تابعتُ باهتمام تطورات الدمة العسيرية في الآونة الأخيرة، ولاحظتُ تنامي الاهتمام بها، وظهور محاولات نقدية تسعى إلى إبراز خصائصها والدفاع عنها بوصفها لونًا شعريًا له حضوره وخصوصيته.
ومن هذا المنطلق آثرتُ أن أشارك المهتمين بهذا الهم المعرفي الأصيل، متناولًا بعض القضايا التي تدور في الساحة الشعرية حول الدمة العسيرية، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسة:
أولاً: تحولات شعر الدمة خلال الخمسين عاما الأخيرة من الصعب الحديث عن تحولات شعر الدمة خلال العقود الخمسة الأخيرة دون الوقوف أولًا عند الشاعرين الكبيرين: ابن عشقة وأمثوابي؛ فهما، بلا شك، من أبرز الأسماء التي رسّخت حضور هذا اللون الشعري، وشكّلت تجربتهما علامة بارزة في مسيرته.
غير أن رصدَ التحولات لا ينبغي أن يتوقف عند مكانتهما الراسخة، بل يقتضي النظر كذلك في الأحداث والتحولات التي صاحبت تجربتهما أو تلتها، وفي الأسماء التي أسهمت في إعادة تشكيل المشهد..
لقد كانت هذه الأحداث المفصلية نقطةَ تحولٍ لشعراء آخرين من بيئاتٍ أخرى تربعوا على هرم الشعر الشعبي زمنا طويلا، وكانوا محورا رئيسا لتغييرات جذرية عصفت بشعر الدمة مثل الشاعر الكبير الصنيدلي؛ فله يعودُ الفضلُ في تطور فن الدمة لا سيما في جانب المحاورة منها وحضورها الميداني القوي، حيث استطاع بغزارة شعره وقوة حضوره إحداثَ تحولٍ كبير، قادَ إلى بروز شعراء كبار ساهموا بمعيته في إحياء الدمة وظهورها بمظهرٍ مختلفٍ ولافت. ومن أمثال هؤلاء الشعراء: امسحاقي وحسن جابر وابن مسعود وابن محيص هؤلاء الخماسي الذين نعدهم فرسان المرحلة والطبقة الأولى في هذا التحول ممّن عنيتُ بشعرهم تحديدا.
وهذا لا يعني تغييبَ الآخرين ممّن عاصروا المرحلة، ولكن قد يشير إلى توجهاتٍ أخرى للشعراء المعاصرين فمنهم من أبدى تجنبه المقصود لهذا التحول، وأعني بالتحول: التركيز على المحاورة بشكلها الجديد المفرط -كمعيار جوهري للحكم على الشاعرية- وانتهجَ نهجَ زعماء الدمة كابن عشقة وامثوابي عندما كانوا يكتفون بمحاورات خاطفة تكون قيّمة وهادفة، ولها مغزى ومعنى دفين دون الإسهاب في محاورات كثيرة قد تطفو عليها السطحيةُ فيضيع المعنى المنشود، وتتحول إلى مهاترات لا طائل منها، ومن أبرز هؤلاء: الشاعر الكبير محمد هادي وغيره كثير.
كما تجدر الإشارة إلى شعراء آخرين برزوا في مجالات شعرية شعبية أخرى كالخطوة مثلا أكثر من بروزهم في مجال الدمة والمحاورة منها على وجه الخصوص. كذلك يمكن الحديث عن شعراء أقوياء جدا لكنهم قد يأتون في طبقات تالية للمتقدمين ممن ذكرنا على الأقل - من وجهة نظر خاصة-
وهذا المقال ليس تصنيفاً أو حكمًا نهائيًا، وإنما هو قراءةٌ شخصيةٌ قابلة للنقاش والمراجعة، خصوصًا أن الحكم على التجارب الشعرية يظل مرتبطًا بالمعايير التي ننطلق منها في تقويم الشاعر وتجربته، وليس أمرا هينا يتيح لأي كاتبٍ التجرؤَ عليه.
