قبل سنوات قليلة، وصل صديقي إلى شقتي في بيتسبرغ بنسيلفانيا في زيارة خاطفة، وبادرني بالهدايا المرسلة من أهلي ثم استلقى، فقد أعياه السفر، أو هكذا ظننت. أخذت أفتش عن الهدايا بفضول وفرح، وجدت بينها عطرا نفاذا، فعرضته عليه لمشاركته، عب ملأ رئتيه فما وجد شيئا، وهنا استولت على ذهني فكرة الفيروس الذي ساد البلاد والعباد ولم يرخ قبضته إلا قبل شهور قليلة من تلك اللحظة، فقد كان فقدان الشم إحدى علاماته. ثم جلبت لصديقي حفنة من الهيل المطحون شديد الرائحة، فما وجد شيئا رغم تكرار محاولاته، وهنا رجحت لدي إصابته.
قد فقد هو حاسة الشم قبل ساعات على الأرجح، دون أن يشك أن هناك عطلا ما في جهازه الشمي قبل ذلك، ولولا أن نبهه أحد، لطالت غفلته عن هذا العطل أكثر! لكن الحال لن تكون كذلك، لو تعطلت لديه حاسة مثل البصر أو السمع، فسينتبه لفقدانها مباشرة.
تهميش الشَّم علميا وفلسفيا
الشَّمُ حاسة مهملة، خصوصا إذا ما قورنت بغيرها من الحواس. خذ مثلا مصابي الأمراض التنكسية العصبية، يصابون في شمهم قبل سنوات، بل عقود من بدء الأعراض الإدراكية مثل خلل الذاكرة. فلن ينتبه المريض ولا الأشخاص المحيطون به لعطل حاسة الشم. بل إن ذلك سيفوت حتى الطبيب! ففحص حاسة الشم فحص مهمل عادة في عيادات طب الأعصاب.
سيستنتج كثير من المتأملين أن ليس للشم وظيفة يومية أساسية للبشر، معتقدين بذلك أنها حاسة فائضة عن الحاجة، يستطيع البشر الاستغناء عنها، كما اعتقد كانط، بل قد قرر أنه قد يكون من الأفضل للبشر المضي قدما دون هذه الحاسة، لكثرة ما تستثير من انطباعات مستهجنة. وهو متسق بهذا مع موقف أفلاطون، إلا أن أفلاطون ذهب أبعد من ذلك حين استثنى حاسة الشم من القدرة على استشعار الجمال وحصر ذلك في حاستي البصر والسمع. وأظن أن أفلاطون هو أول من نبه لعدم وجود نظام لغوي تداولي خاص بالشم، يصنّف ويرمّز الروائح دون الاستعارة من الأنظمة اللغوية المجاورة التي تتناول الحواس الأخرى، أو دون الإحالة إلى معان من خارج هذا النظام على سبيل التقريب، وهذا على النقيض من علاقة اللغة بالألوان، فسيتبادر إلى ذهنك بسهولة، إن لم تكن أعمى منذ الولادة، اللون الأخضر ما أن تقرأ كلمة «أخضر» أو تسمع الفونيمات السمعية المكونة لها، وستستطيع أن تعبر عن هذا اللون بمستوى عال من الموضوعية، بكتابة أو نطق «أخضر»، دون أن تستدعي بالضرورة النباتات، لكن ذلك لا يستقيم مع الروائح، فغالبا ما تتم الاستعارة السيميائية من النظام اللغوي الخاص بالحواس الأخرى ليتم تمثيل الروائح، مثل القول أن هذا العطر حلو -استعارة من التذوق- أو أن هذا العطر لاذع -استعارة من الإحساس اللمسي-. أو أن يتم وصف الرائحة عبر وصف أحد مصادرها، دون أن يتم تمثيل الرائحة المعينة في كلمة مستقلة لها دلالتها المستقلة، مثل القول بأن هذه رائحة ليمونية! ويعزو أفلاطون سبب ذلك إلى غياب حصر الروائح الرئيسية في معيار روائحي ما ابتداءً، وأن التصنيف الوحيد المتاح والمستخدم للروائح هو تصنيفها في صنفين: المستحسن والمستهجن.
