«آن للسينما السعودية أن تعيد تعريف الثقافة والمدن من خلال الشاشات، فكم من مولع بنيويورك وروما وباريس ولندن؛ وغيرها من المدن، عبر السينما والتلفزيون، لا بد أن يكون هناك فيلم بطله هو المكان! فلمَ المكان دونًا عن كُلِّ القصص التي قد تروى؟، يقولون: إن الحارة الأولى في نشأتك كالوشم في جسدك، وأول منزلٍ سكنت فيك هو حاضنُ مناماتك وأحلامك، والمدرسة التي تلقيت العلم فيها هي مهد أفكارك، والمقهى الذي كنت تهرب له هو أول تعريف للحرية والتمرد تلقيته في حياتك، وأول دولة تطؤها قدماك هي أعظم انتصاراتك.
فللمكان خصوصية لا تضاهى في خزانة ذكرياتك المتراكمة، والمتداخلة؛ ولم تكن يوما مقولة «بالجليس لا المكان» إنصافا للحقيقة، فالأمكنة أبطال الحكايا والذواكر! لها قدرة عجيبة على ملك مفاتيح، ومغاليق القلوب، إنها كتب مفتوحة على مصراعيها تروي ما ترويه عن الصراعات، والآلام، والآمال العتيقة التي تحفظها في بواطنها.
عرفت أسواق الدراما العربية والعالمية، أهمية تصدير ثقافتها عبر سرد المتعة من خلال الأبنية والشوارع في المدن، ففي الفيلم الشهير» home alone» كانت المدن الأمريكية جزءا لا يتجزأ من سير القصة، حيث صورت مدينتي شيكاغو ونيويورك كحلم لملايين الناس الذين تمنوا لو تاهوا بدلا عن «كيفين»؛ ولم يغفلوا عن جزيرة «هاواي» في فيلم «ليلو وستيتش».. فهل هناك من يبالي بجزيرة بعيدة حتى تصير حلم الصيف والمرح؟
وأما باريس فلا يحضرني أشهر من مسلسل « Emily in paris» الذي روج لها فوق رواجها ملايين المرات، على الرغم من سذاجة القصة التي يستطيع المشاهد أن يخمن الحدث التالي فيها، وكأنه مشارك في كتابة المسلسل!، وأما لندن فسلسلة «هاري بوتر» الشهيرة خير مثال!
ألا تذهلك مشاعر الحنين لبلاد لم تزرها؟، اسأل نفسك أين تقبع في دواخلك؟
فلنتحدث عربيا عن أول مكان محفور في الوجدان «فلسطين» إذ قدم المخرج حاتم علي-رحمه الله تعالى- في ملحمة «التغريبة الفلسطينية» ذكرى خالدة لأجيال وأجيال، بقيت حاضرة حتى يومنا هذا، وأما «دمشق» فلا يوجد مسلسل سوريّ قصّر في أن يجعلها أسطورة المدائن، وأعجوبة الزمان، في بيئتها القديمة في «ليالي الصالحية» والحديثة في «جلسات نسائية»و»الفصول الأربعة»، كما أنها لم تنس بقية المدن والضيع في «ضيعة ضايعة»و»طريق النحل»؛ وكذا لم تنس الدراما اللبنانية أن تتغنى ببيروت، رغم ضعف الحبكات والحكايات الدرامية فيها.
وأما «القاهرة»، فلم تتوان الدراما المصرية عن تصوير لياليها، ونيلها، وناسها، وتحولاتها التاريخية في «بنت اسمها ذات» وكذا الإسكندرية في «أهو ده اللي صار» وأسوان في «جراند أوتيل».
أما الآن فلنرجع للدراما السعودية، ونتساءل بصوت عال ما هي آخر صورة في الذاكرة العربية عن البيئة السعودية؟ لا أجد فيما أجد تصويرا حقيقيا، سوى في «طاش ما طاش»، وقد تغير شكل الحياة كثيرا من يومها حتى الآن!
وأما بقية ما يصدر عن شكل الحياة السعودية في الدراما، مكانا وناسا، لا يشبه الحقيقة، وأقرب ما يكون للفنتازيا وخيالات طفل صغير لم يفطم بعد!
وحتى أكون منصفة، ففي فيلم «مندوب الليل» تصوير بصري ماتع عن الرياض، وأحيائها؛ لكن المملكة العربية السعودية ليست الرياض وحدها!
فمن سيؤمن بأن الدراما هي أعظم مسوّق في التاريخ بعد الأدب؟، ومتى تتسع الشاشات لتضم حكايا مدننا وقرانا، حتى تمتد أغصاننا لتعانق العالم بأسره؟
** **
لجين ناصر الطلحي - أديبة، باحثة لغوية، كاتبة محتوى.