تقرأ الكتب لتجد جزءًا مكتسبًا من وعيك يكمل صورة المعنى المخبأة في النصوص، مثل كتاب «السعادة والإنسان العصري». اختار الفيلسوف برتراند راسل الحديث عن السعادة، لكن بمجرد أن تبدأ في قراءة هذا الكتاب ستجد مفهومًا معاكسًا. اهتم بالدقة والتفاصيل في مناقشة الموضوعات المتنوعة التي تعتمد في ملامحها على واجهة الحياة اليومية لدى الإنسان، بين السعي والكسل، وبين الاجتهاد والجهل، وبين الموت والحياة، وكأنه يخبرنا أن للإنسان مشاعر متغيرة مرتبطة بما يمر به، ومن خلال ذلك يستطيع أن يتشكل من الداخل بحسب الموقف الذي يقف أمامه.
حينما تقرأ، تجد نفسك منغمسًا في الغاية التي حاول أن يوصلها إلينا، وهي تعتمد على طريقة التفكير التي يُفترض أن تصدر من أي قارئ، وليس الاعتماد الكلي على الكاتب وحده. لذلك، حينما يتحدث عن السعادة، لم يحصرها في معنى محدد دون أن يذكر تلك المشاعر والصراعات الذاتية مع الحياة. كان يعرف أن اتساع المفهوم لا بد أن يتمثَّل في تفسير المعنى، وأن السعادة في حياة الإنسان تتغير بحسب احتياجه إلى تفعيل سعادته الخاصة.
أحيانًا تحتاج إلى معرفة سلوكيات كل ما يولّد الشعور؛ لتفهم متى يبدأ ذلك ومتى ينتهي، ومتى تنتقل إلى شعور آخر، حتى تدرك مكانتك الذاتية من كل هذا. كما حاول أن يدمج السعادة في طريق الفلسفة؛ ليتمكن القارئ من خلق مساحات فكرية تجعل السعادة قيمة ذاتية، ثم قيمة مبدئية يتميز بها الإنسان، ويلامس معناها في تفعيل وجودها في حياته، وصولًا إلى حياة ذات جودة متزنة عقليًا وفعليًا وعاطفيًا.
ولو نظر الإنسان من زاوية أخرى، لوجد أن السعادة شعور انتقالي يتغير باختلاف المواقف، لكنه يظل قادرًا على خلق البهجة في الحياة، ولا يمكن لأحد أن يعيش في إطار شعور واحد، ويُجرَّد من المشاعر الأخرى؛ فلا بد من المرور بها جميعها لينسجم الإنسان مع مشاعره.
بعد تلك القراءات العميقة في الكتاب، يستحيل أن يخرج القارئ منه دون أن يسلك طريقًا واعيًا في فهم معنى أن تكون عنوانًا للسعادة، وأن تكون إنسانًا؛ فهذا كفيل بأن يجعلك تعيش السعادة بكل ما تحمله من قيمة.
التقدير الذاتي يبين مدى قدرة الوعي؛ فكلما كان الإنسان واعيًا، استطاع أن يضع كل المعايير الذاتية أمام السعادة، ثم يجد نفسه دائمًا في اختلاقها. وحتى إن لم يحدث ذلك، فإنه يستطيع أن يخلقها؛ لأن وجودها يصنع الفارق الإنساني، بل يهذب الأخلاق، ويدفع السلوك إلى اختيار أفضل ما يمثل الإنسان.
فيصبح ذلك الشعور كمرآة ساطعة تشع ضوءها من أول إحساس يبدأ من الداخل، ثم ينمو كل شيء من بعده بصورة متلائمة مع مستوى عقلانية الإنسان نفسه.
** **
- نورة محمد بابعير