والعلماء في سوادهم الغالب، ليسوا بعيدين عن هذا الإهمال، فهذا داروين أبرز علماء الأحياء، صاحب نظرية النشوء والتطور، ينص على أن الشم ذو خدمة طفيفة جدا للعرق البشري، هذا إن وُجدت هذه الوظيفة أساسا. وفرويد، أهم ورثة داروين والذي كان في اتساق معه في هذا، أخذ عن سابقه طبيب الأعصاب الفرنسي باول بروكا، أن البصلة الشمية -وهي نسيج دماغي يختص بالشم- تضاءلت حجما لدى البشر عبر التطور والتحضر، إذا ما قورنت بالبصلة الشمية للثدييّات الأخرى، لتشكل هذه الملاحظة علامةً على اندثار وظيفية الشم مع التطور. ولم تكن تلك هي الشاهد الوحيد المستخدم من أصحاب هذا الاتجاه، فشاهد آخر لديهم هو اكتشاف عضو بشري شمّي على أنه عضو آثاري، يندثر قبل الولادة، بمعنى أنه عديم الوظيفة لدى البشر المولودين، ومسماه: العضو الميكعي الأنفي. هذا العضو فعال لدى كثير من الحيوانات، حيث يختص باستقبال الفرمونات من الحيوانات الأخرى، هذه الرسائل الكيميائية التي تستهدف استثارة أو تثبيط سلوكيات ما، أو هي تكوّن قيمة تواصلية بدائية كما في مجتمعات النمل والنحل، إلا أن هذا العضو بلا وظيفة لدى البشر.
وقد طال إهمال العلماء للشم حتى مطلع القرن الواحد والعشرين حين نجحت جائزة نوبل في لفت الانتباه إلى هذا المجال بمنح جائزتها السنوية في الطب والفسيولوجيا لـِريتشارد أكسل وليندا بك لاكتشافهما مستقبلات الشم ولأبحاثهما في مجال الجهاز الشمي، لتتسارع بعدئذ وتيرة الأبحاث في هذا المجال.
تاريخ الروائح
للروائح تاريخ ثقافي هائل، فقد دجّنها البشر قبل 7500 عام على أقل تقدير، ما بين استخدامها في المعابد والطقوس الدينية في مختلف الحضارات القديمة، واستخدامها في التطيّب والتجميل، بل وحتى في التطبّب، ومن هذا ما شاع في أذهان من قرأ في أدبيات الطاعون الأوروبي في العصور الوسطى عن كرة العطر (البوماندر)، الذي يتقلّدها الفرد لتستقر في جيده فتنشر الروائح على أن تكافح الطاعون، كانت هذه الصورة سائدة عن أيام ذلكم الطاعون، إضافة لصورة منقار قناع طبيب الطاعون الذي كان ذا حجم كبير حتى توضع في نهايته البعيدة عن الأنف أعشابا تشيع الروائح.
صورة لزي طبيب الطاعون قبل عدة قرون
ولا يستغرب المتأمل في علاقة الروائح بالبشر، أن يجد الروائح في القصص والتعاليم الدينية، فعلى الرغم من مخاطبة العقل في النص القرآني الكريم عبر مخاطبة السمع والبصر دونا عن الشم: (يا أولي الأبصار) و (لعلكم تسمعون)، إلا أن هناك نصيبا للشم في النصوص الدينية، فلا أشهر من رائحة يوسف عليه السلام التي شمها والده يعقوب عليه السلام، هذا ناهيك عن وجود عدد من الأحكام الفقهية المستنبطة من الأحاديث متعلقة بالرائحة، من حثٍّ على التطيب، ونهيٍ عن تطيب النساء في الفضاء العام وغير ذلك.
