروعه الثقافي – في بعض وجوهه على الأقل – أم إلى ممارسته الشعرية نفسها، فنجد أن الضابط الذي يبحث عنه اليوم لم يتحدد عنده بما يكفي لا مفهومًا ولا إجراءً؛ ولهذا فإن عددًا من نصوصه يظل مفتوحًا على إشكال التجنيس ذاته؛ إذ تضعف فيه الحدود الفاصلة في بعض المواضع بين قصيدة النثر وبين أشكال مجاورة كالخاطرة والقصة القصيرة جدًا.
ولفهم هذا الاضطراب على وجهه لا بد من ردّه إلى أصله المعرفي؛ فالحداثة كما تبلورت في تاريخ الفلسفة الأوروبية لم تكن هجومًا على المنهج، ولكنها ثمرة من ثماره، بمعنى أن العقل الغربي لم يخرج من جموده لأنه قرر أن يحتقر الضوابط ولا لأنه استبدل النظام بالفوضى، وإنما لأنه أعاد تأسيس النظر نفسه.
فديكارت -مثلًا- حين فتح بابًا جديدًا بنى شكًّا «منهجيًا» أراد به تطهير المعرفة من أوهامها، وكذلك الحداثة العلمية انتصرت لأنها هدمت قواعد عاجزة وأقامت محلها قواعد أقدر على الفهم والاختبار والتفسير، بهذا المعنى تصبح الحداثة انضباطًا جديدًا وانتقالًا من منهج ضعيف إلى منهج أكثر خصوبة في سياقها الأوروبي، ولا أعني بهذا أن الحداثة الغربية كانت مسارًا نقيًّا ملائكيًّا؛ فقد عرفت هي أيضًا تمردات جمالية ومعرفية دفعتها أحيانًا إلى أقصى التجريب من الحركات الطليعية العنيفة إلى نزعات التفكيك اللاحقة، غير أن الفارق الجوهري أن تلك الانعطافات مهما بالغت نشأت داخل تاريخ نقدي لم يلغِ سؤال المعيار، ولكنه أعاد طرحه كل مرة على نحو جديد، ولا أقصد تمجيد حداثة أجنبية، وإنما التنبيه إلى أن الحرية هناك لم تتقدم -في أفضل صورها- إلا وهي تُعار كالسؤال عن الضابط.
ثم ماذا؟
ثم بهذا الفهم تنكشف الثغرة السحيقة في كثير من التلقي العربي للحداثة الأدبية؛ لقد استوردنا النتيجة ولم نستجلب المنهج الذي أنجبها، وأخذنا هيئة التحرر وتركنا عقله، وحاولنا كسر الشكل وتركنا السؤال الذي يبرره، أردنا الثمرة النهائية ولم نمر بالطريق الشاق الذي أفضى إليها، ولهذا بدا لبعضنا أن الحداثة الأدبية تعني التخفف من كل قيد مع أنها لم تكن يومًا كذلك، وكأننا نريد علاج الصحيح بدواء السقيم؛ فلما صاح: ويحكم، لستُ عليلًا، أكرهناه عليه؛ محتجّين بأن أوروبا وصفت هذا العلاج، ونسينا أن الدواء لا يكون نافعًا لذاته، وإنما تنفعه وصفته وتضبطه جرعته ويحدّه موضعه وإلا انقلب من علاج إلى هلاك.
ومن هذا الموضع تتجلى أزمة قصيدة النثر على نحو أدق؛ فليس الخلل فيها من حيث هي إمكان فني؛ ففيها نصوص عالية كما فيها نصوص باهتة وهذا شأن كل فن، لكن العطب نشأ في الخطاب الكسول الذي أحاط بها حتى أوهم كثيرين أن مجرد التخلص من الوزن مكسب جمالي وأن تشظية الأسطر أو تكثيف النبرة الوجدانية أو تفكيك العبارة يكفي لصناعة الشعر وهنا وقعت الكارثة المعرفية قبل النكسة الجمالية.
