دعت اللسانيات التعليمية إلى الاهتمام بالجانب المنطوق من اللغة أثناء العملية التعليمية، وذلك من خلال التركيز على الخطاب الشفوي، من أجل تحسين الأداء، وإكساب المتعلم مهارة التعبير الشفوي، الذي يعتبر العنصر الأساس في الممارسة الفعلية للحدث اللغوي؛ إذ تظهر الكفاية اللغوية من طريق المهارة الشفوية التي ترتكز على أداء اللغة استماعا وتحدثا، ثم تأتي بعد ذلك مهارة القراءة والكاتبة.
ولو تتبعنا الدراسات التي أقيمت على ظاهرة اكتساب اللغة لأدركنا أهمية الاستماع؛ إذ هو أول المدارك التي يلتقط بها الإنسان لغته من خلال محيطه الاجتماعي، فتنمو كفاية المتلقي اللغوية، ويتهيأ لقراءة النصوص المكتوبة باسترجاع ما سمعه، فتتأتى له القراءة، وحسن الأداء تقليدا ومحاكاة، فلم يكن تقديم فهم المسموع، وإنتاجه على فهم المكتوب بمناهج لغتي اعتباطا، وإنما كان استثمارا واعيا لنظريات الاكتساب اللغوي، وجعل المتكلم يعيش في بيئة النصوص المنطوقة يستمع إلى النموذج الفصيح، ويتفاعل معه، وينتج على منواله، فاعتمدت المقاربة التعليمية في تعليم اللغة العربية على المقاربة التواصلية من خلال فهم المسموع وإنتاجه، حيث جعل النص المسموع مدخلا للوحدات الدراسية في منهج لغتي، ثم يتبعه نصوص انطلاق؛ لتكون تمهيدا للعملية التعليمية.
وقد ميز دي سوسير بين ثلاثة عناصر هي: اللغة، واللسان، والكلام، وإذا كانت اللغة هي الملكة الإنسانية، والقدرات الفطرية التي يمتلكها الإنسان، فإن اللسان هو النظام التواصلي الذي يمتلكه كل فرد ينتمي إلى مجتمع لغوي متجانس، أما الكلام فهو الإنجاز الفردي لذلك اللسان، ومن هذا المنطلق والدور الذي تقوم به اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية يستخدمها الأفراد للتواصل فيما بينهم، رأت اللسانيات التعليمية أن من الطرق الناجحة لتعلم اللغة هو إدماج المتعلم في الوسط اللغوي، حيث أصبحت هذه الطريقة ضرورة بيداغوجية لابد منها؛ لتحقيق النتائج المتوخاة، أو على الأقل التكثيف من الأنشطة الحوارية.
وقد أكد الدرس اللساني الحديث في اكتساب اللغة على الاستعمال اللغوي باستهداف الكفاءة التواصلية، وهذا ما جسدته مناهج لغتي للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة في المملكة العربية السعودية حيث تبدأ كل وحدة من وحدات المقرر بنص مسموع يعقبه مناقشة فهم المسموع، ثم الولوج في نصوص الانطلاق ومناقشتها وطرح التطبيقات عليها، فيتلقى المتعلم بداية كل أسبوع بيداغوجي نصا تعليميا عبر أداء نموذجي سواء من خلال عرض مقطع مسجَّل، أو من المعلم، فيعيش المتعلم اللغة في أصح تمثّلاتها، فيكتسب نظامها، ومعجمها، وفنونها، ويصحح ما درج عليه في بيئته من أخطاء في المسميات، والمفاهيم التي تخضع لسلطة النموذج اللغوي، بما يعتريه من تنوعات لغوية على هيئة لهجات إقليمية، وجغرافية، واجتماعية، ومهنية، كما أثبتته اللسانيات الاجتماعية، فمن طريق الاستماع، والقراءة النموذجية لهذه النصوص يعيش المتعلم في الوسط اللغوي النموذجي؛ لاكتساب الملكة اللغوية التي تتداخل في تكوينها عدّة مهارات، أهمها الاستماع، والتحدث، والقراءة، والكتابة.
من هنا دعت اللسانيات التعليمية إلى فكرة الانشغال باللغة المستعملة في آنيتها دون الانشغال بتطورها، وإلى تعويض النحو بالاتصال المباشر باللغة في وضعيات ملموسة أثناء الحصة التعليمية، وترك القواعد النحوية إلى مراحل أخرى؛ لأن أفضل طريقة لاكتساب اللغة هي الاستعمال الفعلي والآني للغة، فلا داعي لإقحام القواعد المعيارية، وطرح الأسئلة، لماذا جاءت الكلمة على هذا النحو؟ وكيف يجب أن تكون؟ لأن هذا لا يقدم شيئا في استعمال اللغة، ويقرب اللغة للمعيارية، ويبعدها عن الاستعمال الفعلي للغة، وسيُعسِّر ويُصعِّب عملية تعليم اللغة واكتسابها.
أدى ذلك إلى وضع أسس جديدة في تعليم اللغة تمثَّلت في التكثيف من النشاط الحواري داخل الصف الدراسي، وممارسة الكلام لتعليم اللغة، وإعطاء الأولوية لتوظيف الخطاب الشفوي، وأصبح التركيز على تنمية مهارة الاستماع والتحدث قبل مهارتي القراءة والكتابة، وهذا ما تجسده منهج لغتي، فكان الانطلاق من فهم المسموع وإنتاجه، وجعله وسطا لغويا يعيش المتعلم في بيئته، ويمارس اللغة العربية السليمة استماعا وتحدثا، وأداء؛ لتحصل له الملكة اللغوية بطريقة لا شعورية عبر النصوص والشواهد المختارة.
** **
- محمد بن عثمان الخنين