تبوأ العرب مكانهم المشهود في هذا التاريخ عبر صناعة العطور. فكانوا هم من اكتشف في القرن التاسع الميلادي أن الكحول مادة ناقلة للروائح في حين كانت الروائح آنذاك تُخزّن وتُنقل عبر الزيوت والمساحيق والمعاجين فقط، وتخلف الغرب عن هذا الاكتشاف عدة قرون، حتى باتت الكحول الناقل الرئيس في اقتصاد العطور حتى يومنا هذا.
ثم إن باريس، عاصمة العطور اليوم ، لم تكن دوما كذلك، فهذا وصف روائحي لها من الصحفي الباريسي، لويس مارسير عام 1782م: «إذا ما سُئلت كيف لأحد أن يقيم في هذا المكان القذر.. وسط هواء مسموم بآلاف الأبخرة المتعفنة، وسط محلات الجزارين والمقابر والمستشفيات والمجاري وسيول البول! وأكوام البراز! سأجيب بأن الاعتياد هو من ألّف الباريسيين لهذا الجو الكث والأبخرة المؤذية والأطيان كريهة الرائحة».
كان ارتباط الروائح في الأماكن العمومية بالقذارة، كما في وصف مارسير، أحد الأسباب الرئيسية في محاربة الروائح ثقافيا واجتماعيا، وصولا لإعلان مدن بأكملها خالية من الروائح كمستهدف مطلوب من أهداف هذه المدن، كما فعلت مدينة هاليفاكس الكندية، التي منعت استخدام الروائح في الأماكن العامة، وإن كان لهذا المنع أسبابا أخرى متوازية مع النظافة، مثل حقوق الأشخاص المتحسسين من الروائح. لكن لم يكن هذا هو السبب لمحاربة الروائح في الغرب، فيشير الناقد الفني لاري شاينر لسببين رئيسيين ساهما في تقليص المساحة الاجتماعية للروائح: الثورة اللوثرية التي هاجمت الروائح «الروحية» وبعض المفاهيم الروائحية مثل «رائحة القداسة» التي كانت سائدة في عصر ظهور الثورة اللوثرية، إضافة لانتفاء الاستخدامات الطبية للروائح بالطريقة المستخدمة في القرون الخالية.
وعلى أن الشم كذلك ثانوي أمام السمع والبصر في رموز الدول والحكومات، فأنت تجد الرايات والأعلام مكونا بصريا، والموسيقى الوطنية والأناشيد الوطنية مكونا سمعيا، لكنك، وإن كان بعد بحث حثيث، قد تجد أثرا لمفهوم الرائحة الوطنية، فبعض المدن بدأت بالاهتمام بهذا الجانب مستقطبة بعض صناع العطور لتكوين رائحة لمدينة ما لتكون هوية شمية للمكان، مثل ما حدث في نيويورك. يشكل هذا بداية لتفكيك العلاقة التي سادت من قبل بين انتفاء الرائحة والنظافة التي لها مبرراتها التاريخية كما أسلفنا، وقد يحدث ذلك في المدينة المنورة بحسب أحد الأصدقاء العاملين فيها، على أن يستوحي صانع العطور من روائح المدينة المنورة رائحة تمثيلية رمزية. إلا أنه لم ترق هذه الروائح بالاعتراف والتمثيل الرسمي كما حدث في العلم والنشيد الوطني.
الشَّم والعلم
بعد بديهية الحكم بتفوق البصر والسمع على غيرها من الحواس لدى الكثير، استخدم العلم بماديته لدعم هذا التفوق: فاشتباك مناطق البصر والسمع الدماغية بمناطق اللغة الدماغية أوثق بكثير من ارتباط مناطق الشم بمناطق اللغة، بل إن تعقيد القشرة الدماغية في ست طبقات موجود في مناطق البصر والسمع الدماغية الأولية، مقابل وجود ثلاث طبقات قشرية فقط في منطقة الشم الدماغية الأولية.
لكن هذا الموقف المطلق والمتعالي على الشم لا يتسق بالضرورة مع جميع النتائج العلمية المعاصرة. فللشم أدوار وظيفية لم يتأملها السابقون تأملا مليا، بل لم تتوافر لهم استطاعة ذلك. فهو أساس في التذوق! فقد اكتُشف حتى الآن خمسة أنواع من أصناف التذوق في الفم، الطعم المر، والحلو، والمالح، والحامض والأومامي (يتكون حين وجود أحماض أمينية ما).