ثانيًا: شعرية الدمة كيف نميزُ بين الشاعر الحقيقي والناظم العادي؟!
هنا يأخذنا الحديث إلى السؤال النقدي الأهم: ما الذي يجعل القول شعرًا؟ وما الذي يمنح النص شعريته؟
وهو سؤالٌ يتصلُ بمفهوم الشعرية الذي أثارته الدراسات النقدية الحديثة، ومنه سؤال جاكبسون الشهير حول ما يجعل الأدب أدبًا.
إن الشعرَ لا يتحقق بمجرد الوزن أو القافية، ولا بكثرة المحاورة، ولا بالحضور الجماهيري وحده؛ وإنما تتحقق شعريته من خلال مجموعة من السمات التي تتصل ببنية النص، وبطريقة بناء المعنى، وبالقدرة على ابتكار الصورة والتعبير، وإحداث أثر جمالي لدى المتلقي.
ومن هنا فإن التمييز بين الشاعر الحقيقي وغيره يحتاج إلى أدوات نقدية دقيقة ومتخصصة تستطيع النظر في النص ذاته، لا في شهرة قائله أو حضوره الاجتماعي.
وحين يتعذر حضور الناقد المتخصص، فإنَّ الذائقةَ الرفيعةَ والحسَّ النقدي الأصيل يمكن أن يساهما في التمييز بين الشعر الحقيقي والقول الذي لا يتجاوز حدود النظم أو المحاورة العابرة.
ولعل من المفيد هنا استحضار نماذج من الشعراء الذين استقرت مكانتهم في الذاكرة الشعرية، مثل أمثوابي وابن عشقة ومحمد القرمادي وامسحاقي الأسلمي؛ فالنظر في تجارب هؤلاء لا ينبغي أن يكون من أجل تقديسها أو تكرارها، وإنما من أجل اكتشاف العناصر التي منحتها قيمتها واستمرارها.
إن أصالة المعنى، وابتكار البناء، وقوة الصورة، والتكثيف، والقدرة على توليد الدلالة، كلها عناصر يمكن أن تساعد في بناء معيار نقدي أكثر دقة لشعر الدمة.
ومن هنا تأتي أهمية الدراسات النقدية الجادة؛ إذ إن قلة الاشتغال النقدي المتخصص على فن الدمة جعلت مساحةَ الحكم عليه تعتمد، في كثير من الأحيان، على الذائقة الفردية أو الشهرة أو المجاملة.
وقد أسهم هذا الوضع، بصورة أو بأخرى، في تراجع القيمة الجمالية لبعض الممارسات الشعرية؛ لأن المتلقي حين يقبل القول الضعيف ويزكي قائله، فإنه لا يكتفي بالتلقي، بل يصبح شريكًا في تكريس الظاهرة.
وتزداد المشكلة حين تتدخل المجاملة ، فيتردد بعض الشعراء أو النقاد في التصريح بما يرونه حقيقة فنية، خشية أن يتحول النقد إلى إساءة شخصية.
ولذلك فإن الدمة اليوم بحاجة إلى نقد صريح، لكنه عادل؛ نقد يفرق بين الشاعر وشعره، وبين الشخص وتجربته، وبين الشهرة والقيمة الفنية.
ثالثًا: حول كتاب «شعر الدمة في عسير»
وقع بين يدي كتاب حديث الصدور بعنوان «شعر الدمة في عسير»، وهو، بلا شك، جهد مبارك في التعريف بهذا اللون الشعري، ولا يخلو من فائدة وإضافة إلى المكتبة الشعبية.
ولست هنا بصدد الحديث عن الفوائد التي أضافها الكتاب، إذ أترك للقارئ فرصةَ اكتشافها، وإنما سأتوقف عند بعض الملاحظات التي أراها جديرةً بالنقاش.
