لو نظرنا إلى البيئة الأدبية في الفترة الحالية للمجتمع السعودي لوجدنا مفارقة تاريخية وثقافية ذات أبعاد عميقة. فمن الناحية الجغرافية والأنثروبولوجية، يُعدّ مجتمعنا السعودي هو الامتداد الطبيعي والوريث المباشر للبيئة التي شهدت ميلاد الشعر العربي وسادت فيها قيمُه الأخلاقية والجمالية الأولى. إنه المجتمع الأقرب نسباً ولغةً ووجدانًا إلى النواة العربية الصافية قبل أن تطرأ عليها التأثيرات اللسانية والحضارية الناجمة عن الاختلاط بالأمم الأخرى. ورغم هذا الامتداد الوثيق، ورغم الاحتفاظ الضمني بالمنظومة القيمية التي شكّلت المادة الأساسية لمدونة الشعر القديم؛ فإن العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت تراجعًا ملحوظًا لحضور هذا التراث الشعري في الفضاء الثقافي العام للمجتمع.
لم يكن الشعر العربي الفصيح، بأخباره وسيره وشواهده، يمثل مكونًا حركيًا في الأحاديث اليومية أو المجالس العامة والخاصة إلا في حدود ضيقة لا تتجاوز التداول النخبوي، ولم تكن شخصيات مثل امرئ القيس أو جميل بثينة أو جرير حاضرة في الثقافة السعودية لدى العامة، لقد حدث نوع من الاستغناء الذاتي على المستوى الأدبي الشفاهي؛ إذ اكتفى المجتمع بالشعر الشعبي ليؤدي الوظائف الاجتماعية والوجدانية والتعبيرية التي كان يؤديها الشعر الفصيح قديماً. كان الشعر الشعبي أسرع وصولًا إلى الوجدان العام، وأكثر قدرة على التعبير عن تفاصيل الحياة اليومية والبيئة المحلية بلغة مفهومة ومباشرة، مما جعل الشعر العربي الفصيح ينسحب تدريجيًا ليغدو أدبًا منزويًا في أروقة رسمية وأكاديمية بعيدة عن المجرى الحيوي للحياة الاجتماعية.
ومما زاد من هذه الهوة بين المجتمع والشعر العربي، تلك العزلة بين المؤسسة الأدبية الرسمية والمتمثلة في الأندية الأدبية والأوساط الأكاديمية، والمجتمع. وعندما تنبهت هذه الجهات لتلك العزلة وحاولت الأندية الأدبية الخروج من برجها العاجي والتواصل مع الجمهور للبحث عن متلقٍ جديد، كان ما تملكه هو نصوص شعرية وأطُرٌ نقدية تنتمي إلى المدارس الحداثية الغربية، وبطبيعة الحال كانت غريبة عن الذائقة السائدة فوجد القارئ غير المختص نفسه أمام لغة شعرية لا تشبهه ولا تخاطب وجدانه، إذ كان الخطاب الأدبي والنقدي موجهًا بمفاهيم بنيوية، وسريالية وغيرها فأدت هذه الممارسات إلى خلق شعور بالغربة المعرفية لدى المتلقي البسيط، وشعورٍ بأن الشعر ونقده طقسان مغلقان لا يلجهما إلا من استوعب علوم الشرق والغرب وتضلع من الفلسفة والتحليل النفسي والأنثروبولوجي.
نتيجةً لذلك، تشكّلت صورة نمطية في الذهنية الجمعية حول الأديب أو الشاعر، باعتباره كائنًا غريبا يتحدث بلغة الرمز التي لا تدركها العقول، داخل دوائر مغلقة تتكرر فيها الوجوه والمساجلات الذاتية. فأدى هذا الانفصال إلى تكريس استغناء المجتمع الطبيعي عن الأدب الفصيح، وغياب تدوير الشخصيات التاريخية والأحداث الأدبية في الذاكرة اليومية.