وقد يتم اكتشاف صنف أو صنفين إضافيين بحسب بعض الدراسات المبدئية، لكن ذلك لن يكون كافيا لتفسير كامل الطيف التذوقي الذي يستطيعه البشر؛ فهناك أساسات أخرى للتذوق بجانب البراعم، كاستشعار قوام المضغة في الفم عبر نهايات عصبية مستقلة عن نظام البراعم. واستيعاب النكهة الحارة التي يلتذ بها كثير من البشر حتى تفننوا في صناعة الصلصات الحارة، ومن الطريف أن هذا الإحساس يتم استقباله عبر م ستقبلات الألم في الفم لا عبر براعم التذوق! وهذا يفتح النقاش المثير عن علاقة اللذة بالألم، وعن الاتجاهات النفسية والجنسية المازوخية لدى البعض! على كل حال، قد يكون الشم هو أهم هذه العوامل الجانبية المساهمة في تنويع الطيف التذوقي، فالمضغة حين تُمضغ في الفم ثم تُلقى في الجوف، تنبعث منها روائح تلتقطها المستقبلات الشمية المتواجدة في سقف البلعوم الأنفي، وبما أن الروائح التي يستطيع البشر تمييزها ضخمة العدد، فهي تثري بتباينها استيعاب المتذوق وتوسع مساحاته. تساهم أمور أخرى بطبيعة الحال في استيعاب الذوق مثل المعلومات البصرية لشكل ولون المأكل، لكنها جميعا دون دور الشم تحديدا في تدعيمه للنكهة.
التقط مارسيل بروست العلاقة الخاصة بين الشم بالذاكرة، وضمّنها في رائعته (البحث عن الزمن المفقود)، بعد أن مر بتجربة شعورية تناولها بتأمل حاذق. فقد قُدمت له كعكة مادالين مع الشاي وهو في مزاج سيء، فغمسها في الشاي ثم شم رائحتها وتناولها، فغمرته عاطفة مترعة بأحاسيس جميلة، لذة شاملة اجتاحت حواسه، يتوه المرء في وصفها. حدس بروست أنّ ردة الفعل الشعورية لها سبب خفي عنه، وأن لهذا الشعور لا بد ذكرى جميلة أعملت أثرها دون أن تقدّم نفسها لوعيه، فظل يتناول الكعكة تلو الكعكة، مستحثا ذهنه في البحث عنها حتى وجدها، فوجد مسرحه الذهني يتمثّلها: مشهد صباحات الأحد الدافئة والعذبة حين كان في طفولته يمضي وقته في بيت أخت جدته في كُمبراي، متناولا المادالين مع الشاي بتنعم تام. فهو من دوّن هذه الملاحظة: «ولكن حين لا يبقى شيء من الماضي البعيد.. بعد أن يكون الناس قد رحلوا، والأشياء قد تبعثرت وتحطمت، تظل حاستا الشم والتذوق، وهما الأشد هشاشة، رغم أنهما الأبقى! الأقل مادية، إنما الأكثر رسوخًا. تظلان صامدتين لوقت طويل، كالأرواح، تذكران وتنتظران وتتأملان، في خضم زحام كل ما تبقى، تحملان في جوهرهما الدقيق الذي يكاد لا يُحسّ، الهيكل الهائل للذاكرة». كانت ملاحظته هذه جديرة ورائدة، حتى باتت تُعرف هذه الظاهرة، ظاهرة استثارة الرائحة للذاكرة اللاإرادية، بـ«ظاهرة بروست» أو «أثر بروست» في الأبحاث العلمية العصبية. فقد ثبّت العلماء من خلال أبحاثهم أن الشم أكثر الحواس قدرة على استدعاء الذكريات اللاإرادية، فجميع مثيرات الحواس الأخرى، تمر شفرة رسائلها العصبية عبر نسيج دماغي (اسمه المهاد) يعدّلها قبل وصولها للقشرة الدماغية، محل الإدراك، باستثناء الشم التي تستطيع رسائله الأولية الوصول مباشرة إلى قشرتها الدماغية المطلوبة دون المرور عبر المهاد.