أول هذه الملاحظات يتعلق بعنوان الكتاب؛ فالعنوان «شعر الدمة في عسير» يوحي بعمل واسع وشامل يستقصي هذا الفن في المنطقة، ويتتبع نشأتَه وتحولاتِه وأبرزَ شعرائه وخصائصه الفنية. غير أن الكتاب، في تقديري، لم يغص في أعماق الدمة بالقدر الذي يوحي به عنوانه، وإنما يمكن النظر إليه بوصفه بادرةً وبذرة أولى لكتابات أخرى أكثر شمولًا وعمقًا ودقة.
ومن الملاحظات الأخرى حضور تجربة المؤلف الشخصية بصورة ٍكثيفةٍ من خلال إيراد شعره في الكتاب. وهذا الحضور، في ذاته، ليس موضع اعتراض، فالكاتب أدرى بتجربته، وقد يكون شعره جزءًا من المادة التي يريد توثيقها؛ غير أن كثافة حضور التجربة الشخصية قد تجعل القارئ يتساءل عن مدى اتساق ذلك مع الإيحاء الشامل الذي يحمله عنوان الكتاب.
ولذلك ربما كان عنوان من قبيل «شعر الدمة في عسير: تجربتي الشخصية» أكثر تعبيرًا عن طبيعة المادة التي يتضمنها الكتاب، إذا ثبت أن المادة الشعرية الخاصة بالمؤلف تشكل نسبةً كبيرةً من محتواه.
وهذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة الكتاب، وإنما تتصل بالعلاقة بين العنوان ومحتوى العمل، وهي علاقة مهمة في أي كتاب يتصدى للتعريف بفن أو ظاهرة ثقافية واسعة.
أما ما يثار حول الكتاب في وسائل التواصل الاجتماعي، فأرى أن كثيرًا من الآراء المتداولة اتسمت بالقسوة والجور، وربما تجاوز بعضها حدود النقد الموضوعي إلى التجريح.
والإنصاف يقتضي القول إن الكتاب، رغم ما يمكن تسجيله عليه من ملاحظات، ليس خاليًا من الفائدة والإضافة، وإنما تبدو قيمته محدودة إذا قورنت بسعة العنوان وحجم المادة التي لا تزال تنتظر البحث والدراسة.
ولعل الأجدى بدل الاكتفاء بالنقد والهجوم أن يكون هذا الكتاب حافزًا لظهور أعمال أخرى أكثر عمقًا، تتناول الدمة من جوانبها التاريخية والفنية والجمالية، وتستفيد من مادتها الشعرية الكبيرة، وتقدم قراءةً نقديةً واعية وشاملة لهذا الفن.
خاتمة
إن الدمة العسيرية ليست مجرد لون من ألوان الشعر الشعبي، وإنما هي جزء من الذاكرة الثقافية والاجتماعية للمنطقة، وحفظها لا يكون بمجرد جمع النصوص وترديد الأسماء، بل يحتاج إلى توثيق واعٍ، ودراسة نقدية جادة، وقراءة تتجاوز الانطباع إلى التحليل.
وإذا كانت الدمة قد قطعت خلال العقود الماضية مراحل متعددة، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أن ينتقل الاهتمام بها من مجرد الاحتفاء إلى التأصيل والدراسة والنقد.
فالاحتفاء بالشعر لا يعني أن نصفق لكل ما يقال، والنقد لا يعني أن نهدم ما أنجزه الآخرون.
وبين الاحتفاء والنقد يمكن أن تتشكل رؤية أكثر نضجًا لهذا الفن؛ رؤية تحفظ للدمّة مكانتها، وتكشف في الوقت نفسه مواطن قوتها وضعفها، وتفتح الباب أمام جيل جديد من الشعراء والباحثين والنقاد.
ولعل ما نحتاجه اليوم ليس ناقدًا يبحث عن شاعر يمدحه، ولا ناقدًا يبحث عن شاعر يهدم تجربته، وإنما نحتاجُ إلى ناقدٍ يضع الشعر أمام ميزان النقد، ثم يقول ما يراه بإنصاف وشجاعة.
** **
د. مفرح شعبان عسيري - متخصص في الأدب العربي