ثم ماذا؟
ثم ما الذي يجعل هذا النص قصيدة نثر أصلًا؟ ما الحد الأدنى الذي إذا غاب لم نعد أمام قصيدة مهما تكسّرت الأسطر وتكاثرت الصور؟ أهو التكثيف؟ أهو التوتر الداخلي؟ أهو الإيقاع الباطن؟ أهي وحدة التجربة؟ أهي الطاقة المجازية التي تنقل اللغة من مستوى الإخبار إلى مستوى الخلق؟ أهي هندسة خفية تجعل النص كيانًا حيًا لا مجرد انفعال مكتوب؟ إن لم نستطع أن نسأل هذه الأسئلة بجدية، فيؤسفني القول إننا لا نمارس عملية نقدية، وإنما نوزع ألقابًا بسخاء.
هنا لا أستقبل كلام أدونيس بالتهليل وإنما أُخضعه لمساءلة صارمة وتمحيص؛ فالرجل الذي جعل من «الثابت والمتحول» مشروعًا واسعًا في قراءة التراث كصراع بين الاتباع والإبداع وبين ما يرسخ النموذج حتى يغدو سلطة وما يخرقه ليعيد فتح إمكانية الإنشاء، إنما قدّم أداة عظيمة في الهدم، والهدم مهما كان مشروعًا ليس منهجًا كاملًا؛ هو لحظة من لحظاته، والمنهج لا يُختبر بقدرته على إسقاط القديم فقط، وإنما بقدرته على بناء الجديد بناءً محكمًا، وهنا تقع الهُوَّة التي لا يصح التستر عليها بهالة الاسم وسلطته.
والناظر إلى الخطاب الحداثي العربي – في كثير من مواضعه –يجده أقوى في نقض القديم منه في تأسيس البديل، لقد كان شديد البراعة في التشكيك في السقف القديم، لكنه أقل وضوحًا في تشييد السقف الجديد، وحينما ضعف البناء النظري في هذا المشروع اندفعت إلى الفراغ نصوص كثيرة لا يجمعها جامع إلا الرغبة في الإفلات من القيد، وبهذا فإن أدونيس لا يواجه اليوم خصوم قصيدة النثر وحدهم، وإنما يجابه أيضًا بعض النتائج المترتبة على مناخ حداثي احتفى طويلًا بالاختلاف من غير أن يبيّن، وبالقدر نفسه جهازًا نقديًا صلبًا يفرّق بين الاختلاف المنتج والاختلاف العاجز.
وللإنصاف أقول: ليس معنى كلامي هذا أن مشروع أدونيس كله كان دعوة إلى العبث ولا أنه مسؤول وحده عن كل ما جرى؛ فهذا تبسيط فاسد، لكنه ليس بريئًا براءة الذئب من الدم أيضًا؛ لأن التأسيس للمتحول لم يقترن بتأسيس لمعايير الفرز داخله، وترك الباب مواربًا أمام سوء الفهم، ثم أمام سوء الممارسة، ثم أمام تحوّل الشعار إلى غطاء، فتملّصت الحرية من شرط للإبداع إلى ملجأ للرخاوة وانزلق نقد الثابت من فعل معرفي إلى جملة كسلى تقول: كل ما يطلب الضابط رجعية. هذا خمول فكري مزيّن بلغة حداثية وليس حداثة، ولا ينبغي أن يُقرأ حديث أدونيس الأخير وكأنه رأيٌ في قصيدة النثر فحسب، وإنما كعرض لمرض أعمق في وعينا الأدبي كان هو أحد أسبابه، ولهذا فقصيدة النثر ليست هي المتهمة، ولكنه الخطاب الذي دافع عنها وتلقاها بغير صرامة كافية، كما يرى الآن أدونيس.
ثم ماذا؟
ثم إنني أرى أننا اليوم لا نحتاج إلى رجعة خائفة إلى العروض ولا إلى مجاملة ثقافية ترفع كل كتابة إلى مقام الشعر، ولكن إلى ما هو أشق وأجدى: إعادة تأسيس المعيار بعد الحرية؛ فالحرية التي لا تنتج معيارها تنقلب سريعًا إلى فوضى لا تصنع فنًا، ومن هنا يبقى السؤال الحقيقي: لِمَ بدا الهدم في خطابنا الحداثي أوضح من البناء؟
هذا هو السؤال المطروح.
** **
أسامة بن يحيى الواصلي - كاتب وباحث في الأدب والفكر.