والشم، عبر الروائح، أقدر المثيرات الحسية على استثارة العاطفة، فشمك لرائحة عطنة كثة، حتى دون أن تعرف مصدرها، سيولّد فيك ردة فعل أقسى مما ستكون عليه لو رأت عيناك طعاما ظاهر العفن دون شمه!
يتبادر للذهن ضآلة حاسة الشم لدى البشر، خصوصا إذا ما استحضرت قدرة الكلاب الشمية الشهيرة، إلا أنها ليست بدرجة الضآلة التي يتصورها البعض، فثلاث قطرات من مركب ما (الإيثايلمركابان) مخففة في مسبح أولمبي الحجم، كافية لأن يلتقط البشر رائحتها، هذه الرائحة بالمناسبة هي الرائحة المضافة لغاز الطبخ عديم الرائحة أساسا ليسهل على الناس شمه إذا ما تسرب، وهذه إحدى توظيفات البشر المهمة للشم. ومن دلائل قدرة البشر الشمية استطاعتهم عموما تمييز ثلاث وحدات شمية في نفس اللحظة، ليميزوها عن الخلفية الشمية السائدة، بعد ذلك التمييز تعمل منطقة الشم في الدماغ على البحث عن هذه الروائح في مخزن الذاكرة الشمية، وإن لم تجدها خزنتها كذكرى شمية جديدة.
وحاسة الشم كغيرها من المدركات الدماغية، تخضع لمبدأ «الترميز التنبئي». ولأبين معنى هذا المبدأ، سأعرض عليك صورتين: في الصورة الأولى، وبالرغم من أن المنظور موضوعيا لم يتغير، ذهنك سيستوعبها على أنها إما صورة رأس امرأة عجوز أو صورة لفتاة يافعة ملتفتة لليمين، أو أنه سيقفز بين هاتين الصورتين. وكذلك في الصورة الثانية، إما رأس بطة ،أو رأس أرنب ،أو القفز بينهما، على أن العضوين الطوليين في يسار الصورة إما منقار البطة أو أذني الأرنب. فكثير من الاستيعاب الذهني للمدركات الحسية يخضع لعدد من التوقعات والمعارف والخبرات السابقة والسياق، فالأمر ليس محصورا في التمثيل الدقيق الأمين لما يثير المستقبلات الحسية التي نمتلكها، ليس محصورا فيما يثير شبكية العين في حالة البصر مثلا، ولا في النسيج الشمي في حالة الشم، إنما تعدَّل هذه المدركات عبر «الترميز التنبئي» الذي يتم في مناطق الدماغ العليا. وقد تأكّد هذا في دراسة شمية، فعُرض على المشاركين مركب كيميائي ما متطاير ذو رائحة واضحة، تارة قُدمت على أنها رائحة جبنة البارميزان، فاستوعبها الأفراد كذلك دون تفكير، وتارة قدمت نفس الرائحة تماما على أنها قيء، فتقرف الأفراد بشدة حين اشتموا هذه الرائحة على إثر هذا التوقع اللاواعي.