مع مطلع عصر التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية الحديثة، شهدت الساحة الثقافية تحولاً بنيوياً غير متوقع. برزت شريحة من الشباب صناع المحتوى والمهتمين بالأدب، كسروا أطواق الجمود الأكاديمي، وقدموا المادة الأدبية بأسلوب سردي مشوق وجذاب. فاجأ هؤلاء الأدباء الجدد، أمثال حمود الصاهود، وحسني مالك، ونايف حمدان، وغيرهم، المجتمع بحديث يختلف تماماً عن الخطاب الأدبي السائد في العقود الماضية. لقد أعادوا قراءة تاريخ الأدب العربي، واستخرجوا منه السير والمواقف والأشعار، وقدموها في قالب رصين وبسيط بنفس الوقت وأسلوب حي يلامس مشاعر الناس العامة والخاصة على حد سواء، واستثمروا تأسيسهم القوي في اللغة والأدب وما يمتلكون من قدرات نقدية تعينهم على انتقاء الأجود من الشعر العربي، وما حباهم الله من قبول لدى المجتمع، بنشر هذه الثقافة وإقناع المجتمع أنه ثمة شعر يشبههم ويحاكي وجدانهم وهمومهم، فأحدثوا هذا التغيير المفاجئ!
لم ينطلق هؤلاء النشطاء من منطلقات تنظيرية معقدة، بل اعتمدوا على قوة النص العربي الأصيل وقدرته السحرية على التأثير، استعاد هؤلاء نصوص أمرئ القيس، والأعشى، والأحنف بن قيس، وقيس بن الملوح، وغيرهم، ونبهوا الوعي الجمعي إلى أن هؤلاء الشعراء ليسوا أرقاماً في كتب التاريخ المدرسية، بل هم أجداد عاشوا على هذه الأرض ذاتها، وتغنوا بمرابعها وجبالها وأوديتها. أحدث هذا الربط الجغرافي والنسبي والوجداني المشترك بين المتلقي والشاعر القديم صدمة إيجابية في الوعي الجمعي، وأعاد اكتشاف الشعر بوصفه مكونًا رئيسًا للهوية.
لم يتوقف هذا الحراك عند الجهود الفردية على منصات التواصل، بل تضافر مع تحول رسمي واعي تجسد في المبادرات الثقافية الوطنية، وفي مقدمتها مبادرة الشريك الأدبي التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة. أسهمت هذه المبادرات في نقل الفعل الأدبي من المنصات الافتراضية إلى ا لمقهى والمجلس والمرفق العام، لتتحول المسامرة الشعرية إلى طقس اجتماعي يومي تدور فيه الأشعار، في كل مجلس كما تدور القهوة السعودية.
أدى هذا التكامل بين الحراك الفردي غير الرسمي والرعاية المؤسسية الرسمية إلى تغير الصورة النمطية للأديب؛ حيث تحوّل المثقف في نظر الشباب من شخصية معزولة غامضة، إلى نموذج يُحتذى به في التميز الاجتماعي والمعرفي. كما شهدت المكتبات إقبالاً متزايدًا من النشء والشباب لاقتناء الكتب الأدبية والمجامع الشعرية والمباهاة بالمعرفة التراثية، واصطبغ الفضاء الاجتماعي بسمة ثقافة متذوقة للشعر، تعيد بناء ذاكرتها على أسس لغوية وجمالية أصيلة،
ولتحديد الموقع الراهن لهذا الحراك وتقييم مساره المستقبل، ينبغي إسقاط هذه الظاهرة على صيرورة التاريخ الأدبي العربي؛ فالوعي التراثي لا يتكرر عبثاً، بل يخضع لظروف تاريخية ومجتمعية متكاملة. وإن ما نعيشه اليوم ليس حدثًا منعدم النظير، في تاريخ الفكر العربي، بل هو تكرار لدورة حضارية شهدها الفكر العربي في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني الهجري.
شهدت تلك الفترة العباسية الحركة الأولى لجمع الشعر العربي وروايته وتدوينه على أيدي أئمة الرواية مثل أبي عمرو بن العلاء، وحمّاد الراوية، والمفضل الضبي. عمل هؤلاء الرواة على جمع الشتات الشعري من البادية، وتدوينه في دواوين ومجموعات مثل المفضليات، والأصمعيات، وإعادة تصديره إلى المجتمع الإسلامي الناشئ الذي شغلته الفتوحات وبناء الدولة وحفظ القرآن، عن التراث الجاهلي الأول. كانت تلك المرحلة ضرورة حضارية لحفظ المادة الخام للغة والشعر، تمامًا كما تفعل حركة الجمع والمسامرة الحالية في إعادة بعث النص القديم وتثبيته في الذاكرة الجمعية.