الصورة الأولى
الصورة الثانية
تؤثر الروائح على سلوكياتنا حتى وإن لم يدرك وعينا وجود هذه الرائحة، كما في مثال بروست آنفا، يستشعرالدماغ الرائحة ثم تحفّز فينا سلوكيات معينة دون أن يلتقطها وعينا. فقد أشارت عدد من التجارب أن تغييرا ما يتم في سلوك المتلقي إذا ما استُثير عبر رائحة ما. ففي أحدها، عُرض على أفراد رائحة عرق أناس تعرقوا خوفا وهم يشاهدون فيلم رعب، فتم رصد رد فعل فسيولوجي لدى المتلقين مشابه لسلوك الخوف الفسيولوجي، دون أن يعوا ماهية الرائحة أو مصدرها، بينما لم يتم رصد شيء من هذا في أجساد الأفراد الذين شمّوا عرق من تعرق بعد ممارسة نشاط رياضي بدني. وكأن الرائحة هنا شكلت تواصلا معينا، إنما لم ينتج تبعا للإرادة ولا هو مر عبر الوعي! وقد تكرست هذه الفكرة في دراسات أخرى، إحداها تم فيها تقديم صور وجوه نساء للرجال، مصحوبة برائحة دموع النساء التي نتجت عن تفرجهن لمناظر حزينة، ونتج عن هذا انخفاض في مستوى الانجذاب الجنسي لانخفاض في نشاط قشرة الدماغ في المناطق المعنية بالتفاعل الاجتماعي والعاطفي الوجهي، طبعا دون أن يعي الرجال مصدر هذه الرائحة. ليس هذا فحسب، بل أشارت دراسة أخرى أن المرأة تنجذب للرجل المختلف عنها فيما يسمى بـِ (مستضد الكريات البيضاء البشرية: معقّد التوافق النسيجي الرئيسي)، وهو مركب موجود في غلاف خلايا الإنسان ذو وظيفة مناعية أساسا، لكنه يساهم بشكل رئيس في تحديد رائحة الجسد، ويفسر البعض أن هذا السلوك البيولوجي يستهدف تكوين أجنّة ذوي أجهزة مناعية أكثر تنوعا وقوة في حال تم التزاوج بين شخصين متنوعين جينيا. وكذلك تؤثر حالة الإباضة عند المرأة على رائحة جسدها وتجعلها أكثر جاذبية للرجال! فللرائحة أثر سلوكي على الآخرين، حتى لو لم يع الآخرون ذلك، إنما ليس لدى البشر جهاز فورمونات خاص وذلك لأن العضو الميكعي الأنفي عضو مندثر لدى البشر كما سبق.
ومن غرائب خصائص الشم، وجود روائح يستطيع بعض البشر شمها دون البعض الآخر، حتى مع خلوهم من الأمراض أو الاعتلالات التي تصيب الشم، لكن ما أن ينبّه أحدهم هذا البعض ويدربه على شمها استطاع ذلك.
على سبيل المثال: نصف البشر يستطيع شم رائحة مركب الأندروستينون ابتداء، ولكن النصف الآخر لا يستطيع إلا إذا دُرّب على ذلك. وهذه الخاصية لا تجدها في حاستي السمع والبصر.
وكذلك ظاهرة «التعويد»، هي ألصق بحاسة الشم من غيرها، فأكثرنا يلاحظ العطر الذي يتعطر به حين يتعطر به أول الأمر، ولكن سرعان ما تخفُت لديه رائحة عطره حتى تختفي، على الرغم من أن من يصادفهم أو يجالسهم سيجدون هذه الرائحة ويعلّقون عليها، وذلك لأن الرائحة لا تزال موجودة لكنها ظاهرة التعويد، فحضور الرائحة مزاح عن مسرح الوعي، وإذا ما تأملنا المثيرات البصرية والسمعية لا نجد مثل هذه الدرجة من التعويد، فأنت تستطيع أن تركّز مثلا في مصدر صوتي ما من بين مجموعة مصادر -مثل صوت التلفزيون مقابل صوت دقات الساعة وأنت تتفرج على برنامج ما- أو مصدر بصري ما من بين مجموعة مصادر -مثل تركيز النظر في شاشة السينما مقابل إهمال حركات رؤوس المتفرجين الجالسين أمامك في السينما-، لكن بقية المصادر الحسية التي تهمّشت تبقى قريبة جدا من مسرح الوعي قابلة للاستدعاء متى ما أراد الفرد ذلك، فهو قادر على إزاحة التركيز صوب دقات الساعة أو حركة رؤوس متفرجي صالة السينما متى ما أراد، لكن لا تكون سهولة الاستدعاء هذه في حالة للشم.
أما نواقص الشم فقد يكون أبرزها أن البشر لا يستطيعون إصدار وتشكيل الروائح بشكل إرادي ومنظم عبر أجسادهم، بعكس السمع والبصر، فالأفواه تنتج أصواتا رهن الإرادة، وبسيطرة عالية ليصبح إنتاج نظام صوتي لغوي اجتماعي متاحا، وكذلك السيطرة على الأطراف التي تنتج رسوما ورموزا، متيحة إنتاج نظام لغوي مقروء، بل إن حواسا أخرى مثل حاسة اللمس الجسدي عبر الأصابع قد تم تجنيدها لخدمة اللغة المقروءة لدى العمي كما في نظام برايل للقراءة، لكن لا يُتصوّر احتمال وجود نظام روائحي يُستخدم اجتماعيا كلغة، ليس قبل تطور تقني وعلمي هائل يتيح تصنيف الروائح بشكل معياري يتواطؤ مجموعة من البشر فيه على ربط معان معينة مع روائح معينة ليشكلوا نظاما لغويا ما عبرها، هذا بعد القدرة على ضبط إنتاج الروائح حتى تتاح هكذا لغة، وبعد إيجاد حلول لبعض مشاكل الشم في هذا المجال مثل ظاهرة التعويد المذكورة آنفا.
ففي حين أن بعض الملاحظات العلمية تدعم ملاحظة أفلاطون في العلاقة العصيّة بين اللغة والروائح، فإن غالب البشر لا يستطيع وصف نصف الروائح التي يتعرض لها كل يوم! إلا أن دراسات علمية تقرّر هذه العلاقة الضئيلة في العقل الغربي تحديدا. فقد شكّكت ورقة علمية مهمة نُشرت عام 2014 م بإمكان تعميم ملاحظة أفلاطون على جميع البشر بمختلف مرجعياتهم الثقافية. فتم فيها مقارنة أفراد من شعب جاهاي الآسيوي مع أفراد إنجليز، ووجد الباحثان أن الجاهايين قادرون على تصنيف ووصف الروائح بالسهولة التي يستطيعون بها وصف وتصنيف الألوان، على عكس المشاركين الإنجليز الذين لم يستطيعوا ذلك. يُستنتج من هذه الدراسة أن الثقافة، واللغة حاضنة الثقافة، عامل رئيس في تكوين نظام لغوي يتعامل مع طيف الروائح المستطاعة، وأن هناك ثقافات، وبالتالي لغات، بددت هذه الاستحالة، كما هو الحال مع ثقافة الجاهاي على الأقل.
بعد هذا، يبدو لي أن الشم مساحة مهملة في التجربة البشرية، لو مكِّنت وانتقلت من موقعها الهامشي في الوعي الحديث لساهمت في إثراء وتوسيع الإدراك. فعلى أن الشم حاسة مراوغة، لها طريقها القوي تجاه اللاوعي مقارنة بالسمع والبصر الأكثر انصياعا للإرادة والتشكيل البشري، إلا أن هذه المراوغة قد تكون أهم مكامن فرادتها وقوتها، لتجعلها ألصق بالتجربة البشرية الذاتية العصية على الاختزال الذي يعوِّم التفصيلات الشخصية التي تفرق بين الفرد والآخر. فالروائح لم تُستنزف توظيفيا، وقد توظف بطريقة مهمة حتى للبقاء البيولوجي كما في حالة ربط الرائحة بغاز الطبخ لتفادي التسمم الصامت بالغاز، ناهيك عن المساحات الذهنية والجمالية المحتملة التي قد يفتحها الشم. فمجتمع بشري ثري بالروائح هو مجتمع أوسع وعيا على المستويين الفردي والمجتمعي من غيره. فكيف ستختلف حيواتنا لو أن جهاز الهاتف الذكي الذي بات جزءا من وجودنا اليومي، أتاح استقبال وإرسال الروائح ليصبح جهازاً سمعياً -بصرياً – شمياً؟
** **
- د. سلام محمد رضا نصرالله