وعند عقد مقارنة تحليليّة شمولية بين حالتين تاريخيتين، نجد أن الدافع الأساسي في العصر العباسي تمثل في حفظ اللغة من الضياع والتأثيرات الخارجية وتأطير الهوية الإسلامية والعربية، بينما يكمن الدافع في الحراك السعودي الراهن في حماية الهوية الوطنية والتراث من ذوبان العولمة والانفتاح الرقمي. أما الوسيلة، فقد انتقلت من شفاهية المربد والبادية والمخطوطات القديمة إلى المنصات الرقمية، والبودكاست، والمقاهي الثقافية، والفعاليات الجماهيرية.
كما أن الخطاب المعجمي التوثيقي المعتمد على الإسناد والتحقق اللغوي لدى الرواة القدامى، تحول اليوم إلى خطاب سردي حكائي ممتع وتبسيطي يعتمد الإلقاء الممتع والربط الوجداني. وفي حين كان التدوين القديم يبحث عن عرب خُلَّص في أعمق نقاط البادية للاحتجاج اللغوي، يعمد الحراك الراهن إلى ربط المعالم التراثية في الشعر القديم بالجغرافيا والتاريخ والقيم الوطنية المعاصرة.
غير أن التاريخ الأدبي يشهد بأن مرحلة الجمع والرواية والمسامرة لم تكن سوى قاعدة إسناد لمرحلة أكثر نضجًا وعمقًا؛ إذ سرعان ما تحولت حركة الرواية العباسية إلى مرحلة أهم وأعمق وأقدر على إنتاج فكر معاصر وهي حركة النقد التي تلت مرحلة الرواية والجمع ظهرت في البداية حركة تمزج بين الاستشهاد والتحليل المعرفي مع الأصمعي، وأبي زيد القرشي، وابن سلام الجمحي، ثم نضجت الممارسة النقدية لتتحول إلى تنظير معارف صلبة مع الجاحظ، وقدامة والآمدي وصولا إلى الجرجاني وابن الأثير، أدى هذا التطور إلى نقل العقل والعربي من مجرد الاستمتاع بالنص إلى تحليل بنيته وفهم آلياته، مما رفع الذائقة العامة وزود المتذوق بأدوات التمييز بين الغث والثمين وتمكنه من إعادة إنتاج أدب رصين كما حفظته لنا ذاكرة الأدب!
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل الحضور الراهن للشعر والأدب في المجتمع السعودي غاية في ذاته، أم أنه مرحلة تأسيسية يجب تجاوزها نحو أفق معرفي أرحب؟
إذا اكتفينا بمرحلة السرد والرواية والمسامرة واستعادة الأمجاد التاريخية، فإننا نغامر بتحويل الأدب إلى ظاهرة استهلاكية أو موضة ثقافية عابرة تنتهي باستنفاد شغف الجمهور وسنهدر هذه الجهود التي عمل عليها الشباب الذين أشرت إليهم، إن الاستثمار الأمثل لمرحلة الشغف الراهنة يتطلب الانتقال المنظم والسريع من محطة الرواية والسمر إلى محطة النقد ونشر الثقافة النقدية.
إن نشر الفكر النقدي بين المتذوقين والمهتمين لا يعني إغراقهم بالاصطلاحات المعقدة كما فعلت الحداثة المعزولة، بل يعني تسليحهم بأدوات المعايرة الجمالية، وفهم البيئة النفسية والاجتماعية التي تنتج النص، واستكشاف مجازات اللغة وأسرار بلاغتها. إن هذا التحول النقدي هو الوحيد القادر على بناء ذائقة واعية تنتقل بالمتلقي من موقف المستهلك المنبهر إلى موقف المشارك الناقد القادر على التمييز والفرز.
كما أنه السبيل لتنقية الساحة من مخاطر الاكتفاء بالحكايات دون التحليل، ولتحفيز الإنتاج الإبداعي الحديث؛ فالنقد المنهجي هو الذي يمهد الطريق لولادة أدب سعودي حديث، يمتلك أصالة التراث وحداثة المعاصرة، ويعبر عن الهوية الوطنية في أبعادها الإنسانية. وأخيراً، يمثل هذا التحول البوابة الرئيسة لتصدير المنتج الثقافي عالميًا، فالأدب الذي لا يخضع لمنظومة نقدية صلبة يبقى محلي الاستهلاك، بينما يرفع النقدُ الفعَّالُ الإبداعَ ليكون جديرًا بالترجمة والتصدير، ليتخذ الفكر الأدبي السعودي موقعة المستحق على خريطة الثقافة العالمية.
** **
- مفلح البلوي
X: @